محمد شركي : ما هو السر في تخلف الناطقين باللغة العربية عن مستوى أدائها المطلوب؟

11677 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 20 نونبر 2011، 

من العيب أن يعيب البعض اللغة العربية ، ويحاولون نسبة ضعف أدائهم فيها إليها ، علما بأن كل لغات الدنيا لا يمكن أن تقاس إلا من خلال حسن استعمال أصحابها لها . وليست اللغة العربية بدعا من اللغات حتى ينسب لها الغافلون الضعف من أجل تبرير أدائهم الهزيل فيها . وحسب اللغة العربية أنها كما قال شاعر النيل وسعت كتاب الله علما وحكمة . فالنص القرآني هو النص الإلهي الذي تخطى كل عتبات الأداء التي لا يمكن للبشر ملامستها ، ولهذا يوصف بالمعجز. ولا يمكن للغة بلغت في أدائها درجة الإعجاز أن تكون بعد ذلك عاجزة . وانطلاقا من هذه الحقيقة، يتعين على الذين ينصبون أنفسهم قضاة للحكم على اللغة العربية ألا يلتمسوا الضعف فيها ، بل فيمن يستعملها . ولقد صاحبت اللغة العربية بعد مصاحبة الوحي كل العصور التاريخية ، واستوعبت ثقافاتها المختلفة ، ولم يكن أحد يصفها بالضعف ،أو العجز خلال مصاحبتها التاريخية لمختلف الثقافات . ولم يبدأ الحديث عن ضعف ،وعجز اللغة العربية إلا مع انطلاق حملات الاحتلال الغربي الصليبي  للبلاد العربية ، حيث أجهز المحتل الغربي على المؤسسات العلمية العربية كالقرويين ، والزيتونة ، والأزهر . وكانت مقدمة الاحتلال هي حركة ما يسمى الاستشراق  التي كانت تهدف إلى إعداد الشعوب العربية للتطبيع مع الاحتلال . ولقد وجدت هذه الحركة في بعض العرب المستلبين ضالتها للتشكيك في الثقافة العربية من خلال النيل من اللغة العربية بسبب استيعابها النص القرآني . ومن ضمن هؤلاء المستلبين العرب ، النصارى الذين تعطل أداؤهم للعربية بسبب ترجمات كتابهم المقدس الركيكة باللسان العربي . ومعلوم أن الذي رفع من أداء اللغة العربية في الأوساط العربية الإسلامية ،هو الاحتكاك بكتاب الله عز وجل ، وهو الكتاب الذي حطمت لغته جدار الفصاحة والبلاغة إذا ما صح هذا التعبير. وكلما كان احتكاك العرب بلغة القرآن كلما كان مستوى أدائهم في العربية أفضل وأحسن . ومن دسائس الاستشراق  تقسيم التاريخ العربي الفكري والأدبي إلى عصور من أجل المفاضلة بينها،  تحقيقا لهدف نسبة الضعف للعربية في فترات تاريخية دون أخرى . ولقد استطاع الاستشراق أن يضرب عصفورين بحجر، الأول عندما رفع من شأن الثقافة الجاهلية في مضمونها ، ولكنه حاول التمويه على ذلك من خلال الإشادة باللغة العربية الحاملة للحمولة الثقافية الجاهلية ، علما بأنه  يحط من شأن نفس اللغة الحاملة للحمولة الثقافية الإسلامية ، وكان هذا هو العصفور الثاني المستهدف . وتكالب الاستشراق  مع المستلبين ، ومع الحاقدين من العرب النصارى على اللغة العربية  ذات الحمولة الثقافية الإسلامية ، فوصفوا عصورها بالانحطاط . ومما ساعد على رواج الدعاية الاستشراقية  حالة الانبهار التي خلفها المحتل الغربي في الإنسان العربي،الذي لم يكن بمقدوره أن يميز بين التفوق التكنولوجي ، والتفوق الثقافي والحضاري ، والإنساني . ووقر في نفوس المنبهرين أنه لا يأتي من الغرب إلا  الصواب ولا يأتي من الماضي العربي إلا الخطأ . وبسبب حالة الانبهار، وقع الإقبال على لغات المحتل الغالب ، وكان ذلك سببا آخر في ضعف الأداء اللغوي عند العرب في ظل الاحتلال . وحاول الاحتلال تكريس  ظاهرة ضعف الأداء اللغوي لدى العرب من خلال فتح الآفاق أمام من يتعلم لغاته ، مقابل  من يتشبث  باللغة العربية . وليس من قبل الصدفة أن يصف المحتل الفرنسي للمغرب أقدم جامعة في العالم، وهي جامعة القرويين بأنها بيت مظلم ،لأنها الجامعة الحاضنة للغة العربية . وأقبل العرب على إغراءات المحتل الغربي ، وتعلموا لغاته ، وأهملوا لغتهم العربية  حتى أصابتهم  عجمة المحتل ، بل يوجد من ضحايا الإغراء من وقر في نفسه أن العجمة ، واللكنة هي من المؤشرات الدالة على التحضر ، وأن التخلص من الفصاحة والبلاغة تخلص من البداوة والتخلف . ومما زاد الطين بلة كما يقال، أنه بعد رحيل الاحتلال العسكري، ظل الاحتلال الفكري، واللغوي  مهيمنا في البلاد العربية ،حيث كرس العرب ما أرساه المحتل من تمكين للغاته وثقافاته . وصار ذلك معيارا للحاق بالركب الحضاري ، وأصبحت المنظومات التربوية الحاضنة للغة العربية ، هي نفس المنظومات التي جلبها المحتل معه خلال احتلاله  . ومع تراخي الزمن تحقق ما كان يصبو إليه المحتل من إبعاد العرب عن لغتهم ، وتجهيلهم بها . ولحق الكثير من العرب ببلدان المحتل تحت تأثير التفقير ،الذي خلفته فترات الاحتلال ، واضطروا للعيش في تلك البلدان ، الشيء الذي  ترتبت عنه أجيال ،كلها صودرت منها لغتها العربية ،وتم تعجيمها إما عجمة تامة ، وإما عجمة مثيرة للسخرية والشفقة في نفس الوقت، حيث صارت بعض هذه الأجيال تخلط خلطا هجينا بين لغتها العربية العامية ، ولغات المحتل مع جهل مطبق بالفصحى . وربما ظنت بعض تلك الأجيال أن التحضر،هو إجادة العجمة ،و اللكنة ، وهي تفخر بذلك فخرا، خلفه جهل مركب .ومن سوء حظ العربية أن نكستي 1948 ، و1956، ولدت حقدا عربيا على العربية ، وهو حقد صنع  قصدا في مراكز قرار اللوبي الصهيوني والصليبي ، وصار العرب يخجلون من ثقافتهم العربية ، ويأنفون منها بسبب مرارة النكسات والهزائم . وولد ذلك ثقافة ناقمة على الثقافة العربية ، وتحديدا على الأبعاد الإسلامية فيها لفائدة الثقافة المادية الملحدة ،خصوصا مع طغيان التيارات الماركسية الليننية العربية، التي كان الرهان عليها  من أجل تجاوز النكسات ،علما بأنها كانت في الحقيقة مكرسة لها بامتياز كما تأكد من بعد تاريخيا . ومن أجل الإجهاز على اللغة العربية، تعالت الأصوات بين المستغربين العرب ،سواء الماركسيين ،أو الليبراليين  من أجل القطيعة مع الأداء القرآني للغة العربية . وبدأ الأداء الهجين  للعربية عند المحسوبين على الإبداع شعرا ، ونثرا . وظهرت الأشكال  المسماة بالحداثية المحسوبة على الإبداع ، وانتشرت في المعاهد والمدارس ، والصحف والمجلات. ونظرا لإقصاء الأشكال الأدبية الأصيلة من هذه المعاهد، والمدارس، وقر في نفوس الناشئة أن الأشكال الحداثية هي كل ما يوجد ، وأن ما جاءت به هو أفضل أداء للعربية . وتبلدت الأحاسيس، والأذواق  بسبب ذلك . ومن المؤسف أن  بعض المحسوبين على الثقافة العربية الإسلامية من المبدعين،حاولوا مجاراة التيارات الحداثية  في الإبداع ، وجاءت أساليبهم هجينة ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . وعلى غرار حيلة تقسيم عصور أداء اللغة العربية  من طرف الاستشراق ، تم تمريرحيلة تقسيم  منتوج أداء اللغة العربية إلى تقليد ، وحداثة ، وهي حداثة تقيم مجدها على حساب كل تقليد ، وتزعم أنها تفجر القوالب القديمة ،أو التقليدية لتطوير أداء اللغة العربية . والحقيقة أنها كانت تدفع نحو تعطيل هذا الأداء لتحقيق ما سطره المحتل لتجهيل الأمة بلغتها . ومعلوم أن سيطرة ما يسمى القوالب الحداثية  على أداء اللغة العربية يخلق  هوة سحيقة بين الأمة ، وبين القرآن الكريم ،الذي هو دستورها ، والذي لا وجود لها ولا هوية لها بدونه . فالمتطبعون على القوالب الحداثية ، لا يمكنهم  معرفة  العربية في أدائها القرآني، الذي قلنا عنه أنه حطم جدار الفصاحة والبلاغة . وبسبب ذلك ،ازداد جهل الأمة بالقرآن ، ومن ثم سلبت هويتها بطريقة ماكرة . وساعدت ظروف مصاحبة الإجهاز الخارجي ، و الداخلي على العربية  ،دور الإعلام الخطير في تردي أداء اللغة العربية، حيث ساد ما يسمى اللغة الوسطى ، وهو تقسيم ،أو تصنيف مغرض من أجل إبعاد الأمة عن لسانها . ومما زاد العربية سوءا أن أهلها وجدوا في العاميات ضالتهم التي أنستهم الفصحى ، بل صارت الفصحى أمام هيمنة العاميات مدعاة للسخرية ، إذ لا يكاد الناطق بالفصحى يتحدث بها حتى  يبسم السامعون منه سخرية واستهزاء ، الشيء الذي جعل البعض يشفق على نفسه من هذه السخرية المجانية ، فيعول على العامية ، وعلى اللغات الأجنبية في خطابه بزهو يقابل ما يشعر به من حرج، وهو ينطق بالعربية الفصحى. ومما يزيد العربية مضايقة،أن أصحاب القرار يظهرون على الملأ في وسائل الإعلام ، وهم يتحدثون اللغات الأجنبية بطلاقة ، بينما تخونهم هذه الطلاقة ، وهم يتحدثون بالعربية ، الشيء الذي يوهم الأمة أن أصحاب القرار محقون ، وأن عليها أن تقتدي بهم ، وأن تربي ناشئتها  على غرار أساليبهم . ومن هذا القبيل اشتراط إجادة اللغات الأجنبية من أجل الحصول على مناصب شغل ، حتى اضطرت المنظومات التربوية في البلاد العربية إلى الرفع من حصص اللغات الأجنبية ، ومن معاملاتها لهذا الغرض على حساب اللغة العربية  . والمؤسف أن تظهر مؤسسات وجمعيات للدفاع عن العربية  ، وبعضها إنما يحاول الارتزاق  بشعار الدفاع عنها ، وهو لا يقدم لها شيئا ، ويكتفي بأساليب التباكي عليها ، وإلصاق التهم بالأمة ،في حين لا يختلف أداؤه السيء للعربية عن أداء سواد الأمة . وأظن أن الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تزعم دفاعها عن العربية، هي المعاهد الأصيلة التي تحاول ربط الصلة بين الناشئة ، وبين الأداء القرآني للغة العربية ، من خلال العودة إلى التراث والاحتكاك به ، والنسج على منواله إلى أن يستقيم الأداء اللغوي للعربية من خلال النماذج الإبداعية أولا ،ومن خلال الاستعمال اليومي في وسائل الإعلام المختلفة ، وكذا الاستعمال في كل الدوائر المجتمعية، دون الشعور بالخجل من الاستعمال الفصيح للعربية ، ومع ضرورة الشعور بالخجل من استعمال اللغات الأجنبية دون داع ، وكذا الخجل من استعمال العامية ،مع القدرة  على استعمال الفصحى  بشكل جيد . وإذا ما ظل أداء العربية على ما هو عليه في الحياة اليومية التي لا وجود فيها للفصحى ،حتى في اللوحات الإشهارية المعروضة في الأماكن العمومية ،أوفي الإدارات، أوفي نشرات الأخبار، التي يخلط فيها المذيعون بين أل الشمسية ، والقمرية ، وبين الجموع  ، ويحملون الألفاظ ما لا تحتمل من دلالة  ، وينحتون خارج ما تسمح به قواعد النحت ، وينسبون على غير قياس أو سماع ، إلى غير ذلك من أساليب الركاكة ،التي يظن الجاهل أنها من العربية ، والعربية منها براء براءة ذئب يوسف عليه السلام من دمه الكذب  ، فلن يبارح  سوء استعمال العربية مكانه عند المصابين بالهجنة فينا ، بسبب ما مر بنا ذكره .وليس من الحكمة ولا من الكياسة أن ترمى العربية بالعجز من طرف العاجزين عن استعمالها الاستعمال السليم . ومن العار أن يكرس المحسوبون على الإبداع والفكر سوء أداء العربية ، بالهجين من الإبداع  الذي قد يظن استعمالا مثاليا للعربية في زمن التردي هذا.

محمد شركي : ما هو السر في  تخلف الناطقين باللغة العربية عن مستوى أدائها المطلوب؟
محمد شركي : ما هو السر في تخلف الناطقين باللغة العربية عن مستوى أدائها المطلوب؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz