ما أفدح الخسارة عندما تزال مؤسسة للقراءة طيلة سنة وتعوض بساحة للقراءة في ساعتين خلال سنة

15911 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 21 ماي 2012، بداية أثمن مبادرة اقرأ  وأهنأ المشرفين عليها لأنهم ذكروا أمة اقرأ بهويتها وبشعارها الديني الذي ربط القراءة بالارتقاء في اليوم العالمي للتنوع الثقافي. جميل جدا أن ينتبه العقلاء والأكياس إلى فكرة دحض العولمة لصالح التنوع الثقافي ، وتوعية الناشئة بذلك . وجميل أيضا أن يجتمع الناس في ساحة عمومية حلت محل مؤسسة تعليمية ـ مع شديد الأسف ـ للقراءة حتى وإن كان المشهد احتفاليا وإشهاريا .

فعندما قرأت الإعلان عن مبادرة القراءة التي ستكون يومه الأحد ما بين الساعة الخامسة والسابعة مساء في ساحة زيري بن عطية التي حلت محل الثانوية الإعدادية باستور أحسست بأن حالي  ينطبق عليه المثل السائر : ” إذا حككت قرحة أدميتها ” . لقد تألمت ساكنة وجدة يوم أزيلت بعض المؤسسات التربوية وتحولت من خير البقاع إلى شرها ، تحولت من مؤسسات علم إلى ساحات فرجة  وتسكع ، وأسواق  في فترة رجحت فيها كفة السلطة على كفة العلم. والسلطة أحيانا ينطبق عليها المثل السائر : ” أحمق من دغة ” ـ بضم الدال وفتح الغين ـ  ودغة اسم امرأة حمقاء أراد أن ترقد رضيعها  فشقت يافوخه وأخرجت دماغه ، أو المثل السائر : ” أحمق من عجل ” وعجل رجل أحمق سئل عن اسم فرسه فلم يكن قد أطلق عليه اسما ففقأ عينه ليسميه الأعور.

ولقداستهجنت السلطة يومئذ أماكن وجود  بعض المؤسسات التعليمية ، ورأت أن تحولها إلى أماكن لا علم فيها ، وكان حالها كحال من قال فيه المثل السائر : ” الشعير يؤكل  ويذم ” . والسلطة يومئذ لم تر الجهل في ما أقدمت عليه وحق عليها قول المثل السائر : ” خرقاء ذات نيقة ” والنيقة من التأنق  والمثل يضرب  للجاهل يدعي المعرفة . ولقد تعالت يومئذ أصوات المستنكرين لاستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير إلا  أن استكبار السلطة جعلها في حكم من حلقت به عنقاء مغرب كما يقول المثل  الذي يضرب لمن يئس منه . وإذا كان دليل عقل المرء فعله ، ودليل علمه قوله ، فدليل حمق المرء فعله ،ودليل جهله قوله .

ولو حضرت الحكمة أولي النهى يوم أقدمت السلطة على هدم مؤسسات العلم لإقامة الساحات العمومية والأسواق لكانت قد عملت بقاعدة درء المفاسد قبل جلب النعم ، لأنه لا توجد مفسدة أكبر من إزالة مؤسسة علم ، ولا تعوض مؤسسة العلم الزائلة نعمة مهما عظمت . وها نحن اليوم نتأكد من وجاهة رأي من أنكر إزالة  مؤسسة للقراءة  واستبدالها بأماكن لا قراءة فيها . سيجلس الناس في ساحة تسكع  ومهرجانات عابثة للقراءة وكأنهم  يحيون ذكرى زوال معهد للقراءة  بعدما أحيت السلطة البيض وقتلت الفراخ كما يقول المثل السائر بعدما خلا لها الجو فباضت وأصفرت . وقراءة ساعتين في السنة  في مكان كانت فيها القراءة طيلة سنة  ينطبق عليها قول المثل السائر : ” كدابغة وقد حلم الأديم ”  وحلم الأديم إذا فسد ووقع فيه دود فتثقب ولم يعد صالحا للدبغ .

وحال القراءة في مكان القراءة بعد زواله كحال دلو بلا رشاء . وأخيرا أقول ربما ضاق البعض من مقالي هذا لأنهم أرادوا  الخير بإحياء القراءة في الأمة ساعتين  ، وهو أمر لم أعبه  عليهم بل أشدت به، وإنما عبت  على من أزال  مكان العلم  وحوله إلى ساحة عبث . ومعلوم أن خير الوعظ ما ردع  ، كما أنه رب شانئة أحفى من أم كما يقول المثل السائر .  وما فكر أصحاب مبادرة اقرأ في تحويل ساحة العبث إلى ساحة جد لساعتين على الأقل في السنة إلا لأن الحاجة تفتق الحيلة  كما يقول المثل . وهذه حيلة أهل تربية  ولولا المربي ما عرف الرب . 

 فإذا فهم أصحاب مشروع اقرأ مقاصد مقالي فبها ونعمت  كما يقال وإلا  فقولي لهم قول القائل : ” أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق ”  والتئق هو الممتلىء غيظا وغضبا ، والمئق هو القليل الاحتمال . فكيف لا يغضب المرء من إزالة مكان للقراءة  وتحويله إلى مكان للخراءة ـ شرف الله قدر القراء ـ ؟  وقراءة ساعتين في الحول كدمعة من عوراء وهي غنيمة باردة . والحمد لله أن الأمة تقرأ كتاب الله عز وجل في الصبح وبين العشاءين كل يوم  ، وهي قراءة  ينطبق عليها شعار القراءة والارتقاء حقيقة لا مجازا.

ما أفدح الخسارة عندما تزال مؤسسة للقراءة طيلة سنة وتعوض بساحة للقراءة في ساعتين خلال سنة
ما أفدح الخسارة عندما تزال مؤسسة للقراءة طيلة سنة وتعوض بساحة للقراءة في ساعتين خلال سنة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz