لا يغير الله ما بمنظومتنا التربوية حتى نغير ما بأنفسنا

224460 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: اقتضت إرادة الخالق سبحانه أن  ينطلق كل تغيير يمس الحياة  البشرية من  رغبة  البشر الصادقة في حصول هذا  التغيير مصداقا لقوله تعالى : (( لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) . وطالما أصر البشر  على عدم تغيير  ما بأنفسهم فإن  الإرادة الإلهية  لا تغير ما بهم . ويفهم من  هذا  أن  التغيير  سواء كان نحو الإيجابي  أو نحو  السلبي  حسب  التقديرات البشرية يرتبط  بالبشر أنفسهم ، فهم من يصنع ظروف  التغيير  من خلال  نوايا تترجم إلى إجراءات عملية . فالله تعالى  خلق الأسباب  ، والتغيير يكون بواسطتها ، واستعمال البشر  لها  يفضي  إلى نتائج  تكون عبارة عن  الخروج من حال  إلى حال  أي حصول التغيير . فتغيير الخالق سبحانه عبارة عن خلق للأسباب ، وتغيير الخلق لما بأنفسهم عبارة عن استخدام لهذه الأسباب .  وما دمنا  اليوم نجمع على ضرورة تغيير منظومتنا التربوية التي  جزمنا  قيادة  وشعبا أنها تعاني من اختلالات ، فلا بد  أن  نأخذ  بأسباب تغييرها الأخذ الصحيح  والسليم . وهذا يعني أن  تغيير  منظومتنا التربوية من حال الاختلال  إلى حال  الإصلاح رهين بنا  ويتوقف  أولا  على صدق  نوايانا  في حصول تغيير نحو الإيجابي حسب التقدير الصائب والصحيح . ولقد أثار انتباهي  تعليق أحد الفضلاء  على مقالي  السابق المنشور على هذا الموقع ، والذي عبرت فيه عن ضرورة إشراك  المجلس الأعلى للتربية  والتكوين  والبحث العلمي في استشارة  كل الفاعلين المعنيين  بالمنظومة التربوية ، ومما جاء في  هذا التعليق  أن  الأمر  يتوقف على مراقبة  الخالق  سبحانه  وعلى  حياة  الضمائر ، وهو أمر لا يستطيع إنكاره أحد ، وهو أيضا  يدخل ضمن  تغيير ما بالنفس من أجل  تغيير الوضع أو الحال. والملاحظ غالبا أن التحليلات التي تنصب على تشخيص حال المنظومة التربوية  المغربية  المختلة تتناول كل  العوامل المساهمة في الاختلال إلا أهم  عامل ألا وهو  العامل البشري  الذي  يتوقف  كل تغيير عليه . ولن نجد أبدا ضمن  الفاعلين  المعنيين  بهذه المنظومة التربوية من يملك  الشجاعة ليعترف  بأنه مساهم  في اختلالها  بقسط ، ذلك أن كل الفاعلين  ينحون باللوم  على  ضمير غائب في صيغة المفرد أو الجمع  ، وهو ضمير غير محدد  من خلال قولهم : ” إن الوزارة  فعلت … أوهم  فعلوا  …..”  وعندما يسأل السائل عن  ضمير هم  لا يستطيع تحديده بدقة ، فهم تدل على جماعة  غير محددة . والحقيقة أن  اختلال  المنظومة التربوية ساهم فيه كل  من له علاقة بها مهما  كانت  وضعيته  ووظيفته  ومهما كانت نوعية عطائه. فقد يكون عطاء  الفرد  بالنسبة  للمنظومة خاليا من كل عيب ، ومع ذلك يتحمل  مسؤولية  اختلالها لأن  عطاءه  منفردا لا يمكن  أن  يحقق  نتيجة ما دام غيره  معطل  العطاء . فلا أحد يستطيع  أن ينكر  بأن  في مختلف الفعاليات يوجد الصالح  الذي  يقدم  خدمة جليلة لهذه  المنظومة ، كما  يوجد الطالح  الذي  يخربها تخريبا . ولا أحد  ينكر  وجود تواطؤ  مكشوف على تخريب  المنظومة لدى  شرائح عريضة من الفعاليات التربوية  التي تدعي عكس ما  تفعل  ، وتمتدح تخريبها  ، وتدافع عنه باستماتة ، وتعادي أشد العداء من  ينكر عليها هذا التخريب للمنظومة . وتحصر هذه الشرائح كل إصلاح للمنظومة في ما تسميه تحسين وضعيتها  وإنصافها ….إلى غير ذلك مما يدخل ضمن  المطالب  التي لا تقابلها  واجبات أو تضحيات . والأغرب من ذلك أن  يتحول تخريب  المنظومة إلى تضحيات  بسبب طغيان  الأنانية  وتغليب  المصالح الشخصية  على الصالح العام . ومن أشد الشرائح  خطورة  على  الصالح العام  الذين  يفسدون ولكنهم يضفون الشرعية  على إفسادهم ، ويحولونه  إلى إصلاح  مزعوم . وإذا ما انطلق المجلس الأعلى  للتربية والتكوين والبحث  العلمي من استشارة الفاعلين،  وفيهم من لم يغير ما بنفسه من فساد  وإفساد  للمنظومة ، فإنه سيحصل حتما على مشاريع  إفساد مبهرجة  بالدعاية  والإشهار الكاذبين والذي ظاهرهما إصلاح وباطنهما  فساد وإفساد . ونصف إصلاح المنظومة التربوية  يتوقف  على استقامة الفاعلين  كل في  موقعه   ومن خلال  استحضار الخالق  سبحانه أولا الذي  لا تأخذه  سنة ولا نوم  ، ثم  استحضار الضمير الحي  والرقيب  العتيد الذي  يحول دون كل نوع من التهاون والتقصير مهما  كان نوعه . فكل  العيوب المرتبطة بالمنظومة التربوية من السهل  تداركها ، حيث يمكن  تغيير المناهج  والبرامج  والمقررات  والمقاربات  والوسائل  وأساليب  التقويم  وأطرها المرجعية ، ومختلف  التدابير من خلال  إحلال بعضها  مكان بعض  ، ولكن  ليس من  السهل  أن  نغير  العامل  البشري  إذا كان هذا  العامل  قد تطبع  على  التهاون  والتقصير والغش . ومعلوم أن العمل في مجال  التربية  يتوقف أساسا  على الضمائر لأن  ظروف العمل  فيه في الغالب  تكون  دون رقابة دائمة  ، وتسد مسد   كل أنواع الرقابة  رقابة  الضمائر .  ولعل  وزير التربية  السابق  حاول عبثا أن  يعالج  هذا الأمر عن طريق  إجراءات الرقابة  الرقمية  متناسيا أو جاهلا أن  الرقابة التي تعوزنا  هي رقابة  الضمائر  الحية . وفاته  أن  الرقابة الرقمية  من ورائها  بشر غير منزه  ويتحكم  في ما هو رقمي ، ويصنع به ما يشاء في غياب  ضمير حي ورقيب  يراعي  الرقابة الإلهية  ويخشى يوما  يرد فيه  إلى ربه  ويحاسب  على ما  جنى حسابا عسيرا  . وقد يقول  البعض إن   جودة الحكامة   المصحوبة  بالمحاسبة  كفيلة  بتحسين  وضع   منظومتنا  المختلة  ، وهذا صحيح  ولكن لا بد من انخراط الجميع  انخراط ضمائر  حية  لا انخراط تنكب المحاسبة  عن طريق  ابتداع  كل أنواع  اللف والدوران والتحايل عليها من  أجل الافلات من عواقبها ، وصدق من قال  :

ما عاتب المرء الكريم  كنفسه //// والمرء  يصلحه  الجليس الصالح

فأول محاسبة  يجب أن  تفعل هي محاسبة  النفس  التي تكون أصدق وأقسى   من محاسبة الغير ، ذلك أن  الإنسان  قد  يستطيع  خداع غيره وهو يحاسبه  عن طريق التظاهر والادعاء ، ولكنه  أبدا لا يستطيع خداع نفسه  لأنه أعلم بخباياها  من غيره. ومحاسبة النفس  تقتضي الكياسة  التي تجعل صاحبها يدين نفسه ، ويعمل لما بعد الموت كما جاء في الأثر، ولا يعتد  بمحاسبة  قوامها العجز الذي يزكي صاحبه  النفس مهما  كان سعيها دون المستوى  ، وهو اتباع الهوى  وتمني الأماني على الله عز وجل . فالعاجز  من  زكى سعيه  واستبعد كل  تقصير فيه ، والعاقل الكيس من  يرى  سعيه دائما  مشوبا  بالنقص مهما بذل من جهد . والمصيبة والطامة الكبرى  حب المقصر أن يحمد بما لم يفعل ، أو  يحب  تحويل  معدنه الخسيس إلى ذهب إبريز ، وتأخذه العزة بالإثم في ذلك  ، ويعادي  ويمقت  من  يفضح  خسة معدنه  وبهرجة  إبريزه  المزعوم ، ويحشد  لذلك الأنصار وشهود الزور من منعدمي  الضمائر ، ومن أكلة السحت ، والمصرين  على  الفساد والإفساد. وأخيرا لا بد  أن  يصل  بنا وعينا  إلى درجة  اتهام  النفس قبل أن  نتهم الغير من أجل أن  يغير الله ما بأنفسنا  وبما  في منظومتنا .

لا يغير الله ما بمنظومتنا التربوية حتى نغير ما بأنفسنا
لا يغير الله ما بمنظومتنا التربوية حتى نغير ما بأنفسنا

لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

اترك تعليق

2 تعليقات على "لا يغير الله ما بمنظومتنا التربوية حتى نغير ما بأنفسنا"

نبّهني عن
avatar
TALHIMT OUJDA
ضيف

Bravo .Ce que vous diffuser est digne d un travail pedagogique et journalistique probe et libre de toute contrainte.Je vous lis presque regulierement,et vous etes une source credible d information.Vous representez les vrai Marocains qui aspirent un vrai changement dans le domaine de l enseignement.

استاذ
ضيف

جزاك الله خيرا استاذنا الفاضل.لقد اصبت،اشفيت غليل كل مغبون يتحصر على فشل المنظومة التربوية.فما احوج المشرع لهده الافكار و الملاحظات.

‫wpDiscuz