ما هو السر في نفور الناس من نقد النصح و رغبتهم في مدح البجح ؟

13140 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 09 فبراير 2011، الإنسان مجبول على حب الذات ، وحب الذات ليس عيبا إلا إذا بلغ حد الافتتان بها ، وهو ما يسمى عند السيكولوجيين ” النرجسية ” . وحب الذات المتزن يقتضي العدل والموضوعية في الحكم عليها، وتقويمها التقويم الصحيح بما لها وما عليها .

ما هو السر في نفور الناس من نقد النصح و رغبتهم في مدح البجح ؟
ما هو السر في نفور الناس من نقد النصح و رغبتهم في مدح البجح ؟

وحب الذات غير المتزن هو الذي يحمل الإنسان على النفور من النقد علما بأن النقد هو عملية الميز بين ما هو جيد وما هو رديء بمعنى هو الكشف عن الحقيقة بشكل موضوعي يظهر الحسن والعيب معا بشكل متوازن ودون انحياز. والنقد في حد ذاته نصح ، والنصح هو كشف الحقيقة التي تتم القناعة بها في الباطن لتصير ظاهرة . ولا يكون ذلك إلا إذا أخلص الناصح المودة لمن ينصحه . والنصح عبارة عن تذكير بالحسن وتحذير من القبيح . وليس في النقد مدح ولا قدح ذلك أن كشف النقص إن كان حقيقة لا يمكن اعتباره قدحا ، و كما أن كشف الكمال إن كان حقيقة لا يمكن اعتباره مدحا ، لأن المدح هو الثناء والتقريظ بحق أو بباطل ، وليس النقد كذلك ، والقدح طعن وتنقص بحق وبباطل ، وليس النقد كذلك أيضا . ومعلوم أن المبالغة في حب الذات تجعل بعض الناس يرون النقد إن كشف السوء قدحا ، وإن كشف الحسن مدحا ، وهم بذلك يضيقون ذرعا بالنصح مع أنه إخلاص المودة وإظهار ما في الباطن بصدق . وهؤلاء يرتاحون إلى مدح البجح ، والبجح هو الارتياح للمدح خصوصا إذا كان محض كذب ومخالفا للحقيقة . وقد يعلم هؤلاء علم اليقين أن المادح واضح الكذب في مدحه وتقريظه ، ومع ذلك يؤثرونه على المنتقد الناصح مجاراة لحب الذات أوخضوعا لداء النرجسية . وعندما يكون المفتونون بالذوات من عوام الناس وسوقتهم يهون الأمر ، ولكنهم إذا ما كانوا من خواصهم ، ومن أهل المكانة علما أو مسؤولية فالأمر قبيح ولا يحسن بهم ذلك . و ما أظن أن لذي المكانة علما أو مسؤولية زلة قدم أقبح من النفور من نقد نصح ، والميل إلى مدح بجح . وقد يستثقل من ابتلي بداء النرجسية كل ناقد ، وتخونه الكياسة ولا يطرق ساعة يحاسب نفسه محاسبة الأكياس ليدرك إخلاص الود من الناقد الناصح ، و الغش من المادح الباجح ، وما الغش سوى إظهار خلاف ما يضمر الغاش وتزيين الباطل للمغشوش ، وهو الكذب في المودة . والمؤسف حقا أن يؤثر ذو المكانة الغش وهو يعلمه علم اليقين ، بل ربما كان لسان مقاله للناقد الناصح : ” لا أريد نصحا ولا انتصاحا ” ، ويفضل من يقدح في ساقه كما تقول العرب أي الذي يغشه ولا يخلص له المودة لمجرد أن نفسه تبجح للتقريظ وإن كان باطلا ، وتأنف من النصح وإن كان حقا . والأكياس من السلف اتخذوا لهم نقادا يهدونهم عيوبهم قبل محاسنهم ، والعاجزون اتخذوا لهم مداحا يلبسون عليهم عيوبهم ويجعلونها محاسن في أعينهم ، وهم في بواطنهم إنما يسخرون منهم ، ويتخذونهم أحاديث للتندر في غيابهم خلاف ما يفعلون في حضرتهم . فعلى الناس أن يختاروا بين نقد نصح أومدح بجح ، أو بين الكياسة والعجز .

محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz