ما حقيقة الحكم على أداء المؤسسة الدينية الرسمية في المغرب ؟

289705 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: ما حقيقة الحكم على أداء المؤسسة الدينية الرسمية في المغرب ؟

كعادته نشر موقع هسبريس  مقالا تحت عنوان : “لماذا تغيب المؤسسات الدينية الرسمية عن النقاش الفكري والمجتمعي ؟ ” لصاحبه نور الدين لشهب  ضمنه حوارا مع جود الشقوري . ومعلوم  أن هذا الموقع يموه على  نهجه العلماني ويحاول النيل من  الإسلام بطريقة  ماكرة  لا تخفى  على من يعرفون خبث  العلمانية التي  يزعم  أصحابها بنوع من التقية المكشوفة  أنهم لا يعارضون  الدين في الظاهر بينما هم  أشد معارضيه  في  الباطن . وأنا أسجل دائما كيف عرض علي  صاحب  الموقع  نشر  مقالين اثنين لي في الأسبوع  ، فلما تبين له أنني  أعارض  العلمانية  من خلال  سجال  لي مع  أحد العلمانيين  المحسوبين على الحقل  الفني  اعتذر عن نشر مقالاتي ، وهو ما يؤكد  أن  الموقع متموقع إيديولوجيا ولكنه  يحاول  التمويه  على ذلك . ويدخل  هذا المقال  ضمن  الحملة المنسقة  ضد الإسلام  في ظرف  الربيع  العربي   الذي  أفرز ميل  الشعوب العربية نحو الإسلام كبديل  حضاري  بعد خيبة أملهم في  مختلف  الإيديولوجيات  التي  انتهت  إلى فساد  فجر الثورات الشعبية  . وبعد  توجس  الغرب  من  سقوط الأنظمة  الموالية له  وظهور أنظمة  إسلامية  عمد  مع حلفائه إلى  الإجهاز  على  ما يسميه  الإسلام السياسي  من خلال  الانقلاب  العسكري  على  الشرعية  في مصر  ، ومن خلال  الحملات  الفكرية  والإعلامية المنسقة  ضد  الإسلام  بعد هذا الانقلاب . وموقع  هسبريس يدخل ضمن  المواقع  المسخرة  لتشويه  الإسلام  في ظرف الربيع  العربي . ولا أدل على ذلك  أن  الموقع  لا يخلو يوميا  من نقد  وتجريح  حزب  العدالة  والتنمية ذي  المرجعية  الإسلامية  والحاكم ، ومن خلال  نقده  وتجريحه  تتم عملية التجاسر  على الإسلام وتجريمه . والمقال  يدخل ضمن عملية  تجريح  الإسلام  من خلال  الحديث  عن  المؤسسات الدينية  الرسمية  في البلاد . والوقوف  عند عنوان  المقال  الذي  جاء في شكل  استفهام إنكاري  وهو استفهام يفيد  بلاغيا  إثبات أو نفي ما يستفهم عنه. وهذا العنوان استخدمه  صاحب  المقال وكأنه قد قدم بين يدي مقاله دراسة  ميدانية  علمية  تؤكد غياب  المؤسسة  الدينية  الرسمية  عما سماه  النقاش  الفكري  والمجتمعي . ومعلوم  أن  مثل هذا السؤال  يقتضي  بحثا طويلا  عريضا  قبل  إصدار الحكم  على  المؤسسة  الدينية الرسمية . ونعت  المؤسسة  الدينية  بنعت  الرسمية  يعتبر في حد  ذاته  قدحا في  الشأن  الديني  بالمغرب إذ قد يفهم  من  هذا  النعت  وجود  نعت مقابل  له  وهو  المؤسسة  الدينية  غير الرسمية  أو  الشعبية . والحقيقة  أن  المؤسسة  الدينية  الرسمية  لا تنفصل  عن  المجتمع  الذي يحتضنها  من خلال  مؤسسات  المساجد  التي  لم يسردها  صاحب  المقال  ضمن  تصنيفه  للمؤسسات  الدينية  الرسمية  حيث ذكر القرويين ، ودار الحديث ،ورابطة  العلماء  المحمدية ، والمجلس  العلمي الأعلى دون الإشارة إلى المجالس  العلمية  المحلية ، والمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة ، وكليات  الشريعة  والدراسات  الإسلامية ، والدروس الحسنية … دون  ذكر  المساجد  علما  بأنها المؤسسات  الدينية  الأكبر في البلاد والتي  تقدم  خطابا دينيا  أسبوعيا  على أوسع  نطاق  .ويأخذ المقال  صبغة  توجيه  صاحبه لمن يحاوره وذلك من خلال أسئلة  توجه  أكثر مما  تستفسر . وينطلق  المحاور  من  وجهات نظره على أساس  أنها مسلمات  ثم  يسأل  عنها ليؤكد له من يحاوره  وجاهة وجهات نظره . ومن وجهات  النظر  هذه   اعتبار المؤسسات  الدينية  الرسمية عازفة عن  النقاشات الدائرة في المجتمع ومنشغلة  بمواجهة  التطرف  والتبشير بالنموذج الديني  المغربي . ومن أجل  التمويه  على خبث  الأسئلة  قدم صاحب المقال  من يحاوره  وهو جواد الشقوري باعتباره  خريج  دار الحديث  الحسنية  لشرعنة  وجهات  نظره  حيث  سيقال :  صدقت شهادة  شاهد من أهلها  . والنقاش  الذي يزعم صاحب المقال  أن  المؤسسات الدينية الرسمية  بعيدة  عنه يتعلق  بموضوع  المرأة  ،وحقوق  الإنسان ، والحرية ، والمواطنة  ،والمجتمع  المدني،  والنزعة الاستهلاكية . ويعتبر خريج دار الحديث  الذي  وظفه صاحب المقال أن  مناقشات  المؤسسات  الدينية  الرسمية  لا تخرج عن أسلوب  الدفاع والتأصيل دون  النفاذ إلى ما سماه  العمق  الذي  يطرح قضايا الإنسان عموما والعالم  وليس  قضايا  الإنسان  المسلم فقط . ويطالب  خريج دار الحديث بتجديد الفكر  الإسلامي  وهي عبارة  توحي بتقادم  هذا  الفكر ذي  المرجعية  الإلهية على غرار تقادم الفكر البشري . ويبلغ  المكر  ذروته  في  هذا  المقال  حين  يتساءل صاحبه عن  فائدة  وجدوى العقيدة  الأشعرية  والمذهب المالكي . ويتظاهر صاحب المقال ومحاوره  بدفاعهما عن العلماء  زاعمين  أنهم لا يجب  أن يواجهوا بالاستفزاز  والإرهاب   من أجل  مواجهة  الذين  يغلفون آراءهم في الإسلام بصفة  الدراسات العلمية . والحقيقة  أنهما يموهان  فقط  على  ما يبطنان  أو على الأقل  على ما يبطن صاحب المقال  ومن ورائه  موقع  هسبريس  إذا ما أحسنا  الظن  بخريج دار الحديث . ويفهم  من كلام صاحب المقال  أن  العقيدة الأشعرية  والمذهب المالكي  عاجزان عن تناول  القضايا  المجتمعية  التي  تمت  الإشارة إليها ، لهذا ينصح  علماء  الدين  الرسميون  بالانفتاح على أحرار  العالم وعلى مختلف التخصصات  من أجل  مدخل  لتجديد  الفكر  الإسلامي . ويسقط قناع التوجه  العلماني  بشكل  واضح في المقال عندما  يناقش  صاحبه فكرة ” لا إكراه  في الدين ”  والتي  يرى أنها  لا تشمل  غير المسلمين  فقط بل تشمل  حتى  المسلمين الذين  لا يجب أن  تطبق  عليهم قاعدة  ” الردة ” الشيء  الذي  يعني إباحة  الردة أو ما أصبح  يسمى  حرية  التدين  أو  حرية  الخروج  من  الدين  أو  تغييره  ، وقد  سبق  لموقع هسبريس  أن نشر  مقالات  تدعو  إلى هذا  النوع  من الحرية . فالدعوة  إلى الانفتاح  على ما سمي أحرار العالم  هي دعوة صريحة لفكر  غريب  عن  الفكر الإسلامي . والمطالبة  بحرية التدين  داخل  مجتمع  متدين  يعني  بشكل واضح  الدعاية للعلمانية  وغيرها من  التوجهات الرافضة  للدين . والمطالبة بوضع ما سماه  صاحب المقال خارطة عقدية  وفكرية  واضحة  المعالم  توحي  بأن الخارطة  العقدية  والفكرية  للمغرب  والتي  تأسست  منذ الفتح  الإسلامي  غير واضحة  المعالم . ولست  أدري  كيف  ستصبح معالم  هذه الخارطة  بعد إكمال الدين  و تمام  النعمة  كما  يسجل ذلك كتاب  الله  عز وجل ؟  ومما  يتعمد  تغييبه  عن سبق إصرار وسوء طوية   لدى خصوم  الإسلام  أن مبادءه  تعتبر حدودا  تحد كل القضايا  الإنسانية  في كل عصر ومصر  إذ لا يمكن  أن  تخرج  بعض القضايا  عن إطار  هذا  الدين  الذي مصدره  خالق  البشر  سبحانه  مهما كانت . ومعلوم  أن  الدعوات  لتجديد  الفكر الإسلامي  تشير ضمنيا  إلى أن  كتاب الله عز وجل  وسنة رسوله  صلى  الله عليه  وسلم يلفهما  الغموض لهذا  يبرر  الخوض  فيهما  حسب  الأمزجة والأهواء في كل  عصر ومصر . وعندما نتأمل  القضايا  التي اتهمت  المؤسسات  الدينية  الرسمية  بغيابها  عن  مناقشتها  نجد  نماذج  منها  يتولى  موقع  هسبريس نشرها  بين الحين  والآخر  من قبيل  حرية الجنس  وحرية  امتلاك  الجسد  ، والمساواة في  أنصبة الميراث  بين  الذكر والأنثى  ، وتجريم  التعدد ، وتعطيل  الولاية في الزواج ، وحرية  الإفطار في رمضان  ، واعتبار العربية  لغة  القرآن لغة محتلين ،والدعوة  إلى إحلال  العامية  محل  العربية …. إلى غير  ذلك . ولست أدري  كيف ستناقش  المؤسسات  الدينية  الرسمية  من  يطالب  بتغيير  أحاكم  الشريعة  بنصوص  قطعية ؟  فإن رفضت  مناقشتها  اتهمت  بالغياب ، وإن  ناقشتها  ولم  تقر  بصحة  المساس  بأحكام  الشريعة  ونصوص  القرآن  والحديث  اتهمت  بالجمود . وبقي أن  أشير في الأخير إلى  أن تنامي الجماعات الدينية  سواء  التي نشأت داخل  المغرب  أو  الوافدة عليه ، وهي  تحاول  منافسة  المؤسسات  الدينية  الرسمية  وأخص  بالذكر  المساجد  أو تحاول استغلالها  إنما شجعها  على ذلك  التمييز  بين تدين  رسمي  وآخر  شعبي ، وهو تمييز  ناتج  عن  الخلاف  السياسي بين  النظام  وبين  المختلفين  معه  أو المخالفين له ، وهو ما ينعكس  على  الممارسة  الدينية . فالعلمانيون  إذا  ما تظاهروا  بقبول   الدين  فهم  مجرد  منافقين  يظهرون ما لا يبطنون علما بأنهم يختلفون مع  التوجه  الديني  سواء تعلق  الأمر  بالمؤسسات  الدينية  بغض  الطرف  عن  النعوت  التي تلحق بها  وبكل ما له  علاقة  بها . فخلاف  العلمانيين  الإيديولوجي  مع  النظام  يجعلهم  ينقلون  خلافهم  من مجال  السياسة  إلى  مجال الدين  خصوصا  وأنهم يفقصلون الدين عن السياسة  في تصورهم الإيديولوجي ، وهم  يحاولون  ممارسة  الضغط  على النظام  لحمله  على  تعطيل الدين  وإقصائه  من الواقع  ليفسح  المجال للعلمانية  وما  هو على شاكلتها من الإيديولوجيات  تحت  شعار حرية  الفكر وحرية  الاعتقاد وشعار  لا إكراه في الدين  مقابل  الإكراه في العلمانية التي  يرى أصحابها  أنهم  على صواب وأن المتدينين  مخطئون .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz