كيف تكون الدعوة إلى الله عز وجل ؟

10675 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 16 أبريل 2012، لم يترك الله عز وجل أمر الدعوة إليه عرضة لأهواء البشر، بل ضبطها بشرط البصيرة في قوله تعالى : (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين )). والبصيرة من مشتقات فعل بصر يبصر بصرا وبصارة ، ويكون بمعنى رأى ، وبمعنى علم . والبصر يطلق على حاسة الإبصار، وعلى الإدراك المرئي المحسوس ، بينما تطلق البصيرة على العقل والفطنة ، وعلى الإدراك المجرد المعنوي . والدعوة إلى الله عز وجل هي توجيه الخلق إلى حقيقة خالقهم وإلى الغاية التي من أجلها خلقوا . ومعرفة الخالق سبحانه إنما تكون بالبصيرة أي بالعقل ، والعقل إنما يتغذى بالعلم والمعرفة .

ومن المغالطات الشائعة بين كثير من الناس فصل الدين عن البصيرة ، إذ لا يكاد المرء يدخل مع بعضهم في حوار أو ناقش يتعلق بالدين حتى يبادرون بقولهم : ” لنترك الدين جانبا ونتحاور بالعقل ” الشيء الذي يعني أن الدين عندهم ليس مجاله العقل ، وهو ما ينقضه قول الله عز وجل : (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة )) . وهذا يعني أن البصيرة ، وهي العقل هي الوسيلة التي توصل الخلق إلى معرفة الخالق سبحانه .

والسبيل التي ورد ذكرها في قول الله عز وجل هي سبيل الحقيقة العلمية ذات البراهين والحجج الدامغة ، لأنها تعتمد البصيرة . والله تعالى يصف هذه السبيل بقوله جل من قائل : (( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )) .، فهذا الوصف يوضحه الحديث الذي رواه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ، ثم قال : ” هذا سبيل الله مستقيما ” ، وخط عن يمينه وشماله ، ثم قال : ” هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ” ، ثم قرأ : (( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله )). فمن خلال وصف ابن مسعود رضي الله عنه نلاحظ أن ما خطه رسول الله صلى الله عليه وسلم للإشارة إلى سبيل الله عز وجل يدل على الاستقامة ، وما خطه للإشارة إلى السبل المتفرقة عن سبيله يدل على الانحراف والاعوجاج .

والاستقامة في سبيل الله عز وجل دليل على الحقيقة العلمية المبرهن عليها ، والتي تؤكدها البصيرة . والاعوجاج في السبل المتفرقة عن سبيل الله عز وجل دليل على غياب الحقيقة العلمية المبرهن عليها ، والتي لا سند لها سوى الأهواء التي لا يحكمها منطق كمنطق البصيرة . والاستقامة في سبيل الله عز وجل تدل على وسطية البصيرة بين تطرف الأهواء يمينا وشمالا . ولهذا وصف الله عز وجل أمة الإسلام بأنها أمة وسطا في قوله جل من قائل : (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )) فصفة الوسطية في أمة الإسلام تدل على الاستقامة ، وهذه الأخيرة لا تتأتى إلا بالبصيرة التي قومها العلم والمعرفة والحجة الدامغة والبرهان المفحم . فإذا ما كانت السبل المتفرقة تعتمد الأهواء غير المبررة ،لأنها سبل شيطانية فيها إغواء يركب الأهواء ،وليس فيها إقناع ، لأن الأهواء لا تحتاج إلى هذا الإقناع ، فإن سبيل الله عز وجل يعتمد الإقناع بالحجة والبرهان ،لهذا يخاطب البصائر، ولا يخاطب الأهواء .

وشهادة المسلمين وهم على الصراط المستقيم على الناس هي بمثابة المحاليل التي تضبط بها المواد لمعرفة صحتها وزيفها في المختبرات . فعندما تعرض السبل المتفرقة على سبيل الله عز وجل فإن هذا الأخير يكشف أو يثبت باطلها . ووسيلة الرصد في سبيل الله عز وجل هي البصيرة المسلحة بالعلم والمعرفة والحجة والبرهان . ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر بالدعوة في مجتمع الشرك والكفر بمكة واجه بالسبيل المستقيم السبل المتفرقة ، وكانت وسيلته في المواجهة البصيرة مقابل الأهواء .

وأصحاب الأهواء متعلقون بما يهوون دون تبرير تعلقهم به لأن الأهواء تصم وتعمي . وكل ما يملكون من مبررات أنهم عندما يكشف زيف سبلهم المنحرفة عن السبيل المستقيم ، كما كان حالهم مع عبادة الأوثان على سبيل المثال يعمدون إلى قولهم : (( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون )) ، ولم تكن أمة آبائهم أي طريقتهم في العبادة سوى استجابة للأهواء التي لا مبرر لها ، وإلى قولهم : ((وجدنا آباءنا كذلك يفعلون )) علما بأن فعل الآباء إنما كان يصدر عن أهوائهم ، ولا يمكن لهذه الأهواء أن تصير مع تراخي الزمن تبريرا أو حجة مقنعة تسد مسد البصائر.

ومن المعلوم أن أهل الأهواء وسيلتهم الانطباعات والمشاعر المفضية إلى الظنون التي لا تفيد اليقين ، وهو ما عبر عنه الوحي في قوله تعالى : (( وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين )) ، في حين أن أهل البصائر وسيلتهم العلم والمعرفة والحجج المقنعة ، والبراهين الدامغة ، وكل ذلك يفضي إلى اليقين الذي لا يرقى إليه شك أو ريب .

وبعض الناس يخادعون أنفسهم ، ويخادعون غيرهم بالزعم أنه بإمكانهم الوصول إلى سبيل الله عز وجل المستقيم عبر السبل المتفرقة عنه يمينا وشمالا كما صورها رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم . والحقيقة أن السبيل المستقيم يناقض السبل المنحرفة عنه ، تماما كما أن البصائر تناقض الأهواء. ولا يمكن الجمع بينها الشيء الذي يدل على تهافت فكرة أصحاب التلفيق بين السبيل المستقيم ، والسبل المنحرفة .

وأصحاب هذه الفكرة المتهافتة لو أنهم طرحوا جانبا أهواءهم التي يعتبرون ما تمليه عليهم في حكم المسلمات خلال لحظة صدق مع ذواتهم ، وأفسحوا المجال لبصائرهم لوصلوا إلى حقيقة مفادها أن مسلمات أهوائهم محض أوهام لا تستند إلى حجج مقنعة يدعمها العلم والمعرفة . ومعضلة المسلمين في هذا الزمان أن بعض المحسوبين على الدعوة لا يلتزمون بشرطها وهو اعتماد البصيرة كما أمر الله عز وجل ، الشيء الذي يوقعهم في الميل مع الأهواء والعواطف ، ويحاولون أن يجعلوا الدين أو السبيل المستقيم على غرار السبل المنحرفة باعتماد الأهواء والعواطف وسيلة في الدعوة . وقد لا يختلف بعض الدعاة المحسوبين على الإسلام عن الدعاة إلى السبل الشيطانية من حيث الاندفاع وراء الأهواء والعواطف . فمن هؤلاء من يداهن العوام والسوقة في أهوائهم ، فيعزف على أوتار عواطفهم الجياشة، زاعما أنه يقرب منهم الدعوة إلى الله عز وجل بهذا الأسلوب الفج عوض أن يدلهم على استبدال الأهواء بالبصائر . وقد يشغلهم بتتبع عيوب غيرهم بدعوى إنكار المنكر دون أن يجرأ على إنكار منكرهم .

والناس بطبيعتهم يرون منكر غيرهم ، ولا يرون منكرهم كما أن الجمل يرى سنام غيره ولا يرى سنامه . ومن المنتسبين للدعوة من يرتزق بالنفخ في التوتر بين الرعاة والرعية ، إذ يسوق كل حديث يدغدغ العواطف والأهواء ، وفيه تكفير أو تفجير أو تسفيه للرعاة ، لأن ذلك يصادف هوى في نفوس الرعية دون أن يتناول الحديث الذي يهدي إلى الرعية عيوبها ، ويسدى لها النصح ، وكل همه أن يصنع مجده الدعوي البخس عن طريق هذا الأسلوب الفج في الارتزاق المكشوف بسوء العلاقة بين الرعاة والرعية. ومن المحسوبين على الدعوة إلى الله عز وجل أيضا من يزعم أنه ينحو نحو التيسير فيزين للناس بعض السبل المتفرقة عن سبيل الله المستقيم بحث ينزل المشتبه بالحرام والممنوع منزلة ما أحل الله عز وجل ، والذي حكمه في شرع الله عز وجل حكم الممنوع ،ويكون دافعه أيضا هو الارتزاق بالدعوة عن طريق تلبيس البصائر بالأهواء . ومن المحسوبين على الدعوة أيضا من يبني مجده التافه بين عشاق التشدد عكس أصحاب التيسير المزعوم ، فينحو نحو التعسير والتشدد على نحو يوقعه في سبل متفرقة عن السبيل المستقيم .

وهذه النماذج تنبأ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : ” ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة ، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين : ثنتان وسبعون في النار ، وواحدة في الجنة وهي الجماعة ، وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه أو بصاحبه لا يبقي منه عرق ولا مفصل إلا دخله ” . فالعدد في هذا الحديث للتكثير لا للتحديد ، وفيه إشارة إلى السبل المتفرقة عن سبيل الله عز وجل بسبب مجاراة الأهواء . فكل من جارى الأهواء من الدعاة ، ولم يدع إلى الله عز وجل على بصيرة دخل في خانة الأقوام الذين ورد ذكرهم في هذا الحديث الشريف ، والذين تجارى بهم الأهواء . ولا يمكن للدعاة أن يزعموا أنهم يدعون إلى الله عز وجل على بصيرة ، وهم يعطلون بصائر الناس ، ويؤججون أهواءهم وعواطفهم الهوجاء طلبا للمجد الدعوي الزائف والمتهافت . وأخيرا نعوذ بالله من الدعوة إليه بلا إخلاص وبلا بصيرة 

كيف تكون الدعوة إلى الله عز وجل ؟
كيف تكون الدعوة إلى الله عز وجل ؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz