كيف تشاغب الدولة بالأمازيغية؟/ رمضان مصباح الإدريسي

864870 مشاهدة

رمضان مصباح الادريسي/ وجدة البوابة:  كيف تشاغب الدولة بالأمازيغية؟/ رمضان مصباح الإدريسي

الشغب الرقمي:

تكتسي تعليقات القراء أهمية بالغة بالنسبة للكاتب،أي كاتب؛فمن خلالها – وخصوصا ما كان منها مؤسسا وبناء- يقيس الكاتب مستويات التلقي،ويعيد قراءة أفكاره ،من خلال حكم الآخر عليها،لأن من كتب ليس كمن قرأ.تختلف زوايا النظر ،لينتهي الموضوع ،وقد تشكل بصيغة أخرى في ذهن الكاتب،صيغة أكثر ثراء لأنها حازت إلى جانب مستنداتها الأولى ورؤاها حواشي المعلقين.ومما يزيد من أهمية هذه الحواشي كونها بأسماء وهمية أي بِحُجُب ،مما يجعلها تمضي على سجيتها ،دون حرج.   

في ما يخصني ،ورغم الحملة الكبيرة  التي أتعرض لها كلما اشتغلت،كتابة ، على شأن أمازيغي ؛ ولو مجرد أسد أطلسي حز في نفسي ألا   أجده يزأر بالأمازيغية في حديقة الحيوان،وألا أجد له حضور في الشعر الأمازيغي–أو حتى ديك ودجاجة- فاني لم أفلح في مقاومة الإدمان على قراءة التعاليق؛بما فيها الخارجة عن الموضوع .

وأحيانا قبل قراءة مقالات غيري أبدأ بتعليقات القراء عليها؛وكم أتعجب حينما أجد بعضها خارج التغطية،هي في جزيرة والمقال في جزيرة أخرى.ولعلكم لا حظتم ،كما لاحظ من اتصل بي متعجبا،أن حلقتي الثانية،هذه ،من الموضوع،تم التعليق عليها قبل كتابتها.

  في لقاء جمعني أخيرا مع صديقي الباحث و الشاعر الأمازيغي- بل سفير الشعر الأمازيغي- علي خداوي، ناوشنا الأمر سريعا وتجاوزناه بسرعة أكثر لعدم أهميته؛خصوصا وهو يعرف  حقيقة  غيرتي القديمة على الأمازيغية  -كأمازيغي وليس كأمازيغاتي محترف – وجهري برأيي  في ظروف أخرى  غير ما نعيشه اليوم ،حيث انفتحت كل  الأبواب في وجوه أسود القضية ،كما في وجوه ثعالبها وذئابها. افترقنا سريعا لأنه كان على موعد الصعود إلى منافي القمم الأطلسية ،ضمن  قافلة جمعوية ،تنشط في دعم أمازيغ الثلوج المحاصرين ؛وقد تأسف لكونه لم يطلعني على الأمر لأكون من المساهمين.

  يا لشدة الفرق بين أمازيغ الشغب الرقمي ،وأمازيغ الضرب في الشعاب لقتل رجل آخر أمازيغي اسمه الفقر،وليس العربي فقط الذي هدد عمرُ بن الخطاب بقتله .

الأمازيغية الدولتية هبة محمد السادس:

وهذا ما لم ينشط له حتى يوسف بن تاشفين ،وكل الملوك المغاربة الأمازيغ ،في عز دولهم وغلبتهم؛وهذا جانب من  كرونولوجيا المسيرة الملكية اللغوية  – المعلنة –  ل”دَوْلتَةِ” الأمازيغية.

في خطاب العرش ،بتاريخ 30 يوليوز2001،بشر جلالة الملك بقرب إحداث مؤسسة ملكية يوكل اليها اختصاص الشأن المغربي الأمازيغي،  اللغوي والثقافي.  رغم أن المرحوم الحسن الثاني كان قد   قرر ،في خطاب 20 غشت 1994، الشروع في تدريس الأمازيغية ،إلا أن الحسم،دولتيا واجرائيا، لم يتم ؛  ربما لشغب ما ،في زوايا ظليلة.

ان  الارتقاء بهذا الشأن الثقافي  الحيوي بالنسبة للمغرب،إلى مستوى العرشنة مؤشر على أن الملكية الجديدة – و في سنتها الثانية- ستأتي في الأمر بما لم تستطعه الأوائل.

في أجدير خنيفرة ،وبتاريخ 17 أكتوبر2001 ،اجتمع للأمر رجاله،من كل المشارب السياسية والثقافية،وليس الأمازيغية فقط،وعلى رأسهم عاهل البلاد . شكل الخطاب خارطة طريق واضحة جدا  تُبَلغ حتى الأعمى مقصده .خارطة تحيط حتى بالحفر، حتى لا يكبو لا الفرس الأمازيغي،ولا الناقة العربية؛وكلاهما من البراري المغربية :

*التعبير الملكي عن إقرار الجميع”بكل مقومات تاريخنا الجماعي،وهويتنا الثقافية الوطنية التي تشكلت من روافد متعددة.”

* “التأكيد على أن الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق الشعب المغربي،هي ملك لكل المغاربة بدون استثناء”

*والتأكيد “على أنه لا يمكن اتخاذ الأمازيغية مطية لخدمة أغراض سياسية ،كيفما كانت طبيعتها”

*ايلاء النهوض  بالأمازيغية  “عناية خاصة في انجاز مشروعنا المجتمعي ،الديمقراطي الحداثي،القائم على تأكيد الاعتبار للشخصية الوطنية ورموزها اللغوية والثقافية والحضارية”

*ويختم  بهذه الفقرة الاستشرافية العميقة الدلالة:

“إن العمل الذي نقدم عليه، اليوم، لا يرمي فقط إلى استقراء تاريخنا؛ إنه بالأحرى تجسيد لقوة إيماننا بالمستقبل، مستقبل مغرب التضامن والتلاحم، مغرب الإرادة والجد، مغرب الفضيلة والطمأنينة والرصانة، مغرب الجميع، القوي بوحدته الوطنية، التي لا يزيدها المضي قدما في سياسة الجهوية إلا رسوخا؛ مغرب يجعل كل جهة من جهاته مجالاً خصباً، يتيح لكل طاقاتها التفتح والنمو والازدهار، في إطار ممارسة ديمقراطية مواطنة.”

ستظل هذه الفقرة تجيب –بكيفية قبلية- على الكثير من الكتابات “الأمازيغاتية” التي تلتها ،والتي تنهل من معجم التعصب المقيت والكراهية الفاشستية؛ ولا توفر حتى أعراض المغاربة ،وهي تنعتهم بالمتحولين جنسيا ؛حينما ينتسبون للعروبة أيضا،في تلاعب دلالي مقيت، بلغة تعني ما تدعي أنها لا تعنيه.

لا يلتفت أغلب المحللين ،وخصوصا الذين يفردون أنفسهم –فقط- بحق الحديث عن الأمازيغية ،إلى  السر في كثرة تردد التحذيرات والتأكيدات الملكية المذكورة ،في خطاب أجدير وغيره،مما في موضوعه.

يقوم هذا دليلا على أن جلالة الملك كان يعي صعوبة التحرك الدولتي في حقل لغوي ،يتربص به الكثيرون ،وصولا حتى إلى زرع ألغام سياسية مضادة للنوايا الحسنة ،ولو امتطت دبابات. ويقوم دليلا على أن ممانعة المرحوم الحسن الثاني ،بخصوص الشأن الأمازيغي ،كان لها ما يبررها. لم يكن متعصبا للعروبة ،وإنما لوحدة المغاربة ،خصوصا ومغامرة الظهير البربري ماثلة في الأذهان.

اليوم ،وبعد قرابة الخمسة عشر عاما على خطاب أجدير ،جرت مياه كثيرة تحت الجسر ؛ولو كان هذا الخطاب للإعادة لوجد الكثير من المشاغبين المتهورين أنفسهم ضمن فقراته.وربما سيتم فيه التراجع حتى  عن تشكيلة “الايركام”،لأنها باشرت – خارج منطوق ومفهوم النصوص الملكية – أمرا لغويا وثقافيا ،ملكا لكل المغاربة،بعقلية طائفية قبلية .

عقلية أقصت كلية  العديد من الأمازيغيات.أقصت ،مثلا،الكتلة الأمازيغية الزناتية التي تتشكل من أمازيغ الجهة الشرقية ،غير الريف:  آث يزناسن،آث زكري،أث يعلا،آثعمر،آث بوزكو.. إضافة إلى قصور فكيك ؛بل وأقصت عشرات اللهجات الأمازيغية الأخرى واستبدلتها بلغة مخبرية تفرض اللسان السوسي على جميع المغاربة.

وبدل التوجه ب “الاركامية” المُمَدرسة، على علاتها، إلى التلاميذ غير الناطقين بأية لهجة من اللهجات الأمازيغية ،وجد التلاميذ الأمازيغ أنفسهم أمام  أغرب اشتغال ديداكتيكي لغوي: قل ولاتقل. انس أمازيغية أمك وجدتك فقد انتهت صلاحيتها ..هل يوجد شغب تعليمي دولتي أكثر من هذا؟

من أين هذا الشغب ؟ أكيد أن النصوص الملكية  المذكورة،وأضيف إليها حتى كلمة جلالته ،في تنصيب رجال الايركام،واضحة الدلالة كما ذكرت.

ورغم وجود أبجديتين (العربية واللاتينية)كلف تعلمهما الدولة أموالا طائلة وعشرات السنين،وتوثقان الارتباط بالمحيط العربي والأوربي،ولم يقل احد – إلا كارها مغرضا- بعدم أهليتهما لحمل الأمازيغيات الوطنية ؛يتم اعتماد حرف خام، لم يخضع لسنن التطور الأبجدي .اختيار اللحظة الأخيرة  ،وقد فرضته  ضغوط سياسية لا علاقة لها بالبحث اللغوي المتخصص ولا بدراسة الجدوى. شغب اقتصادي وأبجدي ،تقوم به بعض أجنحة الدولة ؛فمن أين تهب الرياح؟ ومن يزرع الألغام؟

وتفاديا للسفاسف ، على غرار بعض أحاجي الطبري، لن أتوقف عند الفرعون الذي حَفَّظ عرش مصر للمغاربة – ضمن تامزغا الكبرى- وجعل الدولة تحتفل باحتلال مصر من طرف الأمازيغ ؛مما يفسر –ربما- “زعل” أهل الكنانة.

نعم للسنة الأمازيغية الفلاحية التي طالما احتفلت جداتنا بعناصرها كاملة ،وليس برأسها فقط ؛ولا لاحتلال مصر المزعوم.

لا أذكر أن هرم ” ششنق” كان ضمن أوشام الجدة،على تنوعها وغرابتها  .  هل تشاغب الدولة حتى في يومية احتفالاتها؟لَأَن ننسى تاريخا حقيقيا أفضل من أن نصطنع تاريخا مزيفا.

الدسترة حمالة أوجه:

لعل لجنة الدستور استحضرت ،وهي تبني فصله الخامس المتعلق باللغات والثقافات ،على الأقل تراكمات السنوات العشر التي مرت على خطاب أجدير. بمعنى ما، دقت ساعة الحقيقة –دستوريا- لتثبيت السياسة اللغوية للبلاد،استنادا إلى مخرجات خطاب أجدير ،وكيفية تنزيلها لخارطة الطريق الملكية. لو استحضرت اللجنة ،فقط،الخطاب الملكي لجاء الفصل الخامس  مختلفا عما هو عليه الآن،ربما كان سيبدو أكثر اطمنانا وثقة . نقرأ الفصل فنشعر بحذر اللجنة وقلقها ،وحرصها على العقد أكثر من الحل. لا شك أن وراء كل هذا شغب ،بل تهور غلاة النشطاء الأمازيغ ،وهم يرفعون سقف المطالب عاليا ،أكثر مما تحتمله التوازنات السياسية التي تحرص عليها الدولة.

لنتوقف عند بعض عناصر القلق الدستوري في الفصل:

*”تظل اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة”:فعل “تظل” يحيل على الوضعية الدستورية التي ستعطى – تاليا – للأمازيغية.فدفعا لكل التباس،وصدا لكل مطلب لاحق ،يتم التأكيد على استمرار وضعية الصدارة للعربية،حتى والأمازيغية تدخل مربع الترسيم.

* ولطمأنة المواطنين الناطقين بالعربية فقط، بأن ترسيم الأمازيغية لن ينتقص من مكانة العربية يتم التنصيص على التزام الدولة “بحماية العربية وتطويرها وتنمية استعمالها”. وفي هذا أيضا  اعتراف بالتقصير الدولتي في إحلال العربية المكانة التي توالى التنصيص عليها في الدساتير السابقة.

*”تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة”: هذه الصياغة المحبوكة جدا ،زيادة في تثبيت وضع اللغة العربية،حتى والمقام للأمازيغة.(أيضا) هنا تستعيد،وتذكر ب:  صدارة اللغة العربية.

*شرط القانون التنظيمي: بعد لأي ،وتحصين  محكم للدسترة ، لا يبدو أن المشرع اطمأن وعزم على إرخاء الحبل لتشتغل الأمازيغية دستوريا. يلعب القانون التنظيمي هنا دور الفرملة الكابحة التي يمكن أن تستمر ما شاءت الدولة.الدولة على غير عجلة  من أمرها.

* الوظيفة الرسمية للأمازيغية لن تتأتى إلا في المستقبل غير المحدد ؛وهي مشروطة بنجاح إدماجها في مجالات التعليم .

بمعنى تحق المخرجات المؤهلة لتفعيل الترسيم .

*ورغم كل هذا لا يبدو أن المشرع اطمأن كلية ؛فهاهو يشتت جهد الدولة بتوجيهه ،أيضا، صوب الحسا نية باعتبارها “جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية”. لا اعتراض على الحسا نية في حد ذاتها ،فهي لغة صحرائنا .

*حماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب:  ضربة دستورية موجعة يوجهها المشرع للمنحى “الطائفي” الذي سار فيه المعهد الملكي ،وهو يولد الايركامية.  والسكوت الدستوري عن هذه اللغة المخبرية  لا يعني القبول  أبدا؛وإلا ما ألزم بصيانة اللهجات.

 وعليه فان  دسترة الأمازيغية يجب أن يعطى لها المدلول الواسع الذي قصده المشرع،وليس ما يفهمه الايركاميون .لقد دُسترت كل اللهجات الأمازيغية في الوقت الذي سكت المشرع كلية،وهو محق، عن الايركامية.

ومن هنا أعتقد أنه يجب إعادة النظر في كل شيء :من الحرف الذي تم السكوت عنه إلى السياسة التعليمية التي يجب أن تتجه صوب الجهات ،لأن المركز لا أمازيغية له.   أرى السيد بلمختار ،وزير التربية الوطنية على حق ،وهو لا ينساق إلى مخططات الايركام التعليمية.

رغم أن الأمازيغية ظلت لعشرات القرون كلغة الطيور ،لا تدون ،اختيارا من طرف أصحابها وليس إكراها،فلا أحد يستكثر عليها الاستفادة من المناهج التعليمية الحديثة ؛شريطة ألا يقصي بعضها بعضا ؛وألا تتحول إلى كابوس يثقل على المغاربة،ويهدد وحدتهم وأمنهم ؛خصوصا في محيط عربي  ملتهب طائفيا. 

إن الشغب ،من أي جهة كان، يَبذر الريبة والشك والتوجس؛يُخسر الأمازيغية في الأصدقاء ويُكسبها الأعداء  .

إن الأنهار تنحدر صوب البحر ،ولا تعود ثانية إلى منابعها.لقد أفضت روافدنا كلها إلى الوطن /البحر؛ولن تعود القهقرى أبدا.فكفى من الضرب في مجاهل الأصول والألسن.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz