لا إصلاح في المغرب دون إنزال ضربة قاصمة بالفساد

10833 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 27 شتنبر 2012، يبدو أن المغاربة انصرفوا عن فكرة محاربة الفساد إلى  فكرة انتقاد الحزب الحاكم الذي لم ينجح  لحد الآن في محاربته  حيث صار حديثهم اليومي عما  يسوقه إعلام  المعارضة من اعتبار الحكومة الحالية حكومة أحلام ووعود وفشل وعجز وما إلى ذلك من نعوت تصب في نفس الاتجاه وهو محاولة إخراج أنشطة المعارضة الحزبية من إطارها الحقيقي، وذلك  من أجل  إيهام من يمارس هذه المعارضة الرأي العام بصوابها مع العلم أن معارضة اليوم هي  حكومات الأمس التي أوصلت المغرب إلى هاوية كانت سببا في  ثورته وربيعه، وهو ربيع  عكس وعي الشعب المغربي بأنه  لا يخرجه من  نفق هذه الهاوية سوى القضاء على الفساد الذي تتحمل  الأحزاب المعارضة اليوم كامل المسؤولية عنه، لأنها كانت في مراكز صنع القرار يوم كان هذا الفساد يكبر ويتناسل كتناسل الخلايا الخبيثة . وأعتقد أن صرف الرأي العام المغربي عن الفساد إلى الانشغال بانتقاد الحكومة الحالية في طريقة تعاملها معه هو حيلة معارضة اليوم التي  هي حكومات الأمس لمنع محاصرة هذا الفساد ، وتقديم المسؤولين عنها إلى  العدالة ، ومنهم من  يضع نفسه اليوم  في خانة المعارضة النظيفة وهو ملطخ بالفساد، ولا يتوقف عن انتقاد الحكومة الحالية واتهامها بوعود الأحلام والعجز والتقصير وما إلى ذلك وكأنه نبي معصوم. ومن المؤسف  حقا أن ينساق الرأي العام المغربي وراء حيلة معارضة اليوم وحكومات الأمس المموهة عن فساد تتحمل مسوؤليته الكاملة  وحدها. وإذا كان لحكومة حزب العدالة والتنمية من ذنب، فهو تخوفها من اقتحام أوكار الفساد  واعتبار ذلك  غير مناسب في هذا الظرف، علما بأنها لم تفكر في أن المعارضة الحالية ضالعة في الفساد، ولهذا  هي تستخدم  ما يسميه المثل الشعبي المغربي : ” ضربني وبكى وسبقني وشكا ” . فحكومة حزب العدالة والتنمية راهن عليها الشعب  من أجل أن تخلصه من الفساد. وكان من المفروض ألا يتقدم على مشروعها أي مشروع قبل مشروع إنزال ضربة قاصمة بالفساد أولا وقبل كل شيء. والربيع المغربي ليس بدعا من الربيع العربي  حيث نفضت بلدان عربية يدها من الفساد دفعة واحدة  واحدة  عن  طريق الحراك الساخن الدامي ، في حين أن الربيع المغربي  آثر أسلوبا حضاريا عن طريق خوض اللعبة الديمقراطية ، و لم يكن بإمكانه أن يطو ملف الفساد كما فعل غيره من الشعوب العربية عن طريق الحراكات الدامية . وكان من المفروض أن يحقق الشعب المغربي  ما حققه غيره من الشعوب العربية من قضاء مبرم على الفساد،  ولكنه قضاء عن طريق  اللعبة الديمقراطية. ولما اختار الشعب المغربي حزب العدالة والتنمية إنما عبر بوضوح عن رغبته في القضاء على الفساد. ولم يدخر الفساد  جهدا في  الحيلولة دون تحقيق رغبة الشعب في استئصاله ، وتحول إلى جيوب مقاومة شبيهة تماما بجيوب مقاومة الفساد في البلاد العربية التي قضي فيها على الفساد. وتحولت جيوب المقاومة الفاسدة  إلى معارضة لا تعارض في الحقيقة الحزب الحاكم عندنا  ، وإنما تعارض إرادة الشعب المغربي في القضاء على الفساد الذي أرقه  وراهن على محاربته من خلال التصويت على حزب العدالة والتنمية . ولقد استطاعت جيوب مقاومة الفساد  أن تصرف  الرأي العام عنها  ، وتحاول  أن تحول نقمته على الفساد إلى نقمة على الحزب الحاكم الذي لم  يستطع القضاء على هذا الفساد . وتبدو تصريحات جيوب مقاومة الفساد ساخرة بالرأي العام عندما تصف  حكومة حزب العدالة والتنمية  بأنها  حكومة الوعود الحالمة ، وهي تقصد بها  الوعود بالقضاء على الفساد الذي تمثله  هذه  الجيوب نفسها . وموازاة مع تضليل الرأي العام  من خلال تحويل سخطه  على الفساد إلى سخط  على حكومة لم تستطع محاربته ،  تهدد فلول الفساد هذا الحزب الحاكم بالويل والثبور وعواقب الأمور إن  سولت له نفسه أن  يقتحم  عليها أوكارها ، وهو ما جعل رئيس الحكومة الذي وجد نفسه بين مطرقة الشعب المطالب بالقضاء على الفساد وسندان الفساد المتجذر في الوطن  يظهر للرأي العام وكأنه يفضل تجنب المواجهة  مع هذا الفساد من خلال تصريحاته الإعلامية ، وهو الذي لم  يحسب لتصريحاته الإعلامية حسابا دقيقا، الشيء الذي أعطى فلول الفساد فرصة  مخادعة الرأي العام ونقله من إدانة الفساد إلى إدانة الحكومة التي لم  تف بوعد محاربته . وفي اعتقادي أن حال الحكومة  الحالية المنشغلة بما تعتقده إصلاحات كحال من أراد أن يقيم  بناية  دون أساس أو فوق أساس هش  أو جرف هار ، ذلك أن الاصلاح لا يقوم أبدا فوق قاعدة يجثم فوقها الفساد . فلا الزيادة في أجور التقاعد أو المنح الدراسية  على سبيل المثال ، أو غيرها من الاصلاحات التي لا شك في أنها صحيحة وإيجابية  يمكن أن تنجح والفساد الذي كان سببا في تدني هذه الأجور والمنح ، وفي غياب غيرها من الاصلاحات  لا زال قائما و موجودا . فمن الذي جعل منح التقاعد ومنح الدراسة هزيلة غير الفساد ؟ ومن الذي أوصل البلاد إلى أزمة اقتصادية خانقة غير الفساد، وعلى رأسه اقتصاد الريع . وعليه فالاقتصاد الحقيقي  لا يمكن أن  يتعايش مع اقتصاد الريع ، لهذا إذا كان رئيس الحكومة يراهن على النجاح في  تحقيق اقتصاد حقيقي  مع وجود اقتصاد الريع المخرب له فهو واهم كل الوهم، وهو بالفعل  حالم ويبيع الأحلام كما وصفه بذلك معارضوه وهم فلول الفساد المقاومة من أجل البقاء، ومن أجل إفشال الربيع المغربي .ولقد باتت الحكومة الحالية مجبرة على اقتحام حصون الفساد بكل شجاعة وجرأة ، والبدء برموزه الذين كانوا في مراكز صنع القرار، وهم اليوم يحاولون لعب دور المعارضة ، و كأنهم لم  يكونوا  مفسدين من قبل  . ولا يخفى على رئيس الحكومة الحالية أن من فساد الحكومات السابقة أنها كانت  تبث في  القطاعات العمومية جراثيمها من أجل توفير الغطاء للفساد . وعلى هذه الحكومة أن تراجع  أولا كل المناصب في القطاعات العمومية التي  بثت فيها جراثيم الحكومات السابقة  المسؤولة عن الفساد. ألا يعلم السيد رئيس الحكومة أن  كل وزير في الحكومات السابقة كان  يوزع مناصب القطاع الذي يشرف عليه على أتباع حزبه؟ وأن بعضهم كان يجعل  القطاع برمته  ملك عشيرته المقربين ، وأن بعضهم ورث القطاع للأبناء والأقارب ؟ أليس هذا فسادا ؟  كيف يمكن أن يستقيم أمر القطاعات العمومية وفيها بقية مما تركت الحكومات الفاسدة المفسدة. لنكن صرحاء مع أنفسنا ، ونطالب بفصل كل  من ألحق بمسؤولية في القطاعات العمومية بسبب علاقة حزبية أو بسبب محسوبية. والطريق إلى محاربة الفساد  واضح وجلي ولا ضباب عليه، ولا وقت للمغاربة لصرف الوقت في الحديث  عن من لم يستطع محاربة الفساد عوض الحديث عن الفساد وعن محاربته . ولا يمكن أن يصادر ربيع المغاربة عن طريق  خدعة اللعبة الديمقراطية . نعم للعبة ديمقراطية  تنتهي  بالقضاء على الفساد ، ولا وألف لا للعبة ديمقراطية تركبها فلول الفساد من أجل البقاء والاستمرار. ولا مجال للمزايدة على هذه الحقيقة أو الخلط بين دسائس فلول الفساد، وبين غضب الغيورين على  هذا الوطن. فإذا كانت فلول الفساد تريد صرف الأنظار عن فسادها نحو عجز الحكومة عن مواجهته ،فإن الغيورين  من أبناء هذا الوطن لا تخفى عليهم هذه الحيلة المكشوفة ، ولكن هذا لا يعني أنهم  يؤيدون سكوت الحكومة عن مواجهة الفساد، ولا يمكن اعتبار موقفهم هذا مؤيدا لفلول الفساد أ و أنه يصب في اتجاهه، بل هو صمود في وجه الفساد، ومن أجل  تحقيق أهداف الربيع المغربي الحضاري الذي لا يمكن أن يفهم بأنه غفلة أو بلادة أو ضعف عندما يقارن  بأنواع الربيع العربية الساخنة. والشعب المغربي إذا كان قد صدق اللعبة الديمقراطية، فهذا لا يعني أنه سيسكت طويلا عن محاربة الفساد واستئصاله من جذوره بالكيفية التي يراها مناسبة، وفي الوقت المناسب، وما ضاع حق وراءه طالب.

لا إصلاح في المغرب دون إنزال ضربة قاصمة بالفساد
لا إصلاح في المغرب دون إنزال ضربة قاصمة بالفساد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz