لماذا اعترضت قوى خارجية وأنظمة وأحزاب عربية على ثورات الربيع العربي ؟ وجدة: محمد شركي

113696 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “لماذا اعترضت قوى خارجية  وأنظمة  وأحزاب عربية  على ثورات الربيع العربي”

من المعلوم أن الأمة العربية  مرت بثلاث مراحل في تاريخها : مرحلة  الجاهلية ،وهي  مرحلة التمزق  والعصبية  والصراعات القبلية ، والتبعية  لقوى أجنبية قاهرة مستبدة ، ومرحلة الإسلام ، وهي  مرحلة  التوحد  ،ووجود الأمة  والدولة لأول مرة ، وهي مرحلة القوة  أيضا حيث تحول العرب  من جنس  تابع لغيره إلى جنس يتبعه غيره ، وكان  ذلك  بسبب دين الإسلام  الذي  قال عنه  العرب  ” كنا أذلاء  فأعزنا الله عز وجل بالإسلام ” ،  ومرحلة  العودة  إلى  التمزق  والضعف  والتبعية  من جديد بسبب التخلي  عن  الالتزام  الصحيح  بالعزة  التي  وفرها  الإسلام . وكل مطلع على  هذه  المراحل  التي مر بها  العرب  كأمة  يعرف  جيدا سبب ضعفهم ، وسبب قوتهم . وليس من مصلحة  خصوم هذه الأمة أن يعود العرب إلى ما كانوا عليه  في مرحلة توحدهم   وقوتهم . وبناء على هذا يعمل خصومهم  على  بقائهم  في حالة  تفككهم  وتشرذمهم  وضعفهم لضمان تبعيتهم  الدائمة . ولقد  ترتب  عن احتلال  الوطن  العربي  الذي كان  جزءا  مهما  من العالم الإسلامي  تكريس  التفكك  والتشرذم  من خلال  دويلات  تفصل بينها  حدود وأسلاك  شائكة  ، وتحكمها  أنظمة  مختلفة ، ولكنها  واحدة  من حيث  التبعية  لغيرها . وزالت  بسبب ذلك كل مظاهر  الوحدة الحقيقية  ، وحلت محلها  مظاهر وحدة وهمية  من خلال  إطلاق أسماء  دون  مسميات على   تجمعات عربية  من قبيل  الجامعة  العربية  ، ومجلس الدول الفلانية  ، واتحاد الدول  الفلانية …. وصارت تعقد  مؤتمرات  فارغة بلا مضامين ، وهي عبارة  عن  مسرحيات هزلية ، وقد  صارت  أحاديث  تندر  وسخرية  بين  الشعوب العربية . ولم  يبق  مما يوحد الأمة  العربية من المحيط إلى الخليج سوى  العامل  الذي  وحدها أول مرة  وهو دين  الإسلام.  وحتى  هذا الدين  تأثر  بفعل  التشرذم  والتشتت  حيث  اختار كل نظام  في  الوطن  العربي  نوعا من  العقيدة الخاصة به  والحسوبة على  الإسلام  تعسفا ، والتي يتخذها  ذريعة  لتبرير سلطته  وتسلطه ، وفي نفس  الوقت ذريعة  لإخضاع  رعاياه بسلطان  الدين  الذي تتعلق  به  القلوب  ، وهو  محل اقتناع  عندهم .وخصوم  الأمة  العربية  الذي تعمقوا في دراسة  تاريخها  عن طريق  مشاريع  ما يسمى  الاستشراق  أدركوا أن  نهضتها  وعودة  قوتها  رهينة  بعودتها  إلى  دين الإسلام  كما جاء أول  مرة  ، ولهذا  حرص  هؤلاء الخصوم  على  إبقاء الأمة  العربية   على مسافة  بعد معين  من  هذا  الدين  ، واستنبتوا  معه  عقائد  وإيديولوجيات  مختلفة  لتنافسه  ، ولتعمل على  إضعاف  التعلق  به  ، والتفكير  في   العودة  إلى تعاليمه  لاستعادة  القوة  من جديد . ولقد مضى  وقت طويل  على  الأمة  العربية  الواحدة التي صارت  مع شديد الأسف  شعوبا  وقبائل  بفعل   قضاء  الغرب الصليبي على آخر دولة إسلامية ، وهي الدولة العثمانية ، وبفعل احتلال  الأراضي العربية خلال  القرن التاسع  عشر قبل  أن يحين  وقت  ثورات  الربيع العربي على  هذا  الوضع  الهجين  الذي  كرس  ذل  وهوان  وتبعية  هذه الأمة  للكيان الغربي الصليبي . وجاءت  ثورات  الربيع  العربي  كبداية  لبحث  الأمة  عن  استعادة  عافيتها ، وسبقت  بعض أجزاء  الوطن  العربي  إلى  الثورة ضد  أنظمة  تعتبر تابعة  وخاضعة  للغرب ،وأسقطت  بعض هذه  الأنظمة  ، وانتشرت عدوى خوف الأنظمة  الباقية  من السقوط ، والتقت  رغبة هذه  الأخيرة  مع  رغبة  الغرب  ، فنشأ فكرة  الاعتراض  على هذه  الثورات ومحاولة  إفشالها  . وهكذا  التقى  الغرب  مع  الأنظمة العربية التي  لم  يشملها  الربيع العربي من  أجل إحباط  أحلام  الأمة  العربية  في تغيير وضع التشتت  والتشرذم  والضعف  والتبعية . ومما زاد  الطين  بلة  أن  ثورات  الربيع  العربي  في معظمها  راهنت  على  عامل  الإسلام  لأنها  تدرك  جيدا  أنه  هو  مصدر  القوة  ، ومصدر  استرجاع  المهابة  الضائعة . ولهذا  لا نستغرب  من أنظمة  عربية  ظلت  ترتزق  بالإسلام  ، وتتخذه  مطية  للتمويه  على فسادها  وعلى  تبعيتها  للغرب ، وللتحكم في رقاب  شعوبها  أن  تدين  التوجه  الإسلامي  لثورات  الربيع  العربي لأن  ذلك   يمثل  تهديدا  حقيقيا  لها . ولهذا السبب  أيضا  تعارض بشدة الأحزاب  السياسية  ذات التوجه  الليبرالي  أو العلماني  في  الوطن  العربي نتائج ثورات الربيع العربي  بشدة  ، وهي أحزاب  كان  معظمها يتعامل  مع  الأنظمة العربية  وتشاركها الحكم ، وتعارض  بشدة  وصول  أحزاب ذات  مرجعية  إسلامية  إلى  مراكز  صنع  القرار حتى لو تم  ذلك  عن  طريق  الاقتراع  الحر  واللعبة  الديمقراطية  التي  هي في حكم  المقدس لديهم، إلا  أن هذا  المقدس  إذا  جاء بما  لا تهوى  أنفسهم  صارمدنسا . فلو  افترضنا  أن  ثورات  الربيع  العربي  في  كل من تونس  وليبيا  ومصر  وسوريا  واليمن جاءت بأنظمة  ذات توجه إسلامي  يوحدها  لوجدت باقي  الأنظمة  التي لم  تشملها هذه  الثورات  نفسها  في حالة  شرود  ،وهي على  حالها  الأولى من  التبعية  للغرب ، بل ستجد  نفسها  محاصرة  من  جنوب   جزيرة  العرب  عن طريق  الثورة  اليمنية  ، ومن  شمالها  عن  طريق  الثورة  السورية ومن  غربها  عن  طريق  ثورات  مصر وليبيا  وتونس  ، وستعرج   باقي الأنظمة أيضا في باقي دول  الوطن  العربي   إذ  لن تقبل  شعوب عربية  أن  يكون  نصيبها من  ثورة الربيع  العربي  دون  أنصبة  غيرها. ولقد  فكر  الغرب الصليبي ، وقدر ، فقتل  كيف  فكر  وقدر ثم قتل  كيف  فكر  وقدر ، فاستهدف  أعتى  ثورة  عربية  وهي  ثورة  مصر  التي  كانت تعد  قاطرة  الأمة  العربية  خلال  الصراع العربي  الصهيوني ، وذلك في وجدان  الأمة  فقط ، وليس  على  أرض  الواقع  لأن التاريخ  سجل  أفظع  خيانة للأمة من طرف من كانوا يقودون  هذه  القاطرة  التي  ظلت  عن  سكتها . وعرف  الغرب  الصليبي  أن  مشاعر  الأمة  الإسلامية  واحدة ، وأن  ارتباط  ثورة  مصر  بهذه  المشاعر  ستذكيها في  كل  أرجاء  الوطن  العربي ، لهذا  سارع إلى  صنع  الانقلاب  العسكري   عليها  من أجل  القضاء  على نموذج ثورة  تعتبر  مثالا  ونموذجا سيئا  بالنسبة  إليه . ولأول  مرة  يسكت  الغرب  الصليبي  سكوت  الشيطان الأخرس على  انقلاب  عسكري ، وعلى ارتكابه المجازر الفظيعة  ضد  رافضيه . ولا يستغرب   أن تقف  أنظمة  عربية  تابعة  لهذا الغرب  موقفه  ، بل تساهم  في  إنجاح  الانقلاب  والإنفاق  عليه  من أجل  وأد ثورة  وإطفاء  شررها  الذي  قد يصل إليها فيحرقها في غمرة  هياج  مشاعر  الأمة  في ربيع  جاء  بغتة  وأذل  الجميع . ولا يستغرب  من  أحزاب ليبرالية  وعلمانية  نشأت و ترعرعت  تحت عباءة  الغرب  ، وكانت  أداة  طيعة  في يد الأنظمة  العربية  الفاسدة أن  تبارك الانقلاب في مصر أيضا   وتمجد  من  قام به  ، وتبارك  ترشيحه  للسيطرة  على  السلطة  من أجل  العودة  بمصر  إلى  وضع  ما قبل  ثروة  ربيعها  ، وهو  وضع  التبعية  والخضوع . ولا نستغرب أيضا  أن  تسقط  أقنعة  أحزاب  تدعي  المرجعية  الإسلامية المهزوزة،  وتبارك الانقلاب أيضا ، وهي  مجرد  طوابير  خامسة  لأنظمة  عربية  تنفق  عليها  المال   لتمثل  التيارات  الدينية  المشبوهة التي تتبناها هذه  الأنظمة ، والتي  وجدت أصلا  من أجل  التشويش  على  عودة  الأمة إلى الإسلام  الحقيقي الضامن  لكرامتها  وعزتها. وبالانقلاب  على ثورة الربيع  المصري يحاول  الغرب  ومعه الأنظمة  العربية  التابعة له بث  اليأس في  الأمة  العربية   التي  علقت  آمالا  عريضة  على ثورات  الربيع  العربي  من أجل  التغيير . وهكذا  تم إنقاذ  النظام  السوري  المستبد  والدموي  في غمرة  التخطيط  للانقلاب  على ثورة  مصر  مخافة أن  يساند   هذه الأخيرة  الثورة  السورية ، ويقع  الكيان  الصهيوني  بين  فكي  كماشة  ثورتين  سورية مصرية  تحطم  أحلامه  التوسعية . وتم  سكوت  الغرب  الصليبي  عن  دعم  الروس  بدافع المصالح  المشتركة ودعم  ورافضة  إيران  و دعم جبهتهم المستنبتة في لبنان  حزب اللات للنظام  السوري  لأنه  نظام  لا يخرج  عن  قاعدة الخضوع  للغرب ما دام ساكتا  عن  احتلال  الصهاينة للجولان  ، ولا  يجرؤ  عن إطلاق  رصاصة  واحدة لتحريره  ، وهو الذي  يصنف نفسه  في خانة  الصمود  والتصدي  باللسان لعقود من الزمان . ومن أجل  التمويه  على  دعم  انقلاب مصر  تتظاهر أنظمة  عربية  بدعم  الثورة  السورية  ، ولكنها  في الحقيقة  تجهضها  عن طريق  عصابات تحسب على  الجهاد  والحقيقة أنها  تقوم  بدور  الانقلاب  على  الثورة  الحقيقية . وقد  أكد  ذلك  اعتبار  هذه  الأنظمة  التنظيم  الذي  يعد  عماد  الثورة  السورية  تنظيما  إرهابيا  على  غرار  التنظيم  الذي  كان  عماد  الثورة  المصرية .وأما  الثورة  الليبية  فأريد  لها أن  تتحول  إلى  فوضى  عارمة  يقتتل  فيها  من ثاروا ضد  نظام  فاسد  وأسقطوه  ، ومن  صالح  الغرب  الصليبي  ألا يستقر الوضع  في  ليبيا  حتى  لا  يفسح المجال  لتجربة  حكم ذي  مرجعية  إسلامية  فيها . وأما اليمن  فقد  أفرغت  ثورته  من  مضمونها، وحورت  عن طريق  تدخل  أنظمة  عربية  مجاورة إنما  كان تدخلها  من أجل  منع  وصول  شرارة  الثورة  اليمنية  إليها  لقلبها  وإسقاطها ، وهكذا  تم تأمين  سلامة  رأس النظام  الساقط  وحمايته  ،  تماما  كما  تم تأمين  سلامة رأس  النظام  التونسي المنهار ، وهو  تأمين  له  دلالته   بحيث  يعكس مدى  تخوف هذه الأنظمة  المؤمنة لرموز  الفساد من  وصول  رياح  ثورات  الربيع  العربي إليها  وقلبها ، ولا يحمي  الفاسد  المفسد  إلا  فاسد  مفسد مثله . وأما  الثورة  التونسية  فلم  تواجه  بانقلاب  عسكري  حتى  لا يفتضح  أمر  الانقلاب  في مصر  ، ولكن  جندت  الأحزاب  العلمانية لتقوم  بنفس الدور الذي  قام به الانقلاب العسكري  في مصر  من أجل  العودة  إلى  وضع  ما قبل الثورة . وأما  الحراك  المغربي  ، وهذه هي التسمية  الحقيقة  التي  تناسبه لأنه لم يبلغ  مبلغ ثورات الربيع العربي  ، فقد  تمت مواجهته  أيضا  عن  طريق  توظيف  الصراعات  الحزبية  والسياسية الداخلية من أجل إفراغه  من  مضمونه  الذي  كان يستهدف  محاربة  الفساد السياسي ، وما يترتب عنه  من أنواع  الفساد  المختلفة  اجتماعيا  واقتصاديا  وثقافيا  وفكريا . وهكذا  انبرت  أحزاب  ليبرالية  وعلمانية  لمواجهة  الحزب  ذي  المرجعية الإسلامية الفائز في الانتخابات  من أجل  الانقلاب عليه  ، وإجهاض  تجربته  التي يخشى  أن  تنجح في محاربة الفساد  الذي صنعته هي وكرسته . والغريب  أن الأحزاب  الليبرالية  والعلمانية  التي   صنعت  الفساد  الذي  ثار  ضده  الحراك  تحاسب اليوم  الحزب ذي المرجعية  الإسلامية  عن  هذا الفساد  وكأنه  هو  من صنعه  ، وتنتقده  لأنه  لم يستطع  محاربة ما  صنعته  هي من فساد ، وهي  تريد  بذلك أن  تعيد  الوضع الفاسد السابق  تمام  كما  يريد  ذلك  الغرب  وكما  تريد  ذلك الأنظمة  العربية  التي   تخشى  ثورات  أو  حراكات الربيع  العربي  الشبيهة  بما وقع   ضد غيرها  من الأنظمة  المنهارة . ولو أن  الأمة  العربية  عادت  إلى  تاريخها  وتأملته  كما  تأمله خصومها  لعرفت ما يحاك  ضدها من مؤامرات  ستكون  لها  عواقب وخيمة  في المستقبل وستسبب  ندما  شديدا  ولات  حين  مندم .  

        

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz