محمد السادس في مالي: أمير القوة الناعمة/ بقلم: رمضان مصباح الإدريسي

84386 مشاهدة

” بحثت عن الجزائر في التاريخ فلم أجدها “

للحكومة الجزائرية المؤقتة 19شتنبر1958 : أول رئيس فرحات عباس

ثقل التاريخ:

“تشكل منطقة الساحل ،عموما، شريطا هشا في حاجة إلى تحقيق الترابطية بين الأمن والتنمية الحقيقية بالدولة؛وإعادة صياغة أولوياتها وفق المقتضيات المحلية ،في محيط هش اقتصاديا واجتماعيا ،تعذر على الدولة الوطنية فيه تحقيق الاندماج القومي،وتسيير الخلافات،وتلبية المطالب والمظالم الوطنية التي تزداد حدة بعد أي تطور أمني؛وهو ما ستتم ملاحظته بجلاء في دولة مالي التي تشكل أنموذجا كاشفا لإشكالات منطقة الساحل والصحراء.” محمد سيد أحمد فال:رئيس المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الإنسانية عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية.القاهرة

***

في مجال مكافحة الإرهاب الديني العابر للقارات ،لم يبرز إلى حد الساعة ،غير نموذجين عالميين:النموذج الأميركي والنموذج المغربي. يوم يتحقق الانصهار التام بين هذين النموذجين –عبر العالم- ستنهار كل قلاعه ،كليل المعري الذي تهاوت كواكبه.قوة النموذج الأمريكي من طفرة القوة الاقتصادية والعسكرية ،وتعدد مجالات التدخل اعتبارا لاحتضان العالم –ولو بمشاكله- لتحقيق الأمن القومي والرفاه للمواطن الأمريكي “العالمي”.

قوة انطلقت ،كمارد،من قمقمه غداة انهيارات 11 شتنبر ،التي لا تفسر فقط بطائرات بن لادن التي اختارت العلوق بعمارات منهاتن ؛بل حتى بانعدام الأسس الصلبة التي تقوم عليها الأمم ؛وهي تتأتى من مصدر واحد لا يباع ولا يشترى: تمثل التاريخ العام والخاص ،والنوء بثقله الذي يثبط كل تعاظم نزقي.

وقوة النموذج المغربي –رغم بدايات تشكله ،ومحدودية جغرافيته- في عمقه التاريخي ،بكل جذوره وعروقه ،الممتدة جنوبا وشمالا وشرقا. ولا شوفينية –كما قد يعتقد نقادي من الجزائر- في إحلال هذه القوة موقعا تُطاوِل فيه أكبرَ قوة عالمية؛ لأن ما يعوز القوة الأمريكية،بالضبط، هو الترسانة الروحية. لقد شاهد كل العالم – ويشاهد- كيف انهزمت أمريكا في فيتنام ،وخرجت من الحمأة الأفغانية والعراقية ؛بل حتى من الصومال ،رغم هول قوتها التي تتفوق على قوة الاتحاد الأوروبي،مجتمعة، بتسعة أضعاف.

لقد حدثنا الرئيس بوش مستغربا الوضع العسكري في أفغانستان:كيف نقذف بصاروخ ثمنه مليون دولار ،لنصيب في النهاية مؤخرة جمل ؟ خرج المارينز وبقيت مؤخرات الجمال الأفغانية سالمة؛تتمايل على إيقاع الأناشيد الروحية الطالبانية التي يلهم بها الأفيون وليس الايمان. بوش لم يدرس التاريخ ليقف على صعود الامبراطويات القديمة وانهزامها ؛وكيف سادت حضارات وكيف بادت؟

من أين للولايات المتحدة بمارينز روحي ؛ ومن أين لمقاتلات فرنسا الاسترشاد بخرائط أبي الحسن الأشعري ،والإمام مالك،والجنيد ؛بدل رادارات لا سلطة لها على القلوب ،رغم بصيرتها الرقمية ،وشدة حساسيتها.

من هنا قوة النموذج المغربي ،وتفوقه في حروب السماء ؛كما تحاول اليوم الجماعات الجهادية ،المنفلتة من كل عقال ،احتكار المبادرة بخصوصها .كم أنفقت الولايات المتحدة على برنامج حرب النجوم ،دون أن تتمكن من حماية أبراجها،من فتية أعدوا لها ما استطاعوا من سخاء بأرواحهم ،في غفلة روحية تامة لأقوى دولة في تاريخ البشرية ؟

يبقى أن النموذج المغربي بحاجة الى دعم عالمي، مادي ومعنوي ،يوازي ثقله التاريخي والروحي.

ورغم نفاسة هذا الثقل ،وتمنعه حتى عن بقية الدول الإسلامية،فان المغرب يضعه بين يدي الجميع خدمة للسلام الروحي ،أينما وُجدت بؤر التوتر،في العالم ،حيث ترعى شياطين الإرهاب المستند ،زيفا، إلى الدين الإسلامي.

ليس صدفة أن يكون تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي،من أقوى وأنشط التنظيمات الجهادية للقاعدة ؛لأنه يصدر عن إستراتيجية تستحضر أساسا ثقل إمارة المؤمنين في المغرب ،وتعذر تحقيق كل طموحاتها السياسية ،قبل الدينية،وهذه الإمارة السنية المالكية قائمة ،تقدم للعالم أرقى نموذج للإسلام المعتدل.

إسلام النبوة ؛وقد كانت آخر ارتباطاته القرآنية بالنعمة وليس بالنقمة:”اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” صدق الله العظيم.

وليس صدفة أن تكون القاعدة حريصة على إغراء الشباب المغربي بالذات ،والزج بهم في أتون معاركها لتحقيق أهدافها الدولية .ترفعهم إلى مراكز قيادية ليكونوا أذرعها في حربها على إمارة المؤمنين التي ترعبها أكثر مما ترعبها قوات المارينز .

والخبرة الجزائرية:

نعم هي خبرة لا يستهان بها ،تأتت للجيش الجزائري من مجالدة الشعب الجزائري،وليس إستراتيجية القاعدة ،كما تشتغل روحيا. لو كانت في مستوى هذه الإستراتيجية لما عرفت أصلا عشريتها السوداء.

إن بلدا أنجب المجاهد الأمير عبد القادر الجزائري ،والعالم الشيخ بن باديس لا يمكن أن يرعبه فوز الإسلاميين بالبلديات .حدث ما حدث لأن الكتاب قُرئ مقلوبا فأعطى خلاصات في منتهى الغرابة.

كان عليكم أن تهللوا وتُسلموا البلديات لمحاضر الانتخابات ؛وكنتم سترون أن الطيور الأبابيل لن تحلق فوقها بالعون والمدد.”وقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة”.

عشرية التوازن المجتمعي في جزائر عسكرية ،لكنها هشة المؤسسات،أفضل من العشرية السوداء.

خبرة الجزائر لا تتعدى تقنيات محاربة الإرهاب ،حين يستوي قائما يقاتل ؛لكنها لا تعرف كيف تجفف –روحيا –منابعه. إن نموذجا هذا شأنه ،وان كانت الجزائر دولة إسلامية،لا يمكن أن ينسب الا الى المدرسة الأميريكية في محاربة الإرهاب العالمي. وهي نفس المدرسة التي تخرجت منها فرنسا.ورغم هذه الخبرة فان آخر لوحة وقعها الإرهابيون في الجزائر؛رسمت بألوان الرئاسيات ،على خلفية الوئام المدني.والرسالة هنا واضحة: لكم وئامكم ولنا وئامنا.لكم دينكم ولنا ديننا.

وعليه فكل تهافت دولي على الخبرة الجزائرية يجانب الصواب إذا اعتقد أنه عثر على البطل الذي سيقتحم مغارة علي بابا ليشنق الأربعين لصا لترتاح المدينة.

القوة الناعمة لإمارة المؤمنين:

لها اشتغالات عديدة منذ سنين ؛ولولاها لكان التطرف بلغ مداه حتى في دول الاتحاد الأوروبي.

ولو قايضتها جارتنا الجزائر بتعاون مشترك ،وغيرة على وحدة التراب الوطني المغربي لحلت كل مشاكلها الروحية ،ولما غزتها جماعات مقاتلة بمسمى الدين ؛ولما كانت مضطرة الى تفريخ جماعاتها”الجهادية” المطيعة والمنقلبة. ولما فشلت كل مساعيها في شمال مالي ،حيث تنشط مخابراتها العسكرية أكثر من سياسييها الكبار؛لأسباب ذكرتها سابقا.

في إستراتيجية مناقضة تماما لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي،وفروعه في دول الساحل – إذ اختار محاصرة إمارة المؤمنين وإضعافها ،بمبادرة منه أو مساندة من جهات أخرى- دشنت الحركة الشعبية لتحرير الأزواد موسم هجرتها صوب المغرب،بعد أن تأكد لقادتها ألا حل لقضية الأزواد خارج منطق التاريخ وثقله.وبعد أن تأكد لهم أنهم –ضمن المعادلة الجزائرية- مجرد ظلال لبني عمومتهم طوارق ولاية تامنراست التي تسلط عليهم الجزائر أضواءها الكاشفة.

ما أن حل يوم31يناير2014 حتى حل الزعيم القائد بلال أغ الشريف ضيفا على ملك المغرب في مراكش ؛مما أذهل الجزائر ،وأطلق حركات تكتو نية عمت مختلف وسائل الإعلام، والجهات الدولية المتتبعة.

لا تهمنا التفاصيل هنا :من ؟ ولماذ؟ والرئيس المالي؟ والصحراء المغربية؟

ما يهم هو كون عصر القوة الناعمة المغربية قد بدأ ؛من مالي اليوم ،ليمتد عبر كل الخريطة الروحية الإسلامية في القارة؛ اقتفاء لآثار كل القوافل التي رحلت عبر ثمانية قرون ،إلى ما وراء الصحراء ؛بكل حمولاتها ،ومنها القرآن الكريم وموطأ الإمام مالك؛ومتون كبار الفقهاء و الصوفية .

لم تجد “الخبرة الجزائرية” غير الدفع بعدم وجود حدود مشتركة بين إمارة المؤمنين ودولة مالي؛جاهلة بحدود الإمبراطورية المغربية الروحية ؛كما استوت منذ قرون ،وكما غطت على الجزائر التي بحث عنها فرحات عباس في التاريخ فلم يجدها .

أنهي سلسلة مقالاتي هذه بنداء أوجهه إلى ساسة الولايات المتحدة وفرنسا لينكبوا –بعيدا عن شوفينيتي الموضوعية- على نموذج القوة الناعمة المغربية ؛درسا وتجريبا ،وسيتأكد لهم أنه قادر على تخفيف الكثير من آلام الإنسانية في مجال تخصصه؛شريطة إسناده بدعم اقتصادي لإنجاح التعاون “جنوب جنوب” الذي نظر له كبار الاقتصاديين.

ولساسة الجزائر أقول :هِيت لكم ،وأنتم الأغنياء؛لنرفع الصرح من جديد .ألا ترون كل الانهيارات من حولكم؟هاهي الحرب الليبية –وغدا المصرية ربما- تحوم حول حماكم توشك أن تواقعه ؛أليس لنا الا ما نفعله فرادى متباغضين ،وليس جماعة متحدين؟ ألا ترون أن الجيش الوطني الشعبي لا يمكن أن يؤمن ،وحده،6000كلم من الحدود؟ لاقوة خشنة ولا قوة ناعمة فأين سينتهي بكم السرى؟

محمد السادس في مالي: أمير القوة الناعمة/ بقلم: رمضان مصباح الإدريسي
محمد السادس في مالي: أمير القوة الناعمة/ بقلم: رمضان مصباح الإدريسي

ramdanemesbah@yahoo.fr

ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz