لماذا يعاب على كاتب ما يكتب وقد أمره الله عز وجل أن يكتب كما علمه ؟

16422 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 12 مارس 2013، يقول الله تعالى في محكم التنزيل : (( ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب )) سيقول البعض هذا كلام متعلق بكاتب الدين ، وأقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وفي اعتقادي أنه لا يوجد كاتب يستطيع أن يخط حرفا واحدا دون أن يقدره الله عز وجل على ذلك ،لأنه لا سهل إلا ما جعله الله عز وجل سهلا ، وهو يجعل الحزن إن شاء سهلا. والموفق من الكتاب هو من وفقه الله تعالى لكتابة ما فيه خير العباد ،لأن أفضل الخلق عند الخالق أنفعهم للخلق. وأنا لا أفهم لماذا يريد بعض من رضوا تكليس أدمغتهم فرض منطقهم على الكتاب الذين يكتبون ،علما بأن الكتابة هي عبارة عن شكل من أشكال تحقيق الذات بالنسبة لبني آدم الذين علمهم الله عز وجل بالقلم ما لم يعلموا ، وأمرهم بالقراءة في كل الرسالات التي أرسلها إليهم ، وكانت آخرها رسالة شعارها : (( اقرأ باسم ربك الذي خلق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما يعلم )) فالناس في الغالب ينتبهون إلى أمر الله تعالى الصريح : ” اقرأ ” ولكن لا ينتبهون إلى أمره عز وجل الضمني ” اكتب ” وقرينته الدالة عليه هي قول الله تعالى : (( الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم )) ،فالقلم مقترن بفعل الكتابة بالضرورة ، ولا قراءة إلا بعد فعل القلم وهو الكتابة . فالذين يعيبون على الكتاب ما يكتبون أو ينكرون عليهم بعض ما يكتبون إنما يحاولون مصادرة أمر الله عز وجل سواء قصدوا ذلك أم لم يقصدوا. فالكتابة تحكمها بالضرورة قناعات ، ووراء كل قناعة اعتقاد ، فما الذي ينكر على الكتاب ،هل ما يقتنعون به بسبب ما يعتقدون؟ فإذا كان الجواب بنعم كانت التعقيب كالآتي : أليس الله الخالق القاهر فوق عباده الذي لو شاء أنزل ما يجعل الرقاب خاضعة له قد أعطى للخلق حرية الاعتقاد لأنه قضى وقضاؤه عدل أن بعد الحياة حساب على المعتقد. ولا يجوز بعد هذا القضاء أن يقضي الخلق في اعتقاد بعضه البعض ، وقد استأثر الخالق سبحانه بالبث في ما يعتقد الخلق دون سواه . ومن حق من يقرأ أن يمارس حريته كاملة غير منقوصة في فعل القراءة دون أن يفكر في مصادرة حرية من يكتب بحرية كاملة غير منقوصة أيضا في فعل الكتابة . ومن تحصيل الحاصل أو من البديهي ألا تلتقي المعتقدات بين القراء والكتاب . فمن قرأ شيئا مما كتبه كاتب وهو لا يعتقد ما يعتقده هذا الكاتب ، فما عليه إلا أن يعبر عن ما يعتقد قراءة دون أن يكون ذلك بنفي ما يعتقد الكاتب كتابة . فالكاتب حين يكتب لا يقصد من بعيد ولا من قريب أن يغير ما يعتقد القارىء ، بل يعبر عما يعتقده هو . وقد يصادف ما كتبه اعتقاد غيره من القراء ، ولا يعني ذلك أبدا أنه هو الذي أكسبهم اعتقادهم ،بل نقول بكل تجرد وموضوعية صادف اعتقاده اعتقادهم لأنهم بشر ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم ، ولهذا لا غرابة أن تقع حوافر معتقداتهم على بعضها البعض ، وأن يعتقد اللاحق ما اعتقده السابق قناعة أو مجرد تقليد . ومن السخف أن ينصب القراء محاكم للكتاب ، فيحاكمون نواياهم من خلال ما يكتبون . والمؤسف والمضحك في نفس الوقت أحيانا أن فهم بعض القراء قد يكون خاصا بهم ، فيأبون إلا أن يكون هذا الفهم بمثابة سلم ريختر الذي يقيس الهزات الأرضية ، فيقسون بمقياس ريختر فهمهم نوايا الكتاب دون أن يخامرهم أدنى شك في أن مقياسهم معيب بسبب ذاتيته المفرطة التي تجعل بينه وبين الموضوعية بعد المشرقين . ومع وجود قاعدة ” حاكي الكفر ليس بكافر ” قد يكفر بعض الكتاب مع أن ما كتبوه كان مندرجا تحت قاعدة حاكي الكفر . وقد يقال :ما بال كتاب إن أجمع خلق كثير من القراء على إدانة وتجريم أو تخطئة ما يكتبون؟ والجواب : صحيح أن الأمة لا تجتمع على ضلال ، لا لكثرتها الكاثرة ، بل لهداية الله عز وجل لها .وقد ذرأ الله تعالى لجهنم كثيرا من الخلق ، ولو كانت الكثرة تفيد الصواب لما دخل النار خلق كثير. ولا يعتد بإجماع الأمة على الصواب إلا إذا نهلت من مصدر حق هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهما مصدران يأخذ منهما ولا يرد ،بينما يؤخذ ويرد مما سواهما باعتبار القرب والبعد من هذين المصدرين . وقد يحصل أحيانا أن يغضب إنسان إذا رد قوله راد ، فيقول له من رد قوله : إن قولك ليس وحيا يوحى . وإذا جاز لله تعالى أن يحاكم الناس على ما يقولون وما يكتبون ، فلا يجوز ذلك للخلق إلا أن يكون حكمهم مدعوما بحكم الله عز وجل . والله تعالى عندما قال : (( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة )) كان حكمه سبحانه حقيقة لا يستطيع أن ينكرها منكر . وكل من قضى بما قضى الله عز وجل في نسبة الألوهية لثلاثة كان قضاؤه صوابا. وكل ما لم يقض بخطئه نقلا لم يجز للخلق القضاء عليه بذلك . وبناء على ذلك لا يجوز أن يدان الكتاب بما يكتبون ما لم يتعارض مع الوحي المنزل.ويبقى ما يكتبه الكتاب موضوع خلاف بين القبول والرفض البشري باعتبار القناعات التي تقبع خلفها المعتقدات ، ما لم تتعارض مع ما أمر الله عز جل باعتقاده . وفي الأخير أشجع كل الكتاب على ممارسة حريتهم دون أن يأبهوا بالذين يفكرون في مصادرة حريتهم من أجل حرية قراءتهم. ومن لم ترقه كتابة ، فعليه أن يطلب من الكتابة ما يليق بقراءته ، ولأمر ما يقال كل إناء ينضح بما فيه ، وأنا أقول كل كاتب يكتب وفق قناعته ، وكل قارىء يقرأ وفق قناعته ، ولن تتوقف الحياة بتوقف كاتب عن الكتابة ،ولا بتوقف قارىء عن القراءة ولله الأمر من قبل ومن بعد .

لماذا يعاب على كاتب ما يكتب وقد أمره الله عز وجل أن يكتب كما علمه ؟
لماذا يعاب على كاتب ما يكتب وقد أمره الله عز وجل أن يكتب كما علمه ؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz