محمد شركي: من أقر اﻻستئصال في حق غيره كان أول من يجني عواقبه

38755 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 30 أكتوبر 2011، منذ أن وجد اﻹنسان على سطح هذا الكوكب ، وهو يعاني من ظاهرة استئصال غيره لفائدة ذاته . وهذه آفة سببها الخوف على هذه الذات ،وعلى الكيان، وعلى المصالح. وليس من الغريب أن تكون ممارسة اﻻستئصال قد بدأت مع نسل آدم عليه السﻼم اﻷول ، حين استأصل قابيل أخاه هابيل خوفا على ذاته وكيانه ومصلحته.

ومنذ ذلك العهد صار اﻻستئصال عقيدة بشرية تﻼزم اﻹنسان، وتأخذ أشكال الحقب التاريخية التي تمر بها البشرية . فما أوغلت البشرية فيما تعده تطورا ماديا منفصما عن تطور القيم ، إﻻ وتفاقمت فيها آفة اﻻستئصال. ولقد كانت الحرب العالمية الثانية نموذجا لطغيان فكرة اﻻستئصال التي كان وراءها الصراع الكبير حول المادة التي دخلت مرحلة متقدمة من التصنيع المتسارع الوتيرة . ولقد كانت فكرة اﻻستئصال وراء فكرة أسلحة الدمار الشامل التي تسابقت دول الغرب من أجل الحصول عليها لممارسة اﻻستئصال في حق بعضها البعض.

وفكرة اﻻستئصال الناشئة في الغرب المتطور ماديا وجدت التربة الخصبة في العقائد المنحرفة والضالة الموروثة ، كما هو الشأن بالنسبة للعقيدة الصهيونية التي نشطت عندما بلغت فكرة اﻻستئصال ذروتها خلال الحرب العالمية الثانية . والصهيونية استغلت فكرة اﻻستئصال التي كانت النازية تمارسها عليها لتمارس نفس الفكرة على العرب والمسلمين .

ومن المؤشرات الدالة على تغلل عقيدة اﻻستئصال عند جنس بشري هو الشعور المفرط بالذات ، والتعصب لها إلى درجة التقديس والتنزيه ، كما هو حال الصهاينة الذين يعتقدون في أنفسهم علاقة البنوة عز وجل ـ تعالى ﷲ عما يصفون ـ كما يعتقدون اﻻختيار واﻻصطفاء اﻹلهي لهم في ذواتهم مقارنة مع غيرهم من اﻷجناس واﻷعراق. والخوف على هذه الهوية المزيفة التي استفحل تقديسها هي السبب وراء سيطرة عقيدة اﻻستئصال على عقول الصهاينة. ونفس العقدة وجدت، وﻻ زالت عند الصليبيين الذين يعتقدون أيضا القداسة في هويتهم . وبقدر تفاقم الشعور بقداسة الهوية بقدر ما تتفاقم عقيدة اﻻستئصال.

ولقد جنت عقيدة تقديس الهوية على الصليبيين حتى أخرجتهم من دائرة عبادة المعبود الذي كانوا ينتسبون إليه بعلاقة البنوة إلى دائرة عبادة ذواتهم ، وهو ما أنتج العقيدة العلمانية عندهم . والعلمانية على غرار العقائد القديمة الصهيونية والصليبية إنما تقوم على أساس فكرة اﻻستئصال أيضا وﻻ تقبل التعايش مع غيرها . وفكرة اﻻستئصال مفادها كما جاء في بداية المقال أنها تكمن في فكرة الخوف على الذات من الذهاب أو الذوبان وعلى المصلحة . ولما كان الذين يحملون فكرة اﻻستئصال في أعماقهم ﻻ يطيقون العيش مع من يخالفهم أو التعايش معه ، فإنهم ينتكسون ، ويجدون الحل السهل البسيط في ممارسة اﻻستئصال كآلية من آليات الدفاع الخاطئة . ومشكلتهم أنهم عندما يجيزون ﻷنفسهم نهج اﻻستئصال ﻻ يحسبون حسابا لردود اﻷفعال على فعل اﻻستئصال . فالمستأصلون يغيب عن أذهانهم أن ممارسة اﻻستئصال عبارة عن إعﻼن حرب فيها طرفان خاسران بالضرورة . والمتأمل لواقع الحال في عالم اليوم يﻼحظ جناية عقيدة اﻻستئصال على البشرية بشكل فظيع

فأحداث الحادي عشر شتنبر بغض الطرف عن مصداقية روايتها تعكس عقيدة اﻻستئصال على اعتبار أنها رد فعل استئصالي على فعل استئصالي سابق . فلما كانت الصهيونية والصليبية تمارس اﻻستئصال بشتى أنواعه على المسلمين فقد ظهر في المسلمين من يرد على اﻻستئصال بالمثل. وإذا ما صحت وجهة النظر التي تتعامل مع أحداث الحادي عشر من شتنبر على أنها أصﻼ طبخة استئصالية من أجل مواصلة اﻻستئصال الذي كان سائدا خلال القرن التاسع عشر والعشرين ، فإنها تؤكد سيادة عقيدة اﻻستئصال في عالم اليوم . وكل الحروب الناشئة على إثر أحداث الحادي عشر من شتنبر إنما هي ممارسة عقيدة اﻻستئصال بامتياز .

ولقد غابت في عالم اليوم الفلسفات المحذرة من خطورة عقيدة اﻻستئصال ، كما كان شأن الفلسفات سابقا كلما طرأ على البشرية ما يهدد وجودها وكيانها . والعالم اليوم منساق وراء عقيدة اﻻستئصال بشكل رهيب أدهش بعض المهتمين بهذا الموضوع ،كما عبر عن ذلك الصحفي المصري محمد حسنين هيكل الذي صدم أمام استئصالية الرئيس اﻷمريكى براك أوباما الذي ﻻ يجيد في نظر هيكل إﻻ القتل مع أنه قدم نفسه في بداية وﻻيته على أن وجهته تعايشية وغير استئصالية . ولقد احتار المختصون في تشخيص أسباب ودوافع الربيع العربي مع العلم أن هذا الربيع هو نتيجة منطقية لممارسة اﻷنظمة العربية الفاسدة والمستبدة للاستئصال ،حيث مرت على اﻷمة العربية عقود من السنين لم تعرف سوى اﻻستئصال عقيدة تحكم العالم بدءا باستئصالية الكيان الصهيوني، والكيانات الصليبية المؤيدة له ، وانتهاء باستئصالية اﻷنظمة العربية الخاضعة للغرب.

ولما كان المستأصلون ﻻ يحسبون حسابا لضحاياهم فإن رموز اﻷنظمة العربية المستبدة خرجت عن أطوارها لما خرجت الشوارع العربية تطالب بوجودها المصادر لعقود من السنين . وإذا ما كان اﻻستئصال خلال العقود الطويلة في البﻼد العربية يمارس بأشكال ممنهجة سرية وعلانية أحيانا عن طريق المعتقلات الرهيبة ، والتصفيات الوحشية ، والتدجين فإن اﻷنظمة العربية المستبدة التي كانت تمارس هذا اﻻستئصال فقدت السيطرة على أعصابها ، وخرجت من طور اﻻستئصال الممنهج إلى طور اﻻنفلات اﻻستئصالي ، حيث أخرجت الجيوش من ثكناتها ، وكأن اﻷمر يتعلق بحروب استئصالية كبرى بين اﻷمم من أجل أن تستأصل شعوبها بقوة السﻼح .

ولقد كانت هذه اﻷنظمة في غنى عن تجريب اﻻستئصال بهذه الكيفية البشعة لو أن رموزها رحلوا مشكورين، وقنعوا بما كان منهم من استئصال ممنهج في السابق ، ولكنها أبت إلى تجريب آخر ورقة من أوراق اﻻستئصال كما هو شأن اﻷنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين . فاﻷنظمة العربية المستبدة التي اعتادت اﻻستئصال على قدر ما تجده من معارضة ، وكانت في الغالب معارضة محدودة بفعل قوة وبطش اﻻستئصال ، ذهلت أمام المعارضة الشعبية الهائلة ، فكان ﻻ بد أن يكون اﻻستئصال أقوى وأعتى . ومع كل انتفاضة عربية شعبية تجرب اﻷنظمة العربية الفاسدة اﻻستئصال قبل غيره.

ألم يستشهد رأس النظام في ليبيا بنموذج اﻻستئصال في روسيا أمام مبنى البرلمان ؟ ألم يستشهد بنموذج اﻻستئصال الصهيوني في فلسطين ؟و لقد فعل لانه كان يعتنق عقيدة اﻻستئصال ،ويؤمن بها ، وهي العقيدة السائدة في عالم اليوم . وﻻ زال النظامان في اليمن وسوريا يراهنان على عقيدة اﻻستئصال بقوة مع تأكد انقلاب اﻻستئصال على أصحابه كانقلاب السحر على السحرة . ولقد اختارت اﻷنظمة العربية المنهارة اﻻستئصال في حق شعوبها بقوة السلاح، فجنت الفرار(بن علي نموذجا وعبرة) أو المحاكمة  (حسني مبارك نموذجا وعبرة)أو القتل مع التنكيل (القذافي نموذجا وعبرة).

وﻻ يوجد أبلد من نموذج علي عبد ﷲ صالح الذي لفحته نار اﻻستئصال ، وﻻ زال يراهن على نفس اللعبة .

أما نموذج بشار اﻷسد فقد غرته حماية اﻷنظمة اﻻستئصالية الكبرى التي لوحت بالفيتو ، كما غره أخطر نظام استئصالي يجاوره ، وهو النظام الصفوي الرافضي في إيران . ولن يستفيق من غروره إﻻ باستئصال يفوق استئصال قرينه في ليبيا بشاعة . أما باقي اﻷنظمة العربية،والتي ﻻ تخلو من استئصال ممنهج ، فلها العبرة في ما بلغته غيرها من اﻷنظمة المراهنة على اﻻستئصال، والتي جنت عواقب ما زرعت .

وإذا كانت عقيدة اﻻستئصال في غير صالح البشرية ، فإن عقيدة التعايش والتسامح هي البديل الذي يطرحه دين اﻹسﻼم الذي يأمر الناس كافة في الدخول في السلم . وإذا ما زعم أحد أن اﻹسلام يمارس أيضا اﻻستئصال، أقول له إن كل منتسب للاسلام ادعاءا يؤمن باﻻستئصال إنما يقيم على نفسه الحجة بالبراءة من هذا الدين ، والخوض فيه خوض ابتداع وانحراف عن الجادة. فاﻹسلام يحاور ويتعايش وﻻ يستأصل ﻷنه يؤمن بوجود فريقين في الحياة فريق الضلالة ، وفريق الهداية ، ويأمر الفريق اﻷول بأن يقول للفريق الثاني لكم دينكم ولي ديني ، وﻻ يقول لهم اﻻستئصال بيني وبينكم . وما خاض اﻹسلام الحروب لغاية اﻻستئصال أبدا،وإنما اضطر لخوضها لمنع اﻻستئصال . وشتان بين من يحارب بدافع اﻻستئصال ، وبين من يحارب بدافع دفع اﻻستئصال .

وأخيرا على فلاسفة وحكماء المسلمين اﻻتصال بفلاسفة وحكماء غيرهم من اﻷمم لتنبيههم، وإقناعهم بفساد عقيدة اﻻستئصال من أجل إنقاذ العالم من هذه اﻵفة الخطيرة التي تهدد أمنه . وﻻ بد من إعادة هيكلة مجلس اﻷمن لتكون العضوية الدائمة فيه لغير القوى اﻻستئصالية ذات الفيتو ، بل للدول الراشدة المناهضة لعقيدة اﻻستئصال .

وعلى إنسان هذا العصر أن يتعلم ممارسة الحياة بعيدا عن عقيدة أو خلفية اﻻستئصال في كل المجاﻻت ، وفي كل اﻵفاق . وعلى كل من يحمل رأيا في جمجمته أن يقر برأي غيره ، ويحاول التعايش معه عوض محاولة استئصاله . والذي يضمن بقاء رأي اﻹنسان هو مقدار حرصه على بقاء رأي غيره إلى جانب رأيه ، وإﻻ أهلك اﻻستئصال الرأي والرأي اﻵخر إذا كان خلفية وعقيدة لهما معا .

حسني مبارك – زين العابدين بنعلي – معمر القذافي – علي صلاح عبد الله و في الطريق بشار الاسد

محمد شركي: من أقر اﻻستئصال في حق غيره كان أول من يجني عواقبه
محمد شركي: من أقر اﻻستئصال في حق غيره كان أول من يجني عواقبه

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz