لو أقيمت محاكم بسبب النكت لكان كل المغاربة وراء القضبان

162191 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: أنا أعتبر دائما  أن  القضايا  التي تثار  حاليا  في المغرب  إنما  هي من  تداعيات ربيعه الذي هو وليد الربيع  العربي ، و الذي  خلق ظروفا  سياسيا  خاصة لم  تستسغها  بعض  التيارات  السياسية  والحزبية لأنها  لم تكن تتوقع أن  تثور ضدها  الشعوب ،  وتختار  غيرها  ممن تثق  في مرجعيته  ذات  الصلة بشرع السماء ما دامت  لم تجن من شرائع  الأرض سوى  الفساد  والظلم  والاستبداد. وحكاية   نكتة المقرىء  الإدريسي   تدخل  ضمن القضايا  المترتبة عن  تداعيات الربيع  المغربي . وإذا  كان الانقلابيون  في مصر  لم يجدوا  حرجا  في  الانقلاب   على  الديمقراطية  والشرعية ،  فمن  حق الانقلابيين السياسويين في المغرب ألا يجدوا  حرجا  في مقاضاة  من  سرد  نكتة . ومعلوم  أن  الحبة قد تصير قبة  إذا  وجد ما يستدعي  ذلك  من صراع و عداوة  وبغضاء . وصدق الشاعر إذ قال:

 وعين الرضا عن كل عيب كليلة //// كما أن عين  السخط تبدي المساوئا

فالساخط  قد يرى  في النكتة جريمة  شنعاء تستوجب  المحاكمة ،كما أن  الراضي قد لا يرى  في تجريم شرع الله عز وجل بأسا لأن  هذا هو منطق الهوى الذي لا يحكمه ولا يضبطه عقل. وأعود إلى موضوع النكت لأقول  إن  المعروف عن  المغاربة  هو  اشتهارهم  بروح المرح  ، ولا يخلو  حديثهم اليومي  من نكت من أجل  خلق  أجواء المرح والتنفيس  عن أنفسهم مما تخلفه متاعب الحياة  اليومية  فيها . ولا تخلو جلسة  من جلسات  المغاربة  العائلية  يوميا من  النكت . والنكت  أكثر  الأحاديث  انتشارا  بين  المغاربة بحيث  لا تروى  نكتة  في  شبر من ربوع  المغرب  إلا  وانتشرت  بسرعة  البرق  إلى  أقصى  الربوع فيه ، وربما  زيد فيها  ما لم  يكن من أجل  جعلها  أكثر  إثارة  للضحك  وجلبا  للمرح . ولقد صار التنكيت  فنا  من بين  الفنون  تقام  له  المهرجانات ويجلب   له المهرجون من  داخل  وخارج  الوطن ، ويدفع  لهم المال  الذي  لا يدفع  للمشتغلين  بالبحوث العلمية الجادة . ويستعذب  المغاربة  النكت  التي تتعلق   بالأعراق  والأجناس ، وربما  كان  السر وراء  ذلك هو  حلول النكت ، وهي  شبيهة  بحروب باردة  حلت  محل  الحروب  الساخنة  تماما  كما  حلت  لعبة  كرة القدم  محل   الصراعات  الدامية في البلاد التي اخترعتها كما يزعمون   ، وصارت  تصعيدا يرقى بمشاعر  العداء  أو  يلطف  من آثارها السلبية . فالمغربي من أصل عربي  يخترع نكتا  للنيل من  المغربي  الأمازيغي  والعكس  يصح أيضا ، وساكن  المدينة  يواجه  ساكن  البادية  بالنكت والعكس  يصح أيضا . ولا  تستثنى  فئة  من فئات  الشعب المغربي  من  النكت . ومن  الناس من  يستعذب  النكت  المتعلقة  بالدين  ومن لهم  علاقة به، ويطرب لها  أشد  الطرب ، وربما  كانت  النكت المتعلقة بالدين  ومن لهم  علاقة به  أكثر  النكت  رواجا خصوصا  عندما  تنسب  المحرم  والممنوع  للمتدينين استخفافا  بهم .  ولم  يحصل  أن  رفعت  دعوة ضد   من سرد نكتا  لا تعد ولا تحصى  عن  الدين  والمتدينين  لأنه لم يكن هناك  ما يدعو إلى ذلك  كما هو الشأن  اليوم  في ظروف  الربيع  المغربي الذي  ولد الصراع  السياسوي  الحاد .  ومعلوم  أن النكت عن  البخل  معروفة في  الثقافة  العربية  حتى  أن  كاتبا  مشهورا كالجاحظ  ألف فيها  كتابه  الشهير” البخلاء “.  وفي المغرب  تروج  نكت البخل  عن  بعض  الجهات ، كما  تروج  نكت الغباء  والجبن والطمع … إلخ عن  جهات  أخرى ، وتتعدد مواضيع  وقضايا  التنكيت وتنسب  إلى  هذه  الجهة أو تلك ولا أحد  يقول بأن  نسبتها  حقيقة  لا يأتيها باطل  من بين يديها  ولا من خلفها  بل  تعتبر مجرد نكت للتسلية  والمرح إذ قد يوجد  أكرم من حاتم  في منطقة توصف  بالبخل  ،ولكن  النكت تجعله بخيلا في إطار  التسلية  والمرح . وعلى  الذين فكروا  في محاكمة  المقرىء الإدريسي بسبب  نكتته  أن  يعلموا أن  ملايين  المغاربة  يسردون  نكتا  من  جنس  نكتته وأنه  لا يجب أن  يصلب   صلب  المسيح  عليه السلام  فداء لهم  . وإذا ما  حوكم  الناس  بسبب  النكت  فإن  الشعب  المغربي  بل كل  شعوب الدنيا يجب أن  تعيش  وراء  القضبان . وإذا  ما زالت  النكت  من  حياة  الناس  وخاصة المغاربة  فإن حياتهم  ستتحول  إلى  مأتم   خصوصا  في ظروف العيش  القاسية  التي  يعاني منها  معظمهم ،  والتي لا تسليهم  عنها سوى  النكت . ولست  أدري  ما قيمة  الروح  الرياضية  التي  يتغنى  بها  المغاربة  إذا ما  كانت صدورهم  ستضيق  من  مجرد  سماع النكت.  وأخشى  أن  يقع  للمقرىء ما وقع  لببغاء  علمه صاحبه  كيف   يعير  زوجته الصلعاء  ، وصار الببغاء  كلما  رآها  يصيح : صلعاء ! صلعاء ! فتغضب منه ، وتطالب  زوجها  بقتله  وهو شديد التعلق به  لأنه كان يشفي  غليله  من  الضحك  ، ففكر في حل فبدل  ألوان ريشه ، وزعم  أنه  ببغاء آخر  مهذب وأذكى من سابقه  ، ولم تصدقه  زوجته  فحاول أن يقنعها  عن طريق  تجارب تجرى  على  الببغاء المموه  ، فأمرها  أن   تعطيه أوامر  لقياس  ذكائه، فقالت  له ارفع  رجلك  اليمنى فرفعها  ، ثم قالت ارفع  رجلك  اليسرى ففعل ، ثم قالت  ارفعهما  معا دون أن  تحرك جناحيك  فأجاب  الببغاء : إذن  أسقط  يا صلعاء . وقد  يكون  اعتذار  المقرىء عن نكتته شبيها  بقول   هذا الببغاء  لأنه  لا  اعتذار عن  هزل  وتنكيت كما أنه  لا مؤاخذة  عن  يمين  اللغو في شريعة  السماء . أما  جو  الاحتقان  السياسوي الحالي  فقد  يجرم  حتى من سعل أو خرج  منه  ريحا ، وهذا يقتضي  خلق قضاء مظالم  النكت  في زمن  صار فيه الجاني  بريئا  ، والبريىء متهما .

اترك تعليق

2 تعليقات على "لو أقيمت محاكم بسبب النكت لكان كل المغاربة وراء القضبان"

نبّهني عن
avatar
observateur
ضيف

N’essayez pas de defendre l’indéfendable , une erreur est une erreur quel que soit sa source

متتبع
ضيف

عندما يكون الانسان عالما او مسؤولا وفي بلد احنبي عليه ان يمثل بلده احسن تمثيل وان لا يزل لسانه فكل كلمة لها معنى صحيح ان المغاربة مولوعون بالنكت فيما بينهم لكن ان تطرح في لقاءات خارج المغرب فان زلة اللسان هي تعبير عن مكبوتات فقيائل سوس ليسوا وحدهم الدين اتهموا بالبخل فهناك رجال التعليم كدلك الدين اصبحوا موضوعا للنكت

‫wpDiscuz