لعبة تهديد القرآن التي علقت أنفاس العالم

30933 مشاهدة

الرباط : عبدالكريم بلحاج

لاشك أن التهديد بحرق القرآن الذي أعلنه قس أمريكي مغمور شكل حدثا غير مسبوق من حيث تزامنه مع مناسبتين غير متساويتين في الدلالات والاحتفاء بالنسبة للشعوب والأمم، من جهة فهو تهديد صدر خلال الأسبوع الأخير من رمضان والذي يمثل أقوى فترة على مستوى التعبير الديني والممارسة الشعائرية المتفرعة عنه بالنسبة للمسلمين، وذلك من حيث أنها تشمل مناسبتي ليلة القدر وعيد الفطر اللتين تشد إليها الشعوب المسلمة شدا وتلاحما، ومن جهة أخرى ذكرى أحداث تفجيرات 11 شتنبر بالولايات المتحدة والتي شكلت منعطفا كبيرا في العلاقات الدولية ولاسيما على مستوى النظرة والتعامل مع المسلمين أفرادا وجماعات.

لعبة تهديد القرآن التي علقت أنفاس العالم
لعبة تهديد القرآن التي علقت أنفاس العالم

من الناحية السيكولوجية فإن دلالة التهديد الموجه للقرآن بالنسبة للمسلمين توازي الفعل المستهدف به، بحيث أن هذا التهديد هو تهديد لعدد من الأمور كانت محط انشغال عالمية والتي تتمثل في حوار الحضارات والتعايش الديني والتقارب بين الشعوب، وكذلك لمساعي ترسيخ قيم الاعتراف المتبادل والتسامح، وذلك خدمة لجهود السلم والسلام.هناك اعتقاد بأن هذا الفعل من شأنه أن يحرك عداء المتشددين من المسلمين أو بعض الجماعات المتطرفة، غير أن المسألة قد تتجاوز هذا التقدير اعتبارا لخطورة المسألة والتي تبقى مرشحة لتأجيج صراع حضاري يصعب معه لقواعد السياسة والفكر التحكم في خيوطه. فالمنتمون إلى الثقافة الإسلامية، شعوبا وبلدانا، يعرفون أن خطورة المسألة في حالة الإقدام على فعل الإحراق، لن تشفع لها أصوات التنديد والاستنكار أو ما شابه ذلك من أساليب الاحتجاج، أو حتى الإعلان عن حرب لأنها ليست قضية دول، ولاحول ولاقوة في ذلك لمجلس الأمن أوالأمم المتحدة أوالمحكمة الدولية. إذ ستطفو على حياة العالم معادلة جديدة غير محددة المعالم الآن ولكنها نتيجة لسبب قائم، وليس أي سبب مادام موضوعه بالنسبة للمسلم “كلام الله”. كما أن سلاح بعض الساهرين على تحصين القرآن والمتمثل في الفتاوي سوف يكون مؤطرا لهذه المعادلة، وقد كان في التعاطي مع مؤلف “آيات شيطانية” مثال لما يمكن أن يحصل مع كل من استهدف القرآن. أما وأن خصوصية الحدث هي في كون التهديد صادر عن رجل دين وكنيسة، فإسقاط الخلط والتعميم على المسيحيين واليهود يبقى مرجحا. إذ أنه بالنسبة للمسلمين، هناك مبدأ معياري أساسي في التعامل مع القرآن والذي يؤكد على آية مفادها أنه كتاب “لايمسه إلا المطهرون” وهي خاصية المسلمين، معنى هذا أن هؤلاء لن يسمحوا لذلك القس بمسه، فما بالك بتدنيسه، بل والدعوة إلى حرقه، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى تداعيات غير محسوبة العواقب.أما فهم المسلم البسيط، بحكم أنه يعتبر نفسه معنيا بكل ما يمس دينه، فإن القرآن صار موضوع تهديد ليس فقط من طرف قس أو جماعة تنتمي إلى كنيسة معينة، بقدر ما أن النصارى هم أصحاب هذا السلوك، وعلى رأسهم الأمريكيون اعتبارا لكون مصدر المشكلة أمريكي، وإذن فالانطباع الذي صار يتأسس لدى الشارع الإسلامي هو كون الغرب أعلن التصعيد ضد الإسلام عبر هذا التهديد والفعل المستهدف به، ومن ثم ولت إلى الواجهة في تمثل الشعوب الإسلامية قضية الحرب على الإسلام ، أو بحسب نظرتها إحياء للحرب الصليبية. وليس هناك من شك في أن ذكرى 11 شتنبر كانت، في حال تنفيذ التهديد بحرق القرآن، سيتحول موضوعها، وإن كان القاسم المشترك الذي يطبعها هو الإرهاب. أو ليس إحراق القرآن بعمل إرهابي.حتى أن البعض من المحلليل راح يفسر الموضوع بكونه يتعلق بتلاعب ومراوغة سياسية من قبل أطراف دولية، ولاسيما في كونها تُحسب على قوى الغرب، بحيث أن هدفها يتمثل في استفزاز جهات إسلامية وجرها إلى المواجهة، وما شابه ذلك من تأويلات أحاطت بالموضوع ذهبت إلى حد اعتبار أن المسألة هي من صنع الإعلام، بل أن القس الذي كان مركز الإثارة في هذه القضية وقع ضحية تلاعب إعلامي. ويظهر أن الغاية من خلال هذه المساعي تجلت في إفراغ الموضوع من خطر التفجير الذي حمله وتحويره عن مساره، وكذا التقليل من شأنه إن على مستوى التهديد أو الفعل، وكل ذلك من أجل التحكم في تداعياته النفسية والاجتماعية والسياسية والعالمية. وفي هذه الحالة، فإن الهدف يبدو في محاولة إنقاذ ذكرى تفجيرات نيويورك والمشروع أو المخطط الذي انبنى عليها، أكثر مما هو احترام للإسلام. بمعنى آخر، أن تبقى دائما هذه الذكرى تخلط في أذهان ومخيال شعوب الغرب وأمريكا بالخصوص بين الفاعلين مسببي الحدث والإسلام، عوض أن تتحول إلى ذكرى، لا أحد كان يتوقع التطورات التي كانت ستؤدي إليها.إن ترك فرد أو جماعة ترهن أنفاس العالم بتهديد ما، ولاسيما حينما يشكل التطرف مرجعهم، هو بمثابة موقف يُراد منه العودة به إلى قرون مضت. لهذا فمنطق العقل يفترض أن مثل هذه الوقائع في الوقت الحاضر، لا يجب أن تُترك كمجرد مادة إعلامية أوتعبير لمواقف سياسية دينية ذات حسابات مناسباتية أوموسمية، ولكن أن تتم مواجهتها بكل الحزم والصرامة التي يقتضيها الموقف، طبعا في إطار القوانين الدولية، لأن تأثيرها، كأخبار بالإضافة إلى الإشاعات المغذية والمصاحبة لها، يبقى وقعها قوي على أذهان الناس، مما يجعل احتواءها وتجاوزها صعب المراس. كذلك أن مثل هذه الوقائع التي يكون موضوعها الدين والهوية شكلت دائما امتحانا بين الحضارات، وبقدر ما أن التاريخ يشهد على ذلك في عدد من المحطات، فإن ذاكرة الشعوب تحتفظ بآثار وبصمات مختلفة بحسب الحقب والحالات. ثم إن سياسيو العالم الغربي كما هو الأمر بالنسبة لخبراءه يعلمون أن بعض أشكال التعامل الاستفزازية مع موضوعات حساسة في الإسلام ولدى المسلمين، تُقدم خدمة للتطرف وتنميه مع ما يترتب عن ذلك من إحراج وإضعاف لأصوات ومواقف دعاة العقلانية والحداثة المنتمون إلى هذه الثقافة وبلدانها.أمام حدث من هذا النوع، فإن الحس السليم قد يستدعي انخراط الجميع، سياسيون ورجال دين ومفكرون ومثقفون وإعلاميون كل من موقعه أفراد وجماعات، للعمل على تجنيب العالم كل ما من شأنه أن يهدد الكيانات والهويات ووضع حد لعوامل الانزلاق والانحراف والتأسيس بحق وحقيقة لثقافة الاعتراف والتعايش وكذا لقيم إنسانية عالمية.عبد الكريم بلحاج: علم النفس الاجتماعي.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz