ما أشبه حكاية الإصلاحات الدعائية المداهنة بغرض الالتفاف على حمى الاحتجاجات بحكاية عروض طائر الطاووس

11923 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 3 مارس 2012، أفرز الربيع العربي ظاهرة الاحتجاجات اليومية لكل الشرائح الاجتماعية ، وبرزت كل أنواع السخط الاجتماعي الذي ظل مكبوتا لعقود من السنين بسبب فترات حكم الأنظمة الفاسدة . ومعلوم أن هذه الاحتجاجات اكتسبت قداسة بعدما كانت هي الشرارة القادحة لثورات الربيع العربي . فطريقة احتجاج البائع المتجول التونسي هي التي كانت وراء انهيارالنظام البوليسي التونسي، وباقي الأنظمة المستبدة ، ولهذا  أصبحت قدوة  للمحتجين في طول الوطن العربي وعرضه حتى أن عدد الذين أقدموا على  طريقة احتجاج البائع المتجول التونسي ارتفع بعد ذلك  بشكل لافت للنظر، مع أن المحاولات التي تلت المحاولة التونسية لم تكتسب كاريزميتها ، بل استهجنت في غالب الأحيان  بسبب ابتذالها . وعلى غرار أساليب الاحتجاجات في تونس ومصر ،اندلعت الاحتجاجات من المحيط إلى الخليج تردد عبارة ” الشعب يريد إسقاط …”  تارة النظام ، وطورا الفساد وهلم جرا. وكما ابتذل أسلوب احتجاج البائع المتجول التونسي، ابتذلت أيضا باقي أساليب الاحتجاج الوافد من النقط الساخنة بتونس ومصر ، وصارت بعض  الاحتجاجات لدى بعض الشرائح مثيرة للسخرية حيث صار شعار ” الشعب يريد إسقاط النظام ” يستعمل حتى في حق أبسط المسؤولين في القطاعات العمومية. وكان هذا استخفاف بحجم  وقيمة هذه العبارة التي كانت لها  نكهتها عندما استعملت في حق الأنظمة العربية الجائرة المستبدة، ثم فقدت هذه النكهة عندما تحولت إلى أسلوب تصفية الحسابات داخل الإدارات العمومية مع المسؤولين البسطاء بوجه حق تارة  ، وبوجوه باطل في غالب الأحيان. ولا زال حال الاحتجاجات كما كان ، فكل من أراد تحقيق مطلب أو منفعة سارع إلى لافتة ، ومكبر صوت يدوي ، وجمع حوله جمعا من الناس ، وردد الشعارات الغاضبة من أجل الضغط  .  وجريا على  العادة  ، وكما تنتهز الفرص ، استغل الربيع العربي حيث  وصل إلى مراكز صنع القراركل من كان مغلوبا على أمره أو مغمورا أو منفيا أو منبوذا . وقلب الربيع العربي كل الموازين ، فعلى سبيل المثال لا الحصر تحولت الأحكام القاسية  في حق  بعض المدانين بأخطر التهم إلى براءة بقدرة قادر، وسبحان مبدل الأحوال. وبسبب انقلاب الموازين  رأسا على عقب ، بدأ تأثير احتجاجات الربيع العربي على صنع القرار بعدما  لعبت أصوات المحتجين دورا رئيسيا وفعالا في  وصول المغلوبين والمغمورين والمنفيين  والمنبوذين إلى مراكز صنع القرار. ووعيا من الذين أوصلتهم احتجاجات الربيع العربي إلى مراكز صنع القرار بأهميتها ، فإنهم  ابتدعوا سياسة مداهنتها ، ودغدغة مشاعر أصحابها مهما كانت طبيعة احتجاجاتهم . وهكذا بدأت قرارات الذين وصولوا إلى مراكز صنع القرار تأخذ شكل الرشاوى  الفاضحة  من أجل الالتفاف على الاحتجاجات . وبدأ المسؤولون يخطبون  ود المحتجين  بشكل مفضوح . ومشكلة هذه القرارات أنها تغامر بمصير الأمة والوطن ، لأنها ليست قرارات إصلاح كما تقدمها الدعاية والإشهار الإعلامي ، بل هي قرارات مداهنة ليس غير . و كمثال على ذلك  نذكرقرارات وزارة التربية الوطنية عندنا ، والتي  اضطرتها جماعات الضغط النقابية أو اللوبي النقابي إلى اتخاذ قرارات متسرعة فاقدة للحكمة ، تحاشيا للاحتجاجات بشكل مكشوف. وحكاية مداهنة الوزارة لجماعات الضغط النقابية تشبه حكاية عروض طائر الطاووس الذي ينتفش ، وينشر ريشه المزركش ، ويشغل الناظرين إليه  بزركشة ريشه المنشور أو المنتفش  ليصرفهم عن عورته المكشوفة  . فقرارات وزارة التربية الوطنية  المرتجلة والمتسرعة أدهشت البعض ، وأطربتهم كما يطرب الناظرون حين ينظرون إلى عروض طائر الطاووس ، ولكنهم غفلوا عن عورة الوزارة . وعورة الوزارة هي منظومة تربوية  مفلسة  لا يمكن أن  تصلح عن طريق العروض الطاووسية ، بل لا بد من  إصلاحات بعيدة عن أساليب الخضوع للابتزاز عن طريق الدعاية والمداهنة  تحاشيا للضغوط . فشغل الرأي العام الوطني على سبيل المثال بضجة  إجراء تعطيل مؤسسات التميز بدعوى أنها تكرس النخبوية، وتعليم أبناء الأعيان ، وهو ما أطرب الرعاع والسوقة ، إنما هو عبارة عن ذر للرماد في العيون عن الفضائح الكبرى من قبيل أهدار الأموال الطائلة خلال سنوات  ما يسمى البرنامج الاستعجالي . فإذا كانت الحكومة الجديدة جادة بالفعل في فتح ملفات إهدار المال العام ، فعليها أن تبدأ  بالملفات الكبرى قبل ملف مؤسسات التميز ، وملف التكوين المستمر ، وغير ذلك مما يشبه بهرجة ريش الطاووس الذي يصرف الأنظار عن سوءته .ولقد أهدر المال الطائل في بيداغوجيا الإدماج سواء ما ذهب منه إلى جيب المقاول البيداغوجي البلجيكي، أم إلى جيوب الذين أبرموا معه الصفقة في الوزارة، أم الذين أداروا معه عمليات السمسرة . وهناك ملفات الامتيازات التي يستفيد منها المسؤولون في الوزارة مركزيا وجهويا وحتى محليا، وغيرها من الملفات المعروفة برائحتها الزاكمة للأنوف منذ زمن طويل . وعلى غرار العرض الطاووسي لوزارة التربية الوطنية تقاس باقي عروض مختلف الوزارات التي تهتم ببهرجة  الواجهة المداهنة لعواطف الشعب الغاضبة ، أو المدارية لجماعات الضغط النقابية ، وتغفل  السوءة المكشوفة كما شأن  ملف رخص النقل  التي  أريد من ورائها صرف الأنظار عن الفضائح الكبرى . فالوطن في حاجة إلى معالجة حقيقية لا إلى عروض طاووسية وبهرجة خادعة . ولقد مضى زمن كان الناس فيه يكتفون بالتفرج على تسريحة ريش الطاووس دون الانتباه إلى مؤخرته العارية .

ما أشبه حكاية الإصلاحات الدعائية المداهنة بغرض الالتفاف على حمى الاحتجاجات بحكاية عروض طائر الطاووس
ما أشبه حكاية الإصلاحات الدعائية المداهنة بغرض الالتفاف على حمى الاحتجاجات بحكاية عروض طائر الطاووس

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz