لا قيمة لخطب الجمعة في غياب حسن نية وطوية وتجاوب بين الخطيب وجمهوره

25593 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 30 غشت 2012، في تعقيب على مقال لي يتعلق بموضوع الفوضى التي تعاني منها مدينة وجدة بسبب احتلال الباعة المتجولين وما يعرف بالفراشة الشوارع والطرقات والساحات العمومية ،عقب أحد الفضلاء متسائلا عن دور خطب الجمعة في معالجة موضوع الفوضى وغيره من المواضيع التي يعرفها المجتمع ، وتجاوز التساؤل إلى اللوم والعتاب حيث وصف بعض الخطباء بالتقصير في واجب النصح والدعوة والتوجيه من خلال  إهمال معالجة الواقع المعيش . وملاحظة هذا السيد الفاضل وجيهة يشكر عليها ، إلا أنها لا يمكن أن تعمم  على كل الخطباء. والمهم في هذه الملاحظة أنها  وفرت لي فرصة لتناول موضوع خطابة الجمعة  التي  قيل ويقال عنها الكثير مما يصح وما لا يصح. فمن المعلوم أن خطبة الجمعة  كما سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بوحي من رب العزة جل جلاله إنما جعلت لتوجيه الناس في حياتهم وهم يمارسونها ، وتعرض لهم النوازل المختلفة التي يجب أن يعرفوا موقف الشرع منها. وما كانت صلاة الجمعة أسبوعية إلا لمعالجة قضايا الأمة العارضة خلال الأسبوع . ومع  أن هذا الهدف يعلمه أهل الإسلام جيدا ولا يغيب عنهم إلا أن كثيرا منهم لا يلتزم به سواء تعلق الأمر بالخطباء أم بجماهيرهم . وبالرغم من وجود خطباء يلتزمون بهدف  خطابة الجمعة فيتناولون ما يعرض للناس خلال الأسبوع ، ويبينون رأي الشرع فيه ، ووجود جماهير أيضا تتجاوب مع هؤلاء وتتفاعل مع خطبهم التي تمس واقعهم مباشرة ،  فإن  خطباء آخرين  لا  تعنيهم أحوال الناس الأسبوعية ، بل همهم هو إلقاء خطب قد لا يوجد بينها وبين أحوال الناس الأسبوعية  نسب أو علاقة ، ويكتفون بما  يتوفر لديهم من خطب ربما  ألقيت مرارا وتكرارا لأنها تتناول قضايا عامة ، كما أن جماهير أخرى ألفت هذا النوع من الخطب ، وهي لا تبالي بمضامين الخطب ، وإنما تحضر  لمجرد أداء الصلاة ثم تنصرف كما  جاءت لم تحصل شيئا مما  ألقي عليها من خطب . ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل  قد توجد جماهير تتجاوب مع خطب ينتقد فيها الخطيب  المسؤولين  على ضوء ضوابط الشرع ، ولكنه إذا ما توجه بالنقد إلى هذه الجماهير وأهدى إليها عيوبها وفق نفس الضوابط  امتعضت منه واشمأزت والتمست له العيوب ، والعثرات وربما  اختلقتها اختلاقا . وبحكم تجربتي المتواضعة في ميدان الخطابة  في أربعة مساجد بمدينة وجدة  رأيت من الجماهير أصنافا وألوانا . فالغالب على جمهور الجمعة هو تجاوب الغالبية العظمى مع ما يلقى عليهم من خطب خصوصا التي تمس واقعهم ، والله أعلم بآثار تلك الخطب في حياتهم وسلوكهم ،لأن الأمر يقتضي المتابعة لمعرفة مدى تأثير هذه الخطب في من يستمع إليها . وبين هذه الأغلبية توجد شرائح من المشاكسين الذين لا ترضيهم الخطب  مهما كانت،  إما لأنها  تكشف انحرافاتهم عن  جادة الشرع  وهو أمر يسبب لهم الألم النفسي ، أو يكون حضورهم  الجمع مجرد عادة لهذا لا تعنيهم الخطب في شيء، وإنما يعنيهم أن يشاهدهم من يعرفهم في المساجد  ساعة الجمعة.  ولقد عانيت من شرور بعض هؤلاء  ، وكانوا أحيانا سببا مباشرا في انتقالي من مسجد إلى آخر، لأنهم لا يعبرون عن امتعاضهم من خطبي فحسب، بل  يصير شغلهم الشاغل هو تحريض الناس علي . وحجج هؤلاء واهية  حيث يشتكون من طول الخطب حسب زعمهم مع أن حجم الخطب لا يمكن أن يحصر في وقت بعينه ، وذلك لاختلاف القضايا التي  تتناولها هذه الخطب ، واختلاف الظروف والمساجد والفئات المستهدفة . فعندما تعوز هؤلاء المشاكسين الملاحظات المتعلقة بمضامين الخطب التي تمس واقعهم بشكل مباشر يعمدون إلى  انتقاد توقيتها، الشيء الذي يوحي أو يوهم من يسمع نقدهم  بفراغ مضامينها ، لأنه لا يشتكى من طول الخطب إلا إذا كانت بلا فائدة ترجى . ومن سوء حظ بعض هؤلاء المشاكسين أنهم يقرون بجدوى هذه الخطب  ويزعمون أن كل عيبها هو طولها مع العلم أن الخطابة كفن من بين خصائصه الطول حيث يستحسن الطول ، والإيجاز حيث لا يفيد التطويل ، وهؤلاء لا يميزون بين مقامات التطويل ومقامات الإيجاز، لأنهم ينشغلون عن مضامين الخطب بعداد الزمن ، ويستعجلون الخطب والصلاة من أجل العودة إلى بيوتهم  والتهام قصع وصحون الكسكس على عادة المغاربة. ولقد ابتليت في تجربة الخطابة  بنموذج شرير من شر ما خلق الله عز وجل قيل لي أنه كان منخرطا في حزب معروف بعدائه  للإسلام بحكم مرجعيته الإيديولوجية ، ثم سلخ جلده الحزبي فالتحق بحزب محسوب على الإسلام كما يفعل لقطاء الأحزاب الذين يغيرون أقنعتهم حسب مصالحهم ، وكان همه هو أن يؤذيني كل جمعة  وقد جرب كل أساليب الإيذاء  حتى بلغ به الأمر إلصاق  ورقة إيذاء على المنبر حيث تسلل إلى مقصورة المسجد التي لا يحق له أن  يقتحمها في غياب الإمام الراتب  والمؤذن . وكان لهثه  الممجوج دائما هو انتقاد وقت الخطب لأنه لم يكن يحضر ليستوعب ويستفيد مما يسمع،  بل كان يحضر بنية مبيتة ليهث لهث الكلاب كما جاء وصف أشباه الكلاب في كتاب الله عز وجل . ويشهد الله أني ما كرهت  أحدا بعد الشيطان الرجيم كما كرهت هذا الشخص الشرير حتى أني لم أعد أطيق مجرد النظر إلى وجهه الشائه . وأمثال هذا النموذج الشرير قد يبتلى به غيري من الخطباء ، ويلقون منه أذى كثيرا لأنه لا حياء فيه لهذا يفعل ما يشاء.

ولهذا لا يجب  أن  يعمم الحكم على كل الخطباء بأنهم لا يتناولون واقع الناس ، وكما أنه لا يجب أن يعمم الحكم على كل جماهير الخطباء بأنهم  لا يتجاوبون مع الخطب التي تمس واقعهم .  ولقد حدد القرآن الكريم صفة الخطباء وجماهيرهم الذين يستفيدون من الخطب في قوله تعالى : ((  والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى  الله لهم البشرى فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله و أولئك  هم أولو الألباب )) . فمعلوم أن الطاغوت هو كل معبود باطل بما في ذلك معبود  الهوى . ومعلوم أن الإنابة إلى الله عز وجل هي الرجوع إليه ، ولا يرجع إليه سبحانه إلا من يخلص له العبادة ، ولا يمكن لمن يعبد هواه أن ينيب إليه . والله عز وجل جعل البشرى لمن يستمع القول ويتبع أحسنه ، ولا يوجد أحسن من قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم . وقد بشر الله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،ووصفهم بالهداية والعقل . فالخطباء وجماهيرهم على حد سواء لا بد أن تتوفر فيهم شرطي الهداية والعقل ، وهو ما يجعلهم  يتفاعلون مع ما يسمعون  من قول   باتباع أحسنه ، ولا يصلون إلى هذا المستوى إلا إذا كان مرجعهم الذي ينيبون إليه هو الله عز وجل ، وكانوا  يجتنبون الطاغوت أن يعبدوها وشر الطاغوت الأهواء التي هي نفخ مباشر من عدو الله إبليس عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وعلى من يتخذه وليا من دون الله عز وجل .

لا قيمة لخطب الجمعة في غياب حسن نية وطوية وتجاوب بين الخطيب وجمهوره
لا قيمة لخطب الجمعة في غياب حسن نية وطوية وتجاوب بين الخطيب وجمهوره

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz