لن ينهض المغرب أبدا ما دام فيه من يراهن على الاستئصال وعلى النقد المجاني

10975 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة وجدة في 1 شتنبر 2012، الكل في هذا الوطن يدعي حبه الشديد، بل حبه موضوع تنافس بين كل أبنائه إلا أن الادعاء وحده والتنافس فيه لا يكفي من أجل نهضته وشموخه بين أمم الأرض. والمغرب في حاجة إلى ترجمة ادعاء حبه والتنافس فيه إلى إجراء ملموس، ذلك أن من يدعي حب هذا الوطن هو من يضحي من أجله عمليا، ولا يقف عند حد ادعاء حبه فقط . ولما كان حب الوطن من الإيمان، وكان الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، فإن حب الوطن أيضا ما وقر في القلب، وعبر عنه اللسان وصدقه العمل. ومشكلة هذا الوطن أن أبناءه ليسوا على قلب رجل واحد، وهم طرائق قددا، ففيهم من يراهن على استئصال من يخالفه الرأي كما هو حال الفئة التي تكفر ببعض الثوابت المتوافق بشأنها وطنيا، وترغب في أن يعترف بها، وهي لا تعترف بمن ترغب في اعترافهم بها، وأمرها غريب لأنها تكيل بمكيالين إذ تستأصل غيرها ولا تحب أن يستأصلها غيرها. وسيظل الأمر على هذا الحال فئة خارج التغطية الوطنية أوفي حالة شرود  تغتنم  كل فرصة من أجل التباكي والإعلان عن مظلمتها دون أن تعترف بظلمها لمن تشتكي من ظلمهم لها، كما سيظل من يتنكر لهذه الفئة على موقفه يقابل تشبثها بالاستئصال بما يقابله من استئصال، والخاسر في نهاية المطاف هو هذا الوطن المسكين الذي تدعي الفئة المراهنة على استئصال من يخالفها الرأي حبه، ويكذبها موقفها، كما تدعيه الفئة المقابلة لها في الرد على الاستئصال بمثله، ويكذبها أيضا موقفها. فلو صح وصدق حب الفئتين المراهنتين على الاستئصال لتركوا الاستئصال جانبا من أجل الوطن الذي لا يمكنه أن يستغني عنهما معا، تماما كما لا يمكن أن تستغني الأم عن بعض أبنائها، وليس من قبيل الصدف أن تضاف لفظة أم للوطن فيقال الوطن الأم، وذلك لما بينهما من تشابه  فيما يخص علاقتهما بالأبناء. وإلى جانب عقلية الاستئصال المتأصلة في ذهنية البعض، والتي تقابلها نفس العقلية في ذهنية البعض الآخر ،تغلب على فئات أخرى عقلية النقد المجاني الذي يكون هدفا في حد ذاته، ولا يكون وسيلة أبدا، ذلك أن هذا النوع من النقد صاحب المغاربة منذ فجر الاستقلال ولا زال  حيث تعاقبت على حكم المغرب الأحزاب التي ارتزقت بالمقاومة، فأذهبت مجد مقاومتها في استبداد بغيض سجلته سنوات الاستقلال الأولى، ولا زال وصمة عار على جبين أصحابه. وجاءت بعد ذلك ما يعرف بأحزاب الدولة أو المخزن  كرد فعل على استبداد وانحراف الأحزاب المحسوبة على المقاومة الذين كانوا يرغبون في ديكتاتورية الحزب الواحد على غرار ما وجد عند جيراننا في الجزائر وتونس، إلا أن المؤسسة الملكية عكست مرادهم وخلقت توازنا حزبيا يحد من  طمعهم في الديكتاتورية الحزبية البغيضة. وجاءت بعد ذلك تجربة حكم ما يعرف بأحزاب المعارضة كرد فعل على حكم أحزاب الدولة أو المخزن. وكان أداء جميع هذه الأحزاب واحدا بالرغم من اختلاف خلفياتها الإيديولوجية حيث حصد المغرب في عهدها جميعا الفساد المستشري. وكان النقد المجاني يصاحب حكم كل هذه الأحزاب، فما إن يبدأ حزب من الأحزاب ممارسة تسيير هذا الوطن حتى يبدأ النقد من أجل النقد ،لأن هذه الأحزاب لم تكن أبدا راضية على بعضها البعض، فشعارها كلها  أن تدعي  الصلاح لنفسها  والفساد لغيرها ببينة وبدون بينة، والحقيقة أنها كلها كانت فاسدة مفسدة بحكم نتائج تسييرها. ولما فرض الربيع العربي رغبة الشعوب في تغيير الفساد المترتب عن الأنظمة الفاسدة والتي تعتبر الأحزاب التقليدية جزءا منها وقع الرهان على الأحزاب المحسوبة على الإسلام، وهي أحزاب ظلت محظورة لعقود حتى فرضها واقع الفساد المستشري في طول  الوطن العربي وعرضه عاد النقد المجاني من جديد، واجتمعت أحزاب عهود الفساد بقضها وقضيضها لانتقاد الأحزاب المحسوبة على الإسلام أو بتعبير أدق المتكالبة على الأحزاب المحسوبة على الإسلام وشعارها: ” ما هكذا تورد الإبل يا عمرو ” أو ” ما هكذا يكون التسيير والتدبير يا أحزاب الإسلام “. وتكررت نفس الأسطوانة التي كانت تصاحب حكم كل الأحزاب المتعاقبة على حكم المغرب، فدائما الفساد شيمة الحزب الحاكم، والصلاح شيمة الأحزاب خارج  الحكم. وما كاد اسم الحزب المحسوب على الإسلام في المغرب يعلن كحزب فائز حتى كان النقد المجاني جاهزا ومطبوخا طبخات أعدت سلفا. ومن المضحك أن بعض الطبخات خرجت إلى الوجود قبل أن  يأتي أوانها، الشيء الذي يدل على أنها أعدت قبل نتائج الانتخابات بوقت طويل. وقد لا يختلف أداء الحزب الحاكم المحسوب على الإسلام عن أداء غيره من الأحزاب التي سبقته، لأنه ورث مغربا ينخره الفساد، وطلب منه أن  يخلص الوطن من هذا الفساد، والغريب أن الذين يرفعون أصواتهم  ويطالبون هذا الحزب بالقضاء على الفساد هم المفسدون أنفسهم الذين جلب تسييرهم وتدبيرهم الفساد إلى هذا الوطن المسكين. وصار برنامج هذا الحزب هو القضاء على الفساد المستشري، وهو فساد يشبه المرض الخبيث في مراحله الأخيرة الميئوس منها. وكان من المفروض ألا يرث هذا الحزب وطنا موبوءا بوباء الفساد المستشري ليشتغل  بالبناء والتشييد والانجازات التي تنهض بهذا الوطن، إلا أنه مع الأسف الشديد وجد نفسه يواجه معضلة الفساد المستشري. وما كاد يحرك ماء هذا الفساد العكر حتى قامت دنيا المفسدين ولم تقعد، وظهرت عفاريتهم وجنهم وشياطينهم وسحرتهم، ووجد الحزب الحاكم نفسه أمام ما ترك سليمان عليهم السلام من جن وعفاريت  تركت أصفادها، فصار رئيس الحكومة يطلب السلة بلا عنب كما يقول المثل العامي ،الشيء الذي جعله عرضة للنقد الشديد، لأن موقفه من الفساد جعله يبدو متهما بإقرار هذا الفساد أوالسكوت عنه. والمتصفح اليوم لوسائل الإعلام الوطنية المغربية على اختلاف أنواعها لا يجد إلا نماذج من هذا النقد المجاني، وميزته أنه نقد يفتقر إلى طرح البدائل أو يتبنى البدائل غير الممكنة في الظرف الحالي الذي يمر به العالم برمته، فالكل يطالب بمحاربة الفساد ولكن لا أحد يقترح أسلوبا من أساليب الحرب. وستظل إبل عمرو غير واردة عندنا لأنها لم ترد مع  كل الأحزاب التي تعاقبت على حكم المغرب، وستظل طريقة وردها مجهولة لا يعلمها إلا الله عز وجل ما دام أمر المغاربة شذر مدر  كما يقال، وما دام فينا خوارج يراهنون على الاستئصال، ولا يقبلون عنه بديلا، وفينا  أنانيون لا يقبلون إلا  طريقة حكمهم وتسييرهم وتدبيرهم، وما دام فينا متفرجون كأن الأمر لا يعنيهم، والجميع يتباكى على هذا الوطن المسكين الذي يئن من الفساد، ويدعي حبه الذي لا يتجاوز الشعارات الفارغة إلى أدلة ملموسة محسوسة. فهلا جرب الجميع تغيير مواقفهم المتشنجة لبعض الوقت من أجل السماح لقاطرة التنمية بالإقلاع، وقد طال وقوفها في محطة الفساد عسى أن يورد عمرونا  إبله الهيم. فليجرب الخوارج ترك سلاح الاستئصال لبعض الوقت، وليجرب  الأنانيون ترك سلاح النقد المجاني لبعض الوقت، وليجرب المتفرجون ترك الفرجة لبعض الوقت، وليشمر الجميع على سواعد الجد، وليكن التنافس في تقديم شيء لهذا الوطن المسكين عوض التنافس في ادعاء حبه، ولأمر ما يقول المثل  الشعبي المغربي: ” المحبة ما بين الضراس  ما شي فوق الراس “.

لن ينهض المغرب أبدا ما دام فيه من يراهن على الاستئصال وعلى النقد المجاني
لن ينهض المغرب أبدا ما دام فيه من يراهن على الاستئصال وعلى النقد المجاني

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz