كيف عوض الانترنيت المكتبات العمومية في بحوث التلاميذ والطلبة ؟

30693 مشاهدة

صراع كبير وإشكال عويص هو ذاك الذي، تسببت به الثورة التكنولوجية المعلوماتية، بكل سماتها ومميزاتها، ودمرت في الوقت ذاته كل الأساليب والتقنيات القديمة أو لنقل الكلاسيكية في البحث والتنقيب عن مصادر العلم والمعرفة، بعدما تربعت الشبكة العنكبوتية على عرش المعلومة وتقصي الخبر بامتياز في وقت وجيز وفي أقل من رمشة عين، فصارت الأمور أقل تعقيدا وأقل كلفة، وبأقل مجهود، يكفيك فقط امتطاء فرس جهاز الكمبيوتر الذي سيأسرك ويرحل بك في عوالم مختلفة من الهند إلى السند، في رحلة عبر المكان والزمان تجوب فيها مختلف البقاع ومختلف الألوان الثقافية والحضارية للعالم بأسره، الذي أضحى قرية صغيرة تغري بالغور والاكتشاف،

يصف البعض عمليته بالإتكالية وبالهاوية المعرفيةكيف عوض الانترنيت المكتبات العمومية في بحوث التلاميذ والطلبة ؟.

الرباط/ بوابة وجدة/ وجدة البوابة: فاطمة بوبكري.

إذن الأمر لم يعد صعبا ولا مستحيلا، فكيف إذن صار الانترنيت المآل والوسيلة الوحيدة، في كل الخدمات التي نحتاج إليها ومن أهمها المعلومة وكل سبل التثقيف، وكيف استطاعت أن تحظى بالإقبال المنقطع النظير لكل باحث ومتعلم، بل المنهل رقم واحد في كل الأبحاث والمعارف التي نحتاج إليها، بعيدا عن تصفح أمهات الكتب من مجلدات ومصادر ومراجع، والانتقال بين صفحاتها، التي صارت الآن مركونة بين رفوف المكتبات يعلوها الغبار، وتطالها أيادي النسيان.؟+++شبكة الانترنيت واختصار الوقتإنه وقت السرعة بامتياز ولا مجال للانتظار واستهلاك المزيد من الوقت الذي أصبح ثمينا وغاليا، بل إن لم تقطعه قطعك بالفعل، وفوت عليك الكثير من الانجازات والسبق العلمي والعملي وكذا المعرفي الذي يحتاج إلى متابعة آنية، بل لحظية لكل متغير أينما كان ووقتما حدث، فالاطلاع والدراية بالمعلومة أصبح ضروريا وفي حينه وإلا عددنا في خانة المتأخرين وآخر من يعلم، وهذا ما لم يعد يسمح به عصرنا الحالي والسريع بامتياز مهول، سرعته شملت كل شيء حتى العواطف والمشاعر الإنسانية التي طمست وامحى وقتها، هذا إن لم يضيع عليك فرصة العمر بأكملها بكل مالها وما عليها، فالحياة صارت غلب ومغالبة، جري وتسابق وتنافس، لاتمهل فيه لحظة لمتهاون أو متقاعس، فكانت التكنولوجيا الرقمية الآن الحدث الأبرز والثورة المذهلة التي غيرت الحياة رأسا على عقب وقلبت الموازين وبددت كل شيء كان بالأمس القريب نزهة المشتاق لكل عمل رزين متدبر في الحياة ومعارفها، القراءة مثلا كم كنا نحتاج إلى مران كي نكتسب أبجدياتها وتقنياتها؟، لكن اليوم لم يعد لدينا ذلك الصبر وتلك الآنة، لأن اللهاث والجري صوب لقمة العيش والوصول السريع لكل مبتغياتنا وإنا كنا في أغلب الأحيان نختصر فيه المسافات، قد استهلك كل طاقاتنا.الوقت إذن وقت السرعة، وعندما يتعلق الأمر بالزاد المعرفي والتعامل مع الكتاب فإن الأمر يختلف كثيرا ويتخذ مكانة خاصة جدا، فقراءة الكتاب تحتاج إلى الهدوء التام والطقوس الخاصة جدا والمتعلقة بكل شخص على حدى، بعكس تصفح الأنترنيت، فهذا الأخير من الممكن تصفحه في أي مكان وفي أي وقت وبدون دافع أو هدف أحيانا، وقد يتم ذلك في خلوة الشخص مع نفسه بعيدا عن الناس، كما يمكن أن يتم ذلك في الزحام، ففي أي لحظة بإمكان متصفح الأنترنيت أن يباشر باهتمام تصفح الأنترنيت، في القطار والحافلات وكذا المقاهي وحتى في الحدائق والأماكن العمومية التي تغص بالبشر ووقتما تملكه الملل والإحساس بالرتابة، فلا يتردد في الغوص العميق للشبكة العنكبوتية، التي تفتح له الآفاق والأبواب كلها وتهديه تأشيرة السفر في رحلة عبر العالم برمته وبكل أغواره، يقتني منه ما يشاء، ويتخير ما يناسبه من حاجياته اليومية الملحة، التي لم يعد يجد لها الوقت لتسديدها فكل شيء في حياة الإنسان المعاصر الآن أصبح مرهونا بالتكنولوجيا وخدماتها السهلة والسريعة التي تدلل له كل صعب أو مجهود.إن قارئ الأنترنيت الآن لم يعد تهمه، أن تحفظ ذاكرته المعلومة ويتفاعل معها بالتحليل والنقاش، بل هي مجموعة من الأفكار التي تهدى له في طبق من فضة يقبل منها ما يشاء وما يناسب بحثه وتساؤلاته، خلافا للكتاب الذي يفتح له في الغالب الأعم فكرة واحدة ومنظورا أوحد قد يتفق معه أولا؟، ليبقى الكتاب فكرة واحدة تدور من عليها معانيه وأبعاده الذي سطرها لنفسه، على عكس الشبكة العنكبوتية التي تفتح الباب على مصراعيه نحو المعرفة بثقل وزنها وتعدد مراميها وتشعب فروعها، لسبر أغوار كل مجهول أو مجاهيل تحيط بسماء فضائنا المعرفي المتعدد.+++البحث “الغوغلي” والهاوية المعرفية!.بضربة زر فقط على محرك البحث “غوغل”، ومكتبة إلكترونية بكاملها تقدم المعلومة في طبق من فضة،فشبكة الأنترنيت نظام لتبادل الاتصال والمعلومات اعتمادا على الحاسوب، حيث يحتوي نظام الشبكة العالمية على الملايين من الصفحات المترابطة عالميا والتي من خلالها يمكن الحصول على الكلمات والصوت وأفلام الفيديو والأفلام التعليمية وملخصات رسائل الدكتوراه والماجستير والأبحاث التعليمية المرتبطة بهذه المعلومات من خلال الصفحات المختارة، فالاستخدام الواسع للتكنولوجيا وشبكة الأنترنيت العالمية أدى إلى تطور مذهل وسريع في العملية التعليمية، كما أثر في طريقة أداء المعلم والمتعلم على حد سواء، في إنجازاتهما داخل غرفة الصف، فانتشرت طريقة جديدة للتعليم ألا وهي طريقة التعلم عن بعد، على أساس فلسفة حق الأفراد في الفرص التعليمية المتاحة ، فغدا التعليم مفتوحا لجميع الفئات لايتقيد بوقت أو مكان، كما لايقتصر على مستوى أو نوع معين من التعليم، بل يتناسب وطبيعة حاجات المجتمع وأفراده وطموحاته وتطور مهنه ولا يعتمد على المواجهة بين المعلم والمتعلم، وإنما على نقل المعرفة والمهارات التعليمية إلى المتعلم بوسائط تقنية متطورة ومتنوعة مكتوبة ومسموعة ومرئية تغني عن أي حضور داخل قاعة الصف المدرسية، فعندما يطالب التلميذ بإنجاز بحث حول موضوع معين فإن هذا الأخير لايجد حرجا في الهرولة إلى محرك البحث “غوغل” الساحر العجيب الذي دلل كل الصعاب ومن لا يحتوي على جهاز الكومبيوتر وشبكة الأنترنيت في بيته فإن مقاهي الأنترنيت تكلفت بهذا الدور على أكمل وجه فجل الفتيات اللواتي يشتغلن هناك ويشرفن على تلك المقاهي يسدين خدمة التكفل بالعمل الذي أنيط بالتلاميذ أو الطلبة مسبقا في إنجاز البحث المطلوب، ففي الغالب التلاميذ لايكلفون أنفسهم عناء الجلوس والبحث، ليأتون في آخر المطاف لاستلام بحوثهم منجزة في دقائق، منقحة مبوبة و كاملة، دونما حاجة إلى عناء البحث والتنقيب بين صفحات الكتب التي تصب في مجال بحثهم المطلوب، وفي الكثير من الأحيان لايطلع حتى على مايحتويه، وإن سئل عن مضمونه فسيبقى مسمرا في مكانه، دونما فهم أو اهتداء إلى استيعاب الخطاب وما تحتويه السطور وما بالك ما تحت السطور؟، بل المهم هو الإنجاز المطالب به في أقل وقت وبأقل مجهود، ويوما بعد يوم تنمو لديه هته الاتكالية ويصير أجوف المعرفة و”الثقافة” بين قوسين، ولعل ضعف المستوى الدراسي الذي أضحى ظاهرة ملحوظة مخيفة تدعو للقلق، لأبلغ دليل وبرهان بحيث التراجع الكبير والمؤسف للمستوى الدراسي درجة الكارثية ورغم تعدد الأسباب إلا أن أهمها ما زرعته التكنولوجيا المعلوماتية من غش في هذا المجال، تربى عليه واعتاد على سهولته، فيرتقي مدارج العلم والمستويات الدراسية، بكل سهولة إلى أن يصبح طالبا لكن أي طالب؟ فالطالب اليوم بدوره لم يعد هو ذاك الطالب الذي تهتز له جنبات المدرجات في الكليات، ويزحزح بتكوينه واتساع مداركه هبة الأساتذة وشموخ أهل العلم والمعرفة، حتى أضحى من العار الحديث عن طالب لايملك من معنى الكلمة سوى اللقب، إذا كان لايقوى حتى على تركيب جملة مفيدة بسيطة في أدنى أبجدياتها، ولا رصيدا متواضعا من المفردات والمعاجم الغوية التي تزخر بها على الأقل لغتنا العربية، بل أصبح أكثر اتكالية وأقل مثابرة وصبرا ومستواه يدعو إلى الخجل والأسى، فأي مستقبل سيكون بين أياد مثل هته؟ حتما الوضع يدعو للقلق والحيرة فالأمر يتعلق بتاريخ أمتها بأكملها وإرث حضاري بكامله من المفترض أن يحظى بالرعاية والاستمرارية المطلوبين.التلاميذ كما الطلاب الباحثون العلميون، الأساتذة، وكل الاهتمامات المعرفية،التي لها صلة بمجال المعرفة الصحافة هي الأخرى صارت تنحو صوب الإلكترونية ، الكل لصيق بالبحث “الغوغلي”، الذي ساعد على اتساع رقعتها وفرض سيطرتها، فصرنا نعايش جيلا من أنصاف المثقفين أو أشباه المثقفين الذين يعتمدون كليا على الرجل “غوغل”، أو ما شابهه من محركات البحث لاستراق مقتطفات من هنا وهناك، واستخدامها في المناسبات الثقافية والبحوث المدرسية أو الجامعية، فتفشت السرقات الأدبية والقرصنة بشكل صاروخي خلق ضجة عارمة في أوساط الضحايا ممن يبذلون جهودا جبارة في سبيل التقدم العلمي والمعرفي وإنتاج الفكرة بعد مراحل قاسية ومخاض عسير من المد والجزر، تتحول فيها حياته إلى معاناة في سبيل الفكرة والإنتاج الفكري، فزمن الكتاب أفرز لنا بالفعل مبدعين حقيقيين ومثقفين بامتياز صنعوا مجد التاريخ والأمم ونقشوا بصماتهم بمداد الفخر والاعتزاز، بعد جهد وكد ومثابرة جابهوا فيها كل أشكال الصعاب بمذاقها المر والحلو في الآن ذاته، فتجرعوا المعرفة بتأن وهضموها بطريقة صحية وتفاعلية وروح من النقد وتصفية للمعلومة وتحليلها وتعدد قراءاتها، متميزين بصفاء الذهن ونقاء الأفكار، فكانت المكتبات العمومية مجالا ومكانا مقدسا ومنهلا لا ينضب للمعرفة، تعطي ملكة الإبداع والابتكار والسجال الفكري النشط، فكان الجيل جيلا صانعا للمناقشات ومتعلما ذاتيا بدل من أن يكون مستقبل معلومات، فالإحساس الجميل هو الشعور بقيمة أي بحث نكتبه بعد بذل جهد كبير في البحث عن المعلومة في مصادر متعددة كانت تتطلب زيارة متكررة لمكتبات سواء داخل الحرم الجامعي أو خارجه.

كيف عوض الانترنيت المكتبات العمومية في بحوث التلاميذ والطلبة
كيف عوض الانترنيت المكتبات العمومية في بحوث التلاميذ والطلبة
كيف عوض الانترنيت المكتبات العمومية في بحوث التلاميذ والطلبة
كيف عوض الانترنيت المكتبات العمومية في بحوث التلاميذ والطلبة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz