لا مجال للمزايدة فيما يخص الهوية المغربية

10411 مشاهدة

 محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة 21 يناير 2012، لفظة ” مزايدة ” تعني لغة التنافس ،أو المغالبة في الزيادة . والزيادة هي كل نمو زاد أو فضل عن الحد المطلوب . وقد تكون المزايدة مقبولة فيما يخص الأمور القابلة للزيادة باعتبار طبيعة النمو فيها ، أما عندما يتعلق الأمر بالهوية فلا يستقيم أمر الزيادة أو المزايدة ، لأن الهوية لا تنمو على بعض في الهوية بحيث لا يمكن أن تزيد هوية بعضهم على بعض أو تفوقها أو تفضلها . ومعلوم أن الثقافات تختلف فيما يخص تعريف الهوية حسب العناصر التي تتوسع بعض الثقافات في تعداد العناصر المكونة للهوية. والحقيقة أنه عندما نسقط الزمان على المكان ، ويكون فيهما بشر فاعل ومنفعل بهما نكون بصدد هوية ما. فالمغرب له تاريخه ، وله جغرافيته ، وله بشره الذي فعل فيهما وانفعل بهما. وداخل إطار هذا التاريخ ، وهذه الجغرافية ، وهذا البشر بفعله وتفاعله المتداخل والمتكامل لا مجال للمزايدة على الهوية فيه . لأنه لا زيادة في تاريخنا ، ولا في حغرافيتنا ، ولا في بشرنا ، ولا في فعلنا أو تفاعلنا مع تاريخنا وجغرافيتنا . فالذين يراهنون على المزايدة
في الهوية رهانهم خاسر ، وحجتهم داحضة، لأن التاريخ عبارة عن أحداث تتوالى وقد تتشابه ، ولكنها لا تتكرر كما يزعم القول القائل : ” التاريخ يعيد نفسه “، لأن هذا القول القصد منه أن أحداث التاريخ تتشابه ولا تتكرر ، وشتان بين التشابه ، والتكرار أو الإعادة. ولأن الجغرافية قارة في الغالب إلا في حالة المغالبة حيث يتوسع شعب في جغرافيته الطبيعية على حساب جغرافية غيره بسبب الغزو أو التدافع. ولأن البشر أصله واحد ذكر وأنثى ، ومنهما نشأت الشعوب والقبائل . ولأن اللغات تتشابه من حيث مخارج أصواتها وصفاتها باعتبار جهاز النطق البشري المتشابه ، واختلافها البنائي أو المورفوتركيبي لا يمكن أن ينفي تشابهها الصوتي . ولأن الثقافات هيحصيلة الفعل والتفاعل البشري في إطار أزمنة وأمكنة. فالمزايدة في هذه الأمور محض باطل ، ذلك أن تاريخ بلد ما يصنعه الشعب كله ، ولا يمكن أن تزايد فئة من الشعب على أخرى في صناعة أحداث تاريخ بلد ما. وأن جغرافية بلد ما عبارة عن إرادة إلهية لا دخل فيها للإرادة البشرية ، ولا يمكن أن تكون المزايدة بين بر وبحر ، أو بين سهل ووعر ، أو بين شرق وغرب أو شمال أو جنوب ، أو بين خطوط طول وخطوط عرض على سطح كوكب الأرض . وأما البشر المنحدر من أصل واحد فأعراقه ، وأجناسه إنما هي اختلافات ثقافية محضة ، ولا مجال للمزايدة في الدم واللحم ، ولون البشرة أو لون الشعر أو طول القامة أو قصرها . ونفس الشيء يقال عن اللغات فلا مجال للمزايدة فيها ، فهي شبيهة باختلاف ألوان البشر كما جاء في الذكر الحكيم في قوله تعالى : (( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين )) ،فليس من قبيل الصدفة أن يقرن الله عز وجل بين اختلاف الألسنة واختلاف الألوان في هذا النص القرآني . فالذين يزايدون في قضية الألسنة بمعنى يتنافسون،ويغالب بعضهم بعضا فيها بادعاء أفضلية لسان على آخر شأنهم شأن من يزايد في ألوان البشر ويفاضل بينها . فمن المعلوم أن الأمور المختلفة لا تصح فيها المزايدة ، بل المزايدة تكون بين الأمور المتشابهة التي يزيد بعضها عن بعضا في المشترك بينها ، أما المختلف بين الأمور فلا يعتبر زيادة ولا يقبل مزايدة . ولهذا لا يقبل من فئة من الشعب الواحد أن تزايد على غيرها في لغتها ، وتتخذ ذلك مطية أو ذريعة للمزايدة في الهوية . فالمغرب منذ كان تاريخا وجغرافية، وبشرا كان فيه اختلاف لغوي ، وتعايشت فيه لغتان الأمازيغية والعربية دون أن تكون بين اللغتين مزايدة. فلا زال المغاربة في مدنهم وقراهم ، وأسواقهم ، وشوارعهم، وكل مرافقهم العامة والخاصة يتداولون اللغتين معا دون أن يشعر أحد بالمزايدة في استعمال اللغتين ، تماما كما أن ألوانهم تختلف من بيض، وسود، وسمر ، وشقر وهم يسيرون في مدنهم وقراهم وشوارعهم ومرافقهم المختلفة جنبا إلى جنب دون مزايدة في الألوان ، ولا أحد يقول لغيره إن لوني أفضل من لونك ، أو عرقي أشرف من عرقك ،كما أنه لا أحد يقول لغيرهإن أمازيغيتي أو عربيتي خير من عربيتك أو أمازيغيتك . ولهذا فالمزايدة في الهوية المغربية دعوى باطلة ، وواضحة البطلان . والدعوة إليها ، أو رفع شعاراتها إنما هو نفخ في أفكار استعمارية عنصرية حيث كان المحتل البغيض يراهن على خلق صراعات عرقية بين المغاربة لتشتيت صفهم ، وتسهيل التحكم فيهم ، و هو أمر تنبه إليه المغاربة ، وحاربوه ، وقاوموه أشد المقاومة في صورة ما سمي الظهير البربري ، وهو نفخ في القبلية والعصبية لركوبها واستغلالها أبشع استغلال . ومن الوهم المرفوض التعصب للعرق مع أن الفترة التاريخية الطويلة صهرت العرب والأمازيع ، وتكون خليط من الأصلين، حتى صارت نسبة هذا الخليط أكبر من نسبة الأصلين المحضين . فلا أحد من المغاربة يستطيع أن يزعم أنه أمازيغي خالص أو عربي خالص . فإن استطاع أن يحصر جهته الجغرافية حيث سقط رأسه أو رأس أبيه أو جده ،أو أن يحصي بعضأجداده الأقربين ، فإنه لا يستطيع أن يجزم بأن ما قبلهم من أجداده لم يتحركوا ، ولم يختلطوا بغيرهم صهرا ونسبا ، ورحم الله عبد الرحمان بن خلدون القائل : ” الفروج ليس عليها أقفال ” مما يعني أنه من الصعب حصر الأنساب في جغرافية محدودة داخل البلد الواحد ذي الجغرافية الممتدة ، والتحركات والاحتكاكات البشرية المتواصلة ، وغير المنقطعة . والواقع يؤكد هذا ، فالمغاربة انتقلوا عبر العالم في عصرنا الحالي كما فعلوا في الماضي ،واختلطوا بغيرهم من الأجناس البشرية ، فصار عندنا مغاربة من أصل أمازيغي أو عربي ، وأصول أوروبية أو أمريكية أو أسيوية أو غيرها . فكيف يمكن لهؤلاء أن يزعموا تمحضهم للأصل الأمازيغي أو العربي ، وفي عروقهم دماء أصول أخرى ؟ ويبدو أن بعض الذين بقي في أنفسهم شيء من التعصب الأعمى للعرق أو الجنس يحاولون اختلاق مظالم وهمية أساسها العرق أو اللغة داخل الوطن الواحد ، ويرفعون شعارات مغلوطة ، وواضحة التوجيه والتسييس من أجل الإيهام بوجود مظالم وهمية. والحقيقة أن هذه السلوكات لا تعني شيئا آخر غير المزايدة في موضوع الهوية الواحدة. وعوض إضاعة الوقت في رفع الشعارات المختلقة والمغرضة على الذين يزعمون وجود هذه المظالم الوهمية أن يعملوا من أجل الرفع من قيمة لغتهم من خلال أغنائها علميا وأدبيا عوض التباكي عليها ومحاولة الاحتجاج على غيرها. فاللغة هي إنتاج بشري يتوقف تطورها على إرادة بشرية ، وهي فعل وتفاعل بشري . فليس من المقبول ولا من المعقول المزايدة على اللغة العربية لمجرد أن الإرادة الإلهية جعلتها لغة آخر رسالة سماوية للبشر . فالعربية لغة كالأمازيغية في تعاملها اليومي خارج إطار التدين ، ولا مجال للمزايدة بين اللغتين في إطار الاستعمال اليومي . ولا مجال للمزايدة بينهما في مجال الاستعمال الديني . فليست اللغة الأمازيغية وحدها التي ترتبط باللغة العربية دينيا بل هناك عشرات اللغات الأخرى التي لا يشعر أصحابها بأية حساسية تجاه اللغة العربية في مجال الاستعمال الديني ، لأن إرادة الخالق سبحانه اقتضت ألا تصح عبادة الصلاة وعبادة تلاوة القرآن إلا باللسان العربي ، ولا مانع لما أعطى الله عز وجل ولا معطي لما منع . أما في غير المجال الديني فالأمر متروك للفعل والتفاعل البشري. فاللغات الأخرى التي تشترك مع العربية في المجال الديني يجتهد أهلها لجعلها لغة علم وأدب وفن. وكثير من تلك اللغات من فاق العربية علما وأدبا. فلماذا سيظل بعض الأمازيغ عندنا يروجون لمظلمة الأمازيغية مع العربية في المغرب ، في حين لا نسمع بمظالم لغات أخرى في أقطار تدين بالإسلام ؟ والواقع المعيش يؤكد أنه لا وجود لمشكل بين اللغة العربية ، واللغات الحديثة التي توجد في مقدمة الركب الحضاري عند الذين دخلوا الإسلام ، فهم يقومون بواجباتهم الدينية باللسان العربي ، ويزاولون باقي أنشطتهم اليومية والعلمية والأدبية بلغاتهم الأصلية دون أن يشعروا بما يشعر به بعض الأمازيغ عندنا والذين لا هم لهم سوى المزايدة على اللغة العربية ، وعلى الهوية المغربية. فإذا كان غرض هؤلاء هو محاولة إقصاء الإسلام من المغرب من خلال اختلاق الخلاف مع العربية ، فهم واهمون لأنهم يزايدون على الهوية المغربية التي أساسها الإسلام . ولقد آن الأوان لتنتهي المسرحيات الهزلية التي تريد أن تحبك مظالم وهمية في بلد له هوية واحدة مع تنوع لغوي وثقافي متكامل لا يتعالى بعضه على بعض . ودرءا لكل تأويل لهذا المقال أعلن للرأي العام أن صاحبه حسب علمه المتواضع ـ والله أعلم بالحقيقة ـ أنه أمازيغي أبا وأما دون أن أجزم بتمحض نسبي للأمازيغية لأنه ربما مرت على نسبي كالكثير من الأمازيغ حقب تاريخية جعلته يختلط بالنسب العربي . فأنا أعتز بهويتي المغربية الأمازيغية والعربية في نفس الوقت دون أدنى مزايدة. ولن أسمح لنفسي برفع علم آخر غير العلم المغربي الذي يتضمن الحمرة كشعار للدماء الزكية التي سالت فوق أرض المغرب من أجل حريته ، والنجمة الخماسية الخضراء التي ترمز إلى أركان الإسلام الخمسة ، وهي أركان دين أعتز به لأنه من صميم هويتي . وأنا مع كل فكرة لتطوير اللسان الأمازيغي والعربي ، والثقافة الأمازيغية والعربية على حد سواء التطوير الإيجابي البناء ،عوض إهدار الجهد في الجدل البيزنطي العقيم من أجل تأجيج نار المزايدة في الهوية المغربية حيث لا تستقيم المزايدة .

لا مجال للمزايدة فيما يخص الهوية المغربية
لا مجال للمزايدة فيما يخص الهوية المغربية

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz