لن نخطو خطوة واحدة نحو التغييرإذا كان المقصر في واجبه لا يحاسب والقائم به يمنه

13411 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 3 نونبر 2012، إن السبب الرئيس  وراء ربيعنا المغربي الذي هو جزء من الربيع العربي هو شيوع الفساد وانتشاره واكتساحه كل ميادين الحياة خصوصا في القطاعات العمومية، و بين أوساط المسؤولين ومن هو تابع لهم، والذين يوجدون خارج طائلة المتابعة والمساءلة والمحاسبة . ومعلوم أن غياب متابعة التقصير في أداء الواجب كرس وضعية الفساد لدينا  بشكل غير مسبوق، وصرنا نتحدث عن هذا الفساد وكأنه  قدر لا راد له. واقتنع الناس عندنا مع مرور الزمن بأن الأصل في القيام بالواجب في كل القطاعات خصوصا العمومية هو التقصير والتهاون استخفافا به  والاستثناء هو القيام به مع منه. ولهذا التقصير علامات دالة عليه تبدأ بالتلكؤ في الالتحاق بمقار العمل  يوميا في المواعيد الواجبة وجوب الفرض الديني ، ذلك أنه كما أن عبادة الصلاة على سبيل المثال لا الحصر كتاب موقوت الشيء الذي يعني أن مواعيدها مضبوطة بدقة  ، فكذلك الوظائف والمهام عبارة عن كتاب موقوت حيث تحدد النصوص التشريعية والتنظيمية أوقاتها بداية وانتهاء بدقة وضبط . ومقابل التلكؤ في الالتحاق بالعمل نجد المغادرة المبكرة له قبل حلول مواعيد المغادرة . وبين التلكؤ في الالتحاق أو التأخر وبين المغادرة قبل المواعيد يوجد التراخي في أداء الواجب، ذلك أنه عندما  تقاس الأنشطة المقدمة خلال زمن العمل الناقص بداية ونهاية  بالمقابل الذي يحصل عليه أصحابها نجد الفرق شاسعا والظلم صارخا والغش واضحا. ومن المهازل أن التوقيت المستمر صار له مفهوم غريب عندنا حيث تحولت  نصف ساعة أو ساعة الزوال المخصصة لتناول طعام الغذاء إلى شماعة لتبرير التملص من القيام بالواجب ، وصارت كما يقول المثل الشعبي ” طريق عبو إلى الفول ” وهو مثل يدل على فكرة التبرير الواهي أو التملص من حق أو واجب .  وعندما يلتمس الإنسان عندنا  أغلب الموظفين في القطاعات العمومية منتصف النهار يجد مقار عملهم شاغرة ، وإذا سأل عنهم تلقى أحد الجوابين : ” ذهبوا لتناول الغداء أو ذهبوا لأداء صلاة الظهر التي صار لها توقيت آخر خارج التوقيت الشرعي  المعروف . وإذا ما سولت لأحد نفسه أن ينتقد هذا الشغور بسبب ضياع مصلحته  أو حقه أو تأخرهما يواجه بالنقد اللاذع  من قبيل : ألا يذهب الموظفون لتناول لقمة ؟ ألا يؤدون صلاتهم ؟  والحقيقة أن تناول  اللقمة وأداء الصلاة عبارة عن ذريعة واهية ،لأنه في الغالب لا عودة لكثير من الموظفين بعض اللقمة والصلاة.  وهذا الفساد استشرى فينا  بسبب غياب المراقبة والمتابعة والمساءلة والمحاسبة . وفي بعض الإدارات قد يظل المسؤولين الكبار في مكاتبهم في حين  يهجر من تحت مسؤوليتهم  من صغار الموظفين مكاتب ومرافق هذه الإدارات دون أن يستطيع هؤلاء المسؤولين الكبار مجرد الاستفسار عن هذه المغادرة اليومية المتعمدة  للموظفين ، وعلى “عين ابن عدي ” كما يقول المثل الشعبي ، وهي عين لا تخشى ولا يعبأ بها ، لهذا يجرؤ عليها  الناس . وقد يطوف بعض المسؤولين ملتمسين من تحت مسؤوليتهم من موظفين صغار في أماكن عملهم ، فلا يجدون أحدا منهم  حيث يجب أن يوجد ، ولكنهم في المقابل  لا يحركون ساكنا، ولا يفعلون مسطرة ، بل الويل لهم والثبور وعواقب الأمور  إن سولت لهم أنفسهم ذلك ، لأن  النقابات عندنا صارت  غيلانا وسعالى بل  ” عيشة قنديشة ”   المهيبة الجانب التي لا يجرؤ أحد على مجرد النظر إليها بله وصفها . وبمجرد تفكير المسؤولين في تقصير من تحت مسؤوليتهم في الواجب  يعتبر ذلك مساسا بهيبة النقابات ، التي صار يصدق عليها المثل العامي ” ما يقول حد غطي راسك أ سي القاضي ”  وهو مثل يدل على دلال قاض في الماضي ، و الذي كان يمشي حاسر الرأس خلاف الأعراف ، وفي رواية أخرى كان يجلس بدون سروال فتبدو عورته للناس ولا يحق لهم انتقاده  نظرا لمهمته التي تخول له محاكمة الناس دون أن يخضع هولمحاكمة . وهكذا صار حال النقابات تعاين التقصير في الواجب لدى منخرطيها ،ومع ذلك  تتبنى  تقصيرهم وتحوله إلى نضالات وقضايا مشروعة بل عادلة ، وحقوق وما هو إلا تقصير وباطل صارخ يقول ” أبي وأمي ” على حد تعبير المثل الشعبي  دلالة على افتضاحه  . ومع مرور الزمن صار التقصير في أداء الواجب مطلبا مشروعا لدى النقابات ، ولا يختلف عن المطالبة بالزيادة في الأجور والترقيات وغير ذلك مما  يعد مطالب مشرعة . وصارت الاضرابات كزغاريد الحمقاء كما يقول المثل العامي ، وهي زغاريد لا نهاية لها بسبب الحمق . فلا يمر يوم من أيام العمل دون أن يتجمهر بعض الموظفين  أمام إدارتهم  ، وقد أعدوا العدة لذلك ، وهي عبارة عن لافتات وأبواق يدوية ، وشعارات محفوظة عن ظهر قلب ، وتضج حناجرهم لبعض الوقت بهذه الشعارات ، ثم ينصرف الجميع باعتبار يوم الإضراب يوم راحة بعد تعب ترديد الشعارات ، ويتحلل الموظفون من الواجب تحلل الحجاج من الإحرام ،فتحل لذكورهم المقاهي ، وإناثهم المطابخ والأسواق ، وربما خرجوا جميعا إلى نزهة. يحدث هذا  عندنا ، ولا يزيد إجراء المسؤولين عن مجرد إبلاغ الوزارات المسؤولة بعدد المضربين وبتحديد هوية النقابة أو عيش قنديشة المسؤولة عن الإضراب . وصار الموظفون عندنا يتساءلون فيما بينهم عن أيام الإضراب لا عن أيام العمل من أجل الاستعداد لها . ومع غياب المساءلة والمحاسبة والاقتطاع عن أيام الراحة والاستجمام  ، وعن ساعات التأخر والتلكؤ في الالتحاق بمقار العمل ، و ساعات اللقمة والصلاة وما بعدها من سراح جميل،  يبدو كل من قام بواجبه المطلوب ، والذي يلزمه  محسن صاحب خير وإحسان وفضل يستحق الشكر والثناء، بل يستحق المدح بالقصائد المطولة ، لأنه قام بواجبه مقابل تقصير غيره في أداء هذا الواجب . وقد لا يتوقف القائم بواجبه عن الامتنان  لمجرد أنه يقوم بما يلزمه وما يجب عليه ، وكأنه بامتنانه  يريد القول : ” إنه بإمكاني أن أكون مع الأغلبية  المقصرة في أداء  الواجب ، ولم أفعل ، لهذا يحق لي أن أمن على الإدارة قيامي بالواجب . وقد يصب جام غضبه على  من يقرع باب مكتبه للحصول على حق هو واجب بالنسبة إليه ، فيصخب ويزبد ويرغي  في وجه صاحب الحق الواجب عليه ، ويتفنن في المن عليه ،لأنه وجده في مقر عمله لحظة غياب غيره لتناول اللقمة أو أداء الصلاة  والتي لا عودة بعدها للعمل. وعلى صاحب الحاجة أو الحق أن يتحمل حينئذ غضب الموظف صاحب الواجب الذي يمن عليه القيام بواجبه ، ويحاول استرضاءه بكل الأساليب ، ويدعو  معه بكل دعاء صالح ، ويسأل الله أن يكثر من أمثاله  أمام كثرة المقصرين في أداء الواجب دون أن يخفف ذلك من حدة منه  وأذاه  ، وربما ختم هذا المن والأذى بعبارة : ” راني غي حشمت وإلا والله لن أقوم بهذا الواجب ما دام غيري متملص من القيام به ” ،لأن الأصل  عندنا هو عدم القيام بالواجب ، والاستثناء هو القيام به ، لهذا حق لمن يقوم بواجبه أن يمن على غيره ذلك. وبهذا الوضع ظهر فينا الفساد واستشرى واستدعى ذلك ربيعنا  ، إلا أننا  ومع طول الخريف  والتطبيع معه لم نحسن استقبال هذا الربيع الجميل، ومضينا في تفضيل الفساد على الصلاح والإصلاح  . ولما كانت مفاهيمنا مقلوبة ومعكوسة،  صار الداعي إلى صلاح مفسد  بامتيازعند المطبعين مع الفساد ، وصار من يقوم بما يجب عليه بطلا في حجم الأبطال الأسطوريين ، وقد يحق له إن قام بواجب من الواجبات أن  يفعل بالناس ما يشاء بما في ذلك إهانتهم والسخرية منهم ، كما فعل وزير التربية الوطنية الذي  جوز له فقهاء التملق من اللحاسين النيل من كرامة أسرة التربية  بما فيها الناشئة البريئة، لأنه قام بواجب نشر لائحة المحتلين للسكن الوظيفي . فوالله الذي لا إله غيره لن نخطو خطوة واحدة نحو التغيير والإصلاح ما دام فينا المقصر في أداء الواجب الذي لا يحاسب ، والقائم بالواجب الذي يمن علينا ذلك ، وكأنه يقدم صدقات ولا يقوم بواجبات.

لن نخطو خطوة واحدة نحو التغييرإذا كان المقصر في واجبه لا يحاسب والقائم به يمنه
لن نخطو خطوة واحدة نحو التغييرإذا كان المقصر في واجبه لا يحاسب والقائم به يمنه

اترك تعليق

1 تعليق على "لن نخطو خطوة واحدة نحو التغييرإذا كان المقصر في واجبه لا يحاسب والقائم به يمنه"

نبّهني عن
avatar
mohamed
ضيف

نشكرك على هذا المقال حيث وضعت الأصبع على الداء فشخصت المرض تشخيصا سريريا لكن فيم يخص باحتلال السكن الوظيف فلا أشاطرك الرأي لأن ذلك الأمر غير عادل ولا ديموقراطي ولا شرعي فلا تدافع على الباطل وإن التبس عليك الأمرخاصة أنك من أئمة المدينة ورجال التربية الذين نجلهم ونحترمهم .

‫wpDiscuz