لماذا اختار رئيس الحكومة المهادنة مع عصابات الفساد بينما اختارت هي المواجهة؟

11281 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 6 غشت 2012، لم يكن استنكار تصريح رئيس الحكومة  بمهادنة الفساد في برنامج بلا حدود من خلال عبارة: ” كفا وبركة ” مجرد رغبة في انتقاده، أو عبارة عن تصفية حساب حزبي معه، بل كان بدافع محاربة الفساد المستشري في هذا الوطن الذي يستحق أن يكون في طليعة بلاد الله عز وجل الراقية والآمنة المطمئنة.

ولست أشك في أن الذي أطمع عصابات الفساد في رئيس الحكومة هو اختياره أسلوب تجنب الصدام معها ومهادنتها، الشيء الذي أوحى لها بأن أوكارها لا يمكن أن تقتحم عليها، وأنها قد أقنعت رئيس الحكومة بأن مشروعه لمحاربة فسادها لا يمكن أن ينجح وقد ضربت أطنابها في طول البلاد وعرضها. ولو أن رئيس الحكومة مضى بشجاعة وجرأة في دك حصونها لكان لها موقف آخر.

فبالأمس كتب أحدهم في جريدة المساء على صفحتها الأولى مقالا بعنوان : ” جهات تفتعل أزمة السيولة لخنق حكومة بنكيران ” ويتعلق الأمر بعصابات الفساد التي باتت تقاوم بشراسة ولا تريد إلقاء سلاحها كما وصفها السيد بنكيران نفسه في برنامج بلا حدود. ولما كان فسادها  يتعلق بالاقتصاد والمال، فإنها اختارت  سلاح الاقتصاد والمال من أجل  تهديد رئيس الحكومة الذي أعلن عليها الحرب بداية نزولا عند رغبة الشعب الذي اختاره لهذا الغرض بالذات .

فأزمة السيولة التي تعيشها البنوك المغربية  مفتعلة كما يقول مقال جريدة المساء ، ولا يستطيع افتعالها إلا عصابات الفساد المستفيدة مما سماه السيد بنكيران اقتصاد الريع أو الفضل. وعصابات الفساد لا تواجه رئيس الحكومة، وإنما تواجه إرادة الشعب الذي أوكل إلى السيد رئيس الحكومة تحقيقها لما وضع فيه ثقته وصوت على حزبه متوسما فيه الخير والنزاهة والاستقامة بسبب انتسابه إلى المرجعية الدينية التي ترفض الفساد بكل أشكاله، بعدما جرب الأحزاب ذات المرجعيات العلمانية أو شبه العلمانية سواء كانت ليبرالية أو اشتراكية، حيث صار الذين كانوا بالأمس يطالبون بنصيب كل مغربي بما في ذلك وليد الساعة بحصته مما يدره الفوسفاط في مدرجات الكليات  بأصوات  نضالية زاعقة  مستخفة بالشباب الجامعي، وعازفة على وطره الحساس هم أول المفسدين الذي راكموا الثروات الخيالية  ، وورثوها لأبنائهم وهم أحياء يرزقون . وافتعال هؤلاء اليوم لأزمة مالية واقتصادية في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية عبارة عن مواجهة مباشرة مع الشعب المغربي.

ولا شك أن هذه العصابات تراهن على أحد أمرين : إما إرغام رئيس الحكومة على طي ملفات فسادها والسكوت عليها، ومن ثم جعله وجها لوجه أمام الشعب  الذي لن يقبل منه الاستسلام للفساد، أو العمل على زعزعة استقرار المغرب انطلاقا من بوابة الاقتصاد المتحكمة في باقي البوابات. والأمران بالنسبة لرئيس الحكومة أحلاهما مر، ذلك أن قدره إما أن يخسر ثقة الشعب، وإما أن يواجه المتاعب التي تفتعلها عصابات الفساد. ونأمل أن  يكون السيد بنكيران حكيما كما نظنه فلا يغامر بثقة الشعب، ويستسلم لعصابات الفساد.

وعليه أن يلجأ إلى أحضان الشعب الذي بإمكانه أن يحاصر هذه العصابات وهو يعرفها جيدا، ويستطيع أن ينزل إلى الشارع من أجل تجديد مطلبه بمحاربتها  وبأساليب حضارية تنم عن وعي كبير عكس ما يخشاه السيد رئيس الحكومة الذي يحرص على استقرار الوطن في هذا الظرف بالذات مخافة أن ينجر بفعل افتعال عصابات الفساد إلى الفوضى في الشارع من أجل إسقاط حكومته، والتمويه على ملفات الفساد بذريعة مواجهة هذه الفوضى. ونحن نقدر تخوفات رئيس الحكومة، ونعرف  قذارة الحرب التي تخوضها عصابات الفساد ضده من أجل الإفلات من المحاسبة والعقاب، لهذا عليه ألا يخضع لابتزازها مهما كان الأمر، وأن يصرح للشعب بأنه لم يعد  يردد عبارة: كفى وبركة  أيها المفسدون، بل أنا وراءكم والزمن طويل، ولا بد أن  أقضي عليكم من أجل أن أفي بوعدي وعهدي للشعب الذي وضع في ثقته الغالية.

وعليه أن يطلب من الشعب نوع المساعدة التي يريدها منه ما دام قد صرح في برنامج بلا حدود بأنه لا يمكنه أن يصلح  وحده، وأن على الشعب أن يشد الحزام معه  من أجل إنجاز الإصلاح. فالشعب يريد من رئيس الحكومة  أن يبين له نوع وطريقة شد الحزام. والذي لا يقبله الشعب البتة هو أن يطلب منه شد الحزام من خلال  التقشف مقابل  استمرار عصابات المفسدين في الاستفادة من اقتصاد الريع.

والشعب مستعد لشد الحزام من أجل مساعدة رئيس الحكومة ليقضي على هذه العصابات الفاسدة المفسدة ولكن بالطرق الحضارية التي لا تمكن هذه العصابات من تحويل الحراك الحضاري إلى فوضى عن طريق تجنيد العصابات الإجرامية أوما يصطلح عليه بالشبيحة والبلطجية في الشرق الأوسط. ولا بد من حملة وطنية لمحاصرة الفساد على غرار الحملات الوطنية التي كانت ترفع شعارات محاربة الإرهاب والعنف أو الرشوة، أو حتى شعارات محاربة السيدا  والسرطان.

ولا بد من أجهزة لمتابعة شكايات الشعب من عصابات الفساد، علما بأن هذه العصابات الفاسدة معروفة في جهاتها لدى المواطنين ومن السهل الكشف عنها. ولا بد أن يسد رئيس الحكومة كل المنافذ على هذه العصابات حتى يحبط افتعالها للأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية. وعليه أن يمنع تهريب هذه العصابات للأموال الوطنية خارج الوطن، وفي نفس الوقت يشترط على الدول الأجنبية الراغبة في المعاملات الاقتصادية مع المغرب الكشف عن أرصدة العصابات الفاسدة المودعة لديها.

وفي المقابل على الشعب أن يكون في مستوى الوعي المطلوب منه من أجل إحباط كل محاولة  لطمس ملفات الفساد. وعلى السلطة الرابعة أن تكون في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقها، وأن تقوم بدور تنوير الشعب وتوعيته  من أجل مواجهة عصابات الفساد  المستأسدة، والتي باتت تهدد رئيس الحكومة بكل ما تملك من أسلحة، وتقاوم من أجل  المحافظة على الريع الذي سطت عليه، وتواصل فسادها  مع الطمع في الحصول على حصانة أو مظلة  تقيها  مساءلة ومحاسبة الشعب لها، والقصاص منها.

وما أظن العفو الذي يقترحه رئيس الحكومة على هذه العصابات  سيجعلها ترعوي وتعود إلى رشدها، وهي التي لا تعرف سوى نمط عيش الفساد والإفساد في الوطن وهو نمط تتخذه فلسفتها في الحياة.

لماذا اختار رئيس الحكومة المهادنة مع عصابات الفساد بينما اختارت هي المواجهة؟
لماذا اختار رئيس الحكومة المهادنة مع عصابات الفساد بينما اختارت هي المواجهة؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz