محمد مصطفى القباج: المغرب يعيش انحسارا على مستوى الرؤية المستقبلية والأحزاب تلعب دور الملاكم

367025 مشاهدة

تتنوع اهتمامات الأكاديمي المغربي محمد مصطفى القباج بين حقول الفكر والفلسفة والأدب والتربية والنقد الفني، فهو عضو في عدد من الهيئات والمنظمات كالجمعية الفلسفية المغربية، واتحاد كتاب المغرب، ومنظمات المجتمع المدني لقيم المواطنة والتنمية والحوار، ومركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، ومركز دراسات الوحدة العربية، كما يعمل خبيرا لدى أكاديمية المملكة المغربية، وصدرت له مجموعة من الكتب منها: «الطفل المغربي وأساليب التنشئة الاجتماعية بين الحداثة والتقليد» و«الأمية في المغرب: هل من علاج؟» و«مقاربات فكرية وسياسية في الشأن العربي الراهن» و«من قضايا الإبداع المسرحي» و«التربية والثقافة في زمن العولمة» و«عمّ يتحدثون: نظرات في فكر أعلام من المغرب المعاصر» و«حوار الثقافات وحقوق الإنسان في زمن العولمة» و«مقاربات في الحوار والمواطنة ومجتمع المعرفة» و«مشاغل الفكر في زمن العولمة» و«عصارة فكر، شذرات: نصوص ومداخلات حُرّرت تحت الطلب». التقته «القدس العربي»، وأجرت معه الحوار التالي: ○ ما هو التوصيف الذي تقدمه لراهن الثقافة المغربية؟ • أنا من طبعي متفائل، ولا أريد أن أقدم نظرة سوداء حول أي مشهد. ومع ذلك، فلديّ مجموعة ملاحظات أساسية حول المشهد الثقافي بالمغرب: أرى أن الثقافة تحوّلت إلى ريع، أكثر منها إنتاج وإبداع. اليوم، معظم المثقفين لا يقدمون إنتاجا لكي تكون له القاعدة الأساسية من القراء التي تمنحهم الشرعية الأدبية، فالكاتب يقدم كتابه للحصول على الدعم المادي، ولا يهّمه أن يُباع كتابه أو أن تكون له أصداء. مشهدنا الثقافي بئيس إلى حد ما، إذ لم يعد للمثقف دور ولا كلمة، بخلاف ما كان عليه الحال في الماضي، حيث كان للمثقف موقف، فحين يحلّل وضعية ما يكون لكلامه وزن، ويجد من يُنصت إليه ويأخذ برأيه في كثير من القضايا بما فيها القضايا السياسية والاجتماعية، سواء على المستوى الرسمي أو على المستوى العام. اليوم، انسحب المثقف من مسؤوليته الفكرية والاجتماعية، لصالح السياسي الذي أصبح سيد الموقف، وكذلك لصالح الخبير الاقتصادي والتكنوقراطي. وبما أن المثقف عمل على تهميش نفسه، فقد أصبح بمثابة شاهد عادي، يتحدث بدون طعم. كما أصبح هناك نوع من التسوية بين كل أصناف الإبداع وكل الممارسات، إذ تجد اللاعب الرياضي بجانب المغني وبجانب المثقف… وحتى حين يُقام حفل تكريم، يجري التعامل مع هؤلاء جميعا كما لو أنهم يمارسون مهنة واحدة وشيئا واحدا. إذن، فهناك انتقاص من قيمة المثقف والعالِـم والأكاديميّ. يضاف إلى ذلك الأزمة الخانقة التي يعانيها التعليم، فالمجال الذي تعتمد عليه الثقافة لكي تكون لها قاعدة كبرى من المتلقين هو التعليم بكافة أسلاكه، والحال أن في المغرب نوعا من «تمهين» العمل التعليمي (أي ربطه بالمهنة)، فالطالب عادة يدرس فقط من أجل البحث عن عمل، وليس لكي ينمّي وعيه ويحسّن ذائقته الفنية والجمالية. بصفة عامة، أرى أن الثقافة في المغرب صارت مهمشة أكثر، وباستثناء بعض الإشراقات الموجودة في الإبداع النسائي من حيث جماليات الكتابة، فمعظم النصوص الروائية والقصصية لا يبرز فيها اشتغال حقيقي على مستوى اللغة والتنميق الجمالي والجهد البلاغي الذي يجعل نصا ما حاملا للذة التي تشجّع على القراءة. والشيء نفسه ينطبق على الشعر، هناك العديد من الأسماء، ولكن ليسوا كلهم شعراء بالمعنى الدقيق للكلمة، فكثير منهم لا يمتلكون دراية كافية بالميثاق الإبداعي للاشتغال على اللغة وعلى المفردة الشعرية، ولا يسلحون أنفسهم بإطار مرجعي فلسفي وجمالي. ولذلك، أرى أن الآفاق غير واعدة للثقافة المغربية. ○ إلى ماذا يعود هذا التراجع بالنسبة لأدوار المثقف؟ • بالإضافة إلى الأزمة التعليمية التي أشرت إليها سابقا، لم نحسم بعد في عدد من القضايا الأساسية، نحن نسير بإيقاع مزدوج بين التيار المحافظ والتيار التقدمي، بين التيار الحداثي والتيار السلفي، والمثقفون لم يساهموا في اتخاذ القرار الحاسم بهذا الخصوص، إذ لا يمكن أن نسير بنزعتين اثنتين أو بإيقاعين مختلفين، لا بد أن نختار. في السياسة إما أن تختار، وإما أن تبقى وسط متاهة لا تستطيع الفكاك منها. أعتقد أن المشكلة تكمن في عدم تجذر الوعي بصفة عامة. لذلك، حينما تجتمع كل الأسباب المؤدية إلى تراجع المثقف، يقع نوع من الانحسار (الذي يطلق عليه في اللغة الفرنسية Blocage). والآن، يمكن القول إننا في المغرب نعيش نوعا من الانحسار على مستوى الرؤية المستقبلية لما نريد أن تكون عليه البلاد ولما نريد أن يكون عليه الإنسان المغربي. لا يتوفر التعليم على أي صورة حول الإنسان الذي سيكونه غدا، ولا الصورة التي يراد أن يكون عليه المجتمع. إننا نعطي قسطا وافرا من الاهتمام لبعض مشكلات الحاضر، ولكن يغيب ربط الحاضر بالرؤية المستقبلية. ومن ثم، فنحن نعيش اختلالا قيميا وأخلاقيا وتربويا، وهو أمر مخيف جدا. ○ هل يمكن أن نضيف إلى أسباب الوضع الحالي للمثقف المغربي خفوت ذلك التجاذب الفكري والسياسي الذي شهدته الثقافة المغربية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بفعل تعدد الروافد الآتية من الشرق ومن الغرب، والمتمثلة في الاشتراكية والرأسمالية، حيث كان المثقف يجد نفسه في خضم هذا الصراع، وربما كان يُوظَّف سياسياً في إطاره؟ • بالتأكيد. كما يقال حاليا على الصعيد الفلسفي، هناك مؤشرات على موت الأيديولوجيا وموت التصورات التي كانت تتملك الإنسان في حركته السياسية أو الثقافية. فالهم الثقافي والفكري لم يعد ذا قيمة، إذ صار الإنسان اليوم ذرائعيا ومصلحيا (براغماتيا) أكثر من اللازم، يفكر في أمانه الشخصي وأمان أولاده وجيبه. هذه ـ للأسف ـ هي السمة الطاغية التي تراجع معها التجرد الأخلاقي والتفكير في الأمور التي تفيد المجتمع. لا ننسى أيضا الدور السلبي للأحزاب السياسية المغربية، فالأحزاب التي من المفترض أن تكون مدرسة للوعي السياسي وتكوين الكوادر والرواد والقادة، أصبح دورها دور الملاكم الذي يتصارع من أجل الحصول على تزكية في الانتخابات والتهافت على المصالح والكراسي، ولم يعد يهمها ترجمة المضمون الأيديولوجي إلى برامج وخطط عمل. كما طغت المزايدات على الساحة الحزبية، وغاب فيها احترام الالتزام السياسي، إذ تجد حزبا محافظا يلتجئ إلى آخر تقدمي، وحزبا تقدميا يلتجئ إلى آخر محافظ، والإسلامي يلتجئ إلى الاشتراكي. ومن ثم، وقع اختلاط في الأفكار والنظريات، ولم يعد للقيم أي وزن أو اعتبار. ○ وما هو دور المجتمع المدني المرتبط بالشأن الثقافي؟ • لقد وقع تخريب المجتمع المدني، تصور أن في المغرب توجد أكثر من 150 ألف جمعية، اختلط فيها الحابل بالنابل، والكثير منها يبحث عن منافع شخصية، وبعضها الآخر يُستعمَل لأغراض بسيطة ولأدوار هامشية، فلم تعد هناك تلك الجمعيات التي تنهض بدور نضالي، باستثناء قلة قليلة جدا. من قبل، كانت هناك منظمات شبابية ومهنية قوية، اضطلعت بدور مهم في تكويننا نحن جيل الستينيات والسبعينيات. أما اليوم، فقد وقع «تكليس» المجتمع المدني وأفرغ من محتواه، إلا في ما ندر، فلم يعد هناك ذلك المجتمع المدني بمفهومه الفلسفي كما عرفناه. يلاحظ أن هذا المفهوم يكتنفه لبس وغموض لدى البعض، حيث يأتي نظام سياسي ليقول «سندعو إلى قيام سلطة مدنية» دون أن يدرك مفهومها كما لو أنها مقابل للسلطة العسكرية، في حين أنها تعني أن للشعب والمثقف والمتعلم دورا في بلورة وعي حضاري عام ينفع المجتمع في مسيرته. ○ أي تأثير، في نظرك، للثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي يشهدها العالم على الحركية الثقافية والفنية؟ • التقدم التكنولوجي والمعلوماتي شيء إيجابي، لأنه عمل ـ في المجتمعات الراقية ـ على تعميق البعد الديمقراطي، فأصبحت المعرفة غير محتكرة، وأصبح بإمكان أي كان أن يلج عالم المعرفة ليستفيد ويتعلم. ولكنْ ثمة جانب سلبي للوسائل التكنولوجية، فإذا لم نحسن استعمالها، سندخل إلى عوامل غريبة. نرى الآن كيف يُستغلّ الإنترنت والشبكات الاجتماعية لأغراض معينة، تقوم بتحريف الفعل الثقافي والسياسي، مع أنها في الأصل وسيلة لولوج مجتمع المعرفة والتكوين ولرفع ملكات اللغة والتفكير، فالذكاء البشري يتقوى بهذا الذكاء الاصطناعي، ولكن هذا الأخير صار يشوّه أحيانا الذكاء البشري ويحرّفه أخلاقيا. لذلك، أؤكد أن للتعليم مسؤولية كبرى في إكساب الطلاب مناعة ضد الأشياء السلبية التي يتسبب فيها الإنترنت والكمبيوترات والشبكات الاجتماعية. حين نعلم الطلاب الإنترنت، فعلينا أن نعلمهم إياه بقيمه وإيجابياته، وليس لترويج الإشاعات والإساءة للناس والدفع بالشباب نحو الانحراف. وبما أن الإنترنت سلاح ذو حدين، فأنا لديّ تحفظ كبير على الاستعمال السلبي لهذه التقنيات. ○ لننتقل إلى موضوع عام، يخص علاقة الثقافة المغربية بنظيراتها المشرقية، فقد سال مداد كثير حول صراع المشرق والمغرب وثنائية المركز والمحيط. في رأيك، هل ما زال لهذه الثنائيات معنى وجدوى اليوم، أمام هذه التحولات الكبرى التي تحدثت عنها؟ • أجل، لم يعد لها معنى، لأنه حتى في الشرق توجد حاليا أزمة ثقافية حادة، فالدول العربية صارت اليوم منشغلة بالنكبات والحروب، وتراجع بذلك مستوى الإنتاج الأدبي والفكري والفلسفي، ولم يعد هناك ذلك الشرق الثقافي، باستثناء حالات قليلة، بل لم يعد يأتي من الشرق الآن سوى الحروب والمآسي. بخلاف ذلك، يحتفظ المغرب بنوع من المناعة ـ ولا أقول الاستثناء ـ نظرا لوجود إرادة كي يواصل جهوده على قدر المستطاع. وبذلك، فإن علاقة المغرب بالمشرق غاب عنها ذلك الألق وذلك التنافس الذي كان موجودا في السابق. لنتأمل ـ مثلا ـ واقع المراكز الثقافية في المشرق ونوعية الجوائز التي تعلن عنها، والنشاطات الباهتة التي تنظمها والتي تقوم على فكرة الارتزاق، من خلال تقديم الأموال للبعض من أجل إنجاز منتجات تحت الطلب. ○ ألّفتَ العديد من الكتب في مجالات الفكر والنقد والتربية وغيرها، لو طلبت منك أن تقدم لنا الأطروحة المركزية التي تتأسس عليها، فماذا تقول؟ • لدي ثلاثة محاور أساسية أشتغل عليها: المحور الفلسفي، يتعلق بالحداثة وقضية الاختيارات الكبرى التي يتعين اتخاذها في المغرب وفي دول الجنوب عموما، من أجل انتهاج حداثة حقيقية، لا نقلد بها الآخرين، ولكنها منبثقة من القاعدة الأساسية للإنسان ومن ذاته، ومن احترام للهويات الثقافية لشعوب دول الجنوب والتي تشكل التنوع الثقافي الكوني. ومن ثم، نستبعد عملية تسريب الحداثة جاهزة إلى تلك الدول، ما لم تشرع بعد في عملية إنجاز مهام التنوير ومخاضاته العسيرة. المحور الفكري، يتمثل في إعادة الاعتبار لمجموعة من الوجوه التي ساهمت ضمن الفكر الإسلامي في خلق قاعدة نظرية لم نواصلها للأسف الشديد، مثل الفكر الرشدي أو التصوف الإشراقي. فالإنتاج الفلسفي العربي الإسلامي ضخم وبناء، وقد عرف أنساقا ومدارس متعددة ومختلفة، ولكننا اليوم في حاجة ماسة إلى أن نقف وقفات جديدة لتقدير قيمته ولمعرفته وتحديد أطره الفكرية والمعرفية. وفي هذا الإطار، أعتقد أننا مدعوون لفتح مجموعة من الأوراش على مستويات عدة تشمل وضع تصور عام لضرورة التحقيب الزمني للإنتاج الفلسفي العربي والإسلامي، واستقراء النموذج الجوهري الذي قدمه هذا الإنتاج، واستحضار التجارب الأليمة للعقل والعقلانية في الفكر العربي الإسلامي ونكبات الفلاسفة والعقلانيين خلال كل الحقب التي مر بها المنجز الفلسفي العربي الإسلامي، وصولا إلى الورش المتعلق بأزمة الإبداع في الإنتاج الفلسفي العربي الإسلامي المعاصر. والمحور التربوي، إذ أرى أن البيداغوجيا بصفة عامة لم تعد لها تلك المرونة التعليمية التي تجعل المعلم يكون عقلا مستقيما بجميع المواصفات اللازمة لمواجهة كل متطلبات التعليم، من الابتدائي إلى العالي. وفي إطار هذا المحور، أود أن أوضح أن الأزمة الحالية للتربية في المغرب تحتاج إلى ثورة تربوية، ليس في المجال الإداري والتنظيمي والتدبيري، وإنما في العملية التعليمية بحد ذاتها من أجل تكوين عقل الإنسان لكي يواجه مستقبله بطريقة معقولة. فالهدف النهائي الذي تسعى إليه المؤسسة المدرسية هو تكوين شخصية مستقلة هي صاحبة القرار في اختياراتها، وسيصبح الفصل المدرسي فضاء للتدرب على السلوك الديمقراطي قبل الاندماج في العمل الاجتماعي أو القيادة السياسية أو إنتاج الفكر أو إبداعات الفنون… وهذه مواصفات تجعل التعليم هو مفتاح الديمقراطية وكل ما يتفرع عنها من القيم الجديدة. يمكن الذهاب أبعد من ذلك لتأكيد نبهنا إليها أحد الخبراء الغربيين حين أكد أن المجتمعات التي تمتلك مستوى تعليما رفيعا ومطابقا للعصر هي التي يمكن أن تنعم بالرفاهية الاقتصادية والاستقرار السياسي، باعتبار أنها تمتلك معرفة ووعيا بالرهانات الوطنية والدولية. وبالموازاة لدي اهتمامات جانبية مرتبطة بالمسرح والموسيقى والتشكيل، ولكنها تتعلق فقط بمسألة الذائقة التي كبرت معها، نحن كبرنا على الموسيقى الكلاسيكية والعصرية، وليس ما نسمع اليوم من كلام عادي وموسيقى عادية. لذلك، أرى أن من واجبنا أن نوضح للجمهور أن هذا التوجه لا يخدم تكوين الذائقة الفنية للأجيال المقبلة بما يلزم من جمال وهدوء وشروط إبداعية.

الطاهر الطويل/ القدس العربي

2016-09-18 2016-09-18
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ع. بلبشير