كيف تحول شهر العبادة والتغذية الروحية نحو شهر”الترمضينة”والسلوكات المشينة؟ تقاليع التحديث وثقافة التقليد تهددان سمات” الرمضان المغربي”

31675 مشاهدة
الرباط – فاطمة بوبكري/ ينتظر المؤمن المسلم الشهر الفضيل بشوق كبير ولهفة منقطعة النظير ، فهو الفرصة الذهبية لتطهير النفس وتنقيتها من الرذائل والشوائب، وهو المناسبة كذلك لغسل الذنوب والتقرب إلى الله عز وجل بكل وسائل الطاعة والامتثال عن طريق التعبد والتهجد وكثرة الصلاة وتلاوة القرآن ، كيف لا والفرصة ثمينة وتأخذ من أعمارنا والنفس أمارة بالسوء ، ومن كان يبتغي الدار الآخرة فليستبق إلى الخيرات ومغفرة من الله.
مما لاشك فيه أن رمضان السنوات الخوالي ليس هو رمضان اليوم ،وإن كان المتغير الحقيقي هو الإنسان أما الزمان فهو ثابت لايتغير،هذا التغيير الذي يسير وفق متغيرات الأشخاص وطباعهم خلال الشهر الفضيل فهناك من يمتثل لآداب وقدسية الشهر ويقوم بشعائره على أكمل وجه ، وهناك من يمثل أبشع صورة للصائم والمسلمين كافة ،بإغفاله أو تغافله للمعنى الحقيقي لمغزى الصيام وحكمة مشروعيته، فمنذ الساعات الأولى من الصيام إلى آخر اليوم ترى بعض الوجوه عبوسة طلقت الابتسامة وسماحة الوجه، فتكثر النرفزة والانفعال و بمعنى أدق في مصطلحنا العامي نقول ـ الترمضينة ـ ، فتسود المناوشات،والخصام حول أتفه الأسباب متبوعا بسيل من عبارات السب والقذف التي يندى لها الجبين ولا تليق بقدسية الشهر الكريم،دون إغفال كثرة السرقات التي يرتفع معدلها بشكل ملفت خلال شهر رمضان،ناهيك عن السرعة الجنونية للسائقين التي تخلف عادة كوارث حقيقية وخسائر في الأرواح، والعتاد،فتصير النفوس نهمة مفتونة بمغريات الدنيا، فيضاعف الاستهلاك في كل شيء، لاسيما الأكل وان كانت متطلبات البدن لن تصل إلى ذاك الحجم ، ورغم ارتفاع أسعار بعض المواد فانه يقبل عليها بشكل خطير، دونما مراعاة لقدراته الشرائية .فبمجرد انتهاء الدقائق الأولى لآذان الإفطار،يهرول ذوو العادات السيئة إلى ممارساتهم ، وكأننا بهم ينتقمون من يوم لم يغنموا منه سوى من الجوع والعطش وكان بالنسبة إليهم حضرا لعدة ممارسات وطقوس اعتادوا عليها ، وما هذه هي حكمة الصيام التي شرع من اجلها، رغم أن الصوم جنة، أي صحة وراحة بيولوجية للجسم لا تعوض، هذا بطبيعة الحال لايمنعنا من القول والإقرار بوجود مظاهر حقيقية للشهر الكريم تسر الناضر وتفرح الخاطر،فالدين الإسلامي في بلادنا متجدر في قلوب أناسه، رغم كل الاكراهات والإغراءات، وغدا الرجوع إلى الدين وتحقيق التوازن الروحي ،الملجأ والملاذ لصراعاتهم ومشاكلهم النفسية ، وخصوماتهم مع ذواتهم،لان النفوس تطمئن بذكر الله والرجوع إليه، وما أحلى الرجوع إلى الله والتشبث بعروته الوثقى.بين السلوك التعبدي والسلوك الاجتماعي.يعتبر الباحث في علم الاجتماع الأستاذ رشيد الجرموني، أن شهر رمضان شعيرة تعبدية يمارسها المسلمون في العالم أجمعه ، بغرض القيام بأحد أركان الإسلام الخمسة ، والتي لا يكتمل إسلام الفرد إلا إذا قام بهذه الشعيرة بجانب الشعائر الأخرى .والمغرب باعتباره بلدا مسلما ، ويشكل المسلمون فيه السواد الأعظم ، فإن مكانة رمضان في قلوبهم تمثل قداسة خاصة ، يظهر ذلك في الإقبال على المساجد وعلى صلاة التراويح وعلى الاستماع للدروس والمواعظ التي تقام في بيوت الله أو في فضاء الجمعيات التي تهتم بالجوانب التربوية لهذا الشهر، هذا علاوة على الاستعدادات التي تصاحب هذا الشهر الفضيل سواء ما يرتبط بإعداد أكلات خاصة أو في تنظيف البيوت أو في اقتناء المستلزمات الغذائية الشيء الذي يخلق أجواء متميزة في الحياة الطبيعية للمغاربة .وقد ظل المغاربة يحافظون على هذه العادات والتقاليد جيلا عن جيل ، لكن السنوات الأخيرة حملت تحولات دالة في التعامل مع هذه الشعيرة ، حيث يمكن إبراز ذلك عبر مستويين : الأول تمثل في إقبال الشباب والنساء بصفة خاصة على المساجد وعلى الاجتهاد في صلاة التراويح وصلاة الفجر والصدقة والعمرة وقراءة القرآن حتى في الأماكن العامة (كالقطارات والحافلات ) . والملاحظ أن هذه الظواهر لم تكن في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، لكن بفعل عامل الصحوة الدينية العالمية ،وما صاحبها من ذيوع للثقافة الدينية عبر عدة وسائط ( الكتاب ، الشريط ، الأقراص المدمجة ، الانترنيت ،القنوات الفضائية ، الجمعيات الدينية ، الندوات والمحاضرات … ) كل ذلك أسهم بدون شك في الرفع من منسوب التعاطي مع شعيرة الصيام بما يتوافق مع فلسفته ومعانيه. لأن الواقع فيما مضى كان يشهد حضورا للشيوخ، وكان التعامل مع رمضان وغيره من الشعائر التعبدية يتم بنوع من “الجمود ” و “التقليد ” .تأثير” الدعاة الجدد”وفي هذا السياق لا بد أن نذكر الدور البارز الذي لعبه ما يسمى ب”الدعاة الجدد ” الذين ملئوا القنوات الفضائية ، خصوصا المشرقية ، بالكثير من الأدبيات والطقوس ونماذج للسلوك ، لا شك أنها لعبت دورا حاسما في رسم منظومة جديدة من القيم والمواقف والتمثلات التي تفاعل معها فئات الشباب والنساء بشكل منقطع النظير ، وحتى داخل الأوساط الغنية ، والتي لم تكن تستجيب للأشكال التقليدية للتاطير الديني للصحوة الدينية .بالمقابل ورغم هذا التحول الهام في تعاطي فئات من المغاربة مع شعيرة الصيام ، بما يحقق صوما” منضبطا ” ، فإن الصورة الأخرى أو المستوى الثاني حمل معه واقعا مزدوجا كيف ذلك ؟فمن جهة تم استصحاب التقاليد ا لرمضانية التي ورثت من الآباء والأجداد ، والتي تشكل ثقافة مجتمعية ، حيث رمضان شهر الكسل والنوم والسهر ولعب النرد والمسلسلات والأفلام ، والشجارات في الأماكن العامة ، كالأسواق ، حيث يكثر السباب والعراك لأتفه الأسباب ، ويصاحب ذلك تجوال وتردد في هذه الأسواق بهدف “قتل الوقت ” وهو ما يعبر عنه في التداول الشعبي “إن جيبوا المغرب ” . وبالمناسبة فهذه الظاهرة تكثر في الأحياء الشعبية والمدن العتيقة ،خصوصا في أحيائها الرئيسية التي كانت تسمى ” السويقة ” .ومن جهة أخرى ، وبحكم أننا نعيش عصر الثورة الاستهلاكية في كل شيء ، في الأكل واللباس والمشتريات والترفيه وما إلى ذلك ، فقد تأثر سلوك المغاربة كغيرهم بهذه الموجة العاتية ، والتي بدأت تأخذ أشكالا متطورة ومتقدمة ، ولإعطاء أمثلة عن ذلك ، يكفي أن نذكر أن مائدة الإفطار التي كانت تتوفر على محتويات معقولة من الوجبات في السابق ، تحولت بفعل هذه الموجة إلى مائدة مبالغ فيها ، حتى أن المرء لا يأكل من ذلك إلا النزر القليل ، ويضيع الباقي ، وهذه المسألة لا تخص فئة دون أخرى ( مع وجود اختلافات نوعية ) لكن القاسم المشترك هو “هيموجونيا ” الاستهلاك .بالإضافة إلى ما سبق ، نجد أن الإقبال على السهرات وعلى مقاهي الشيشة ، بدا يأخذ طابعا مميزا في رمضان ، إذ أن هناك تمثلا في العقل الجمعي لبعض الصائمين أن الصيام والطاعة تنتهي مع آذان المغرب ، وبالتالي وجب التعويض عن الحرمان الذي عانى منه طوال النهار ، وبالتالي يشتد التردد على هذه الأماكن .وحتى المقاهي تعرف هي الأخرى إقبالا غير عادي، الشيء الذي يعكس نظرة بعض الفئات للعبادات، وتحويلها من الطابع التعبدي إلى السلوك الاجتماعي والذي يفرغ مضمون الشعائر من فلسفتها وأهدافها.صيام من دون صيامويؤكد العالم الجليل السيد مصطفى بنحمزة، رئيس المجلس العلمي لوجدة، في هذا السياق أن أداء شعيرة الصيام تنبني على أساس التاطير الشرعي، وبناء على استخلاص حكمة الصيام وحينئذ، توتي هذه الشعيرة نتائجها وآثارها بالسلوك الفردي وتتجلى كذلك في السلوك الاجتماعي وقد لا يتم هذا وقد تصير هذه الشعيرة تقليدا،اجتماعيا لايراعي الحكمة ولا ينتبه إلى المغزى الذي يراد به حكمة الصيام وحينئذ يصير أو تتحول العبادة إلى عادة ، وتفقد كل آثارها ولا يبقى لها مفعولها وأصولها في المجتمع، إذن فالمطلوب هو أن،يستبق المجتمع رمضان بحملة من التوعية وتبصير لمغزى الصيام ومطالبه والواجب أن تنهض جميع الجهات بما فيها الإعلام لتحقيق هذه الغاية لان الناس في بعض المرات يكونون في حاجة ماسة إلى أن يعادوا إلى هذه المعاني ويبصروا بها، فوجب أن تتكاثف جميع الجهود ، لأنه في اعتقادي حينما يعي الناس حكمة الصيام والآثار المتوخاة منه لا شك أن شيئا كثيرا يتغير في حياة الإنسان ، فبعض الناس هم في الأساس يشكون بعض الانحراف السلوكي، وربما يبحثون عن السند الذي يجعلهم في نظر الناس معذورين حينما يقومون بأعمال لا يقومون بها في سائر الأيام مثل الصخب والخصومة وما إلى ذلك وهم في اعتقادهم يرجعون ذالك إلى بعض المواد التي يتعاطونها في سائر الأيام وكأن هذا في نظرهم هو سبب،وهناك من يريد أن يجعل عذره هو الامتناع عن التدخين مثلا وهذا كله وهم يجب أن يغالب بتبصير الناس وتوعيتهم وأظن أن رمضان حينما ننظر إليه، ننظر إليه من جانبه الايجابي الطاهر الكبير ، ونحن ننظر إلى تلك التصرفات ولكن، رمضان يقترن الآن في مجتمعاتنا بالعبادة باعتياد المساجد وبقراءة القرآن ورواج الكتاب الإسلامي ونحن نرى في الإسلام أشياء كثيرة ايجابية، من التضامن ومن التآزر ما لا نشهده في سائر الأيام ، فلذلك حينما ننظر إلى رمضان وركائزه الاجتماعية فيجب أن تكون نظرة شاملة أي تضم الصورة السلمية والصورة الايجابية لنستشرف في نهاية المطاف أن رمضان هو كله ظاهر وبادي وأن هذه السلوكات المنحرفة تستدعي إلى مزيد من الجهد، ولتضافر هذه الجهود من خلال كل القطاعات التي يجب أن تهتم برمضان ، مع الأسف الشديد حتى أن بعض وسائل الإعلام لا تعطي رمضان معناه الديني بل هي تجعله فرصة للفرجة وهذه الأخيرة ليست كل شيء بل من المفروض أن تقوم بتقوية الجانب الروحي فحينما توجد برامج إعلامية لاتبث لا من قريب ولا بعيد إلى خصوصية الشهر والى قدسية هذا الزمن ، لاشك أن هذه أيضا ستهيمن على الصيام، وحكمة الصيام، وفي النهاية أقول أن الجميع يجب أن يكون مسؤولا في جهة من الجهات ، في المسجد،والمدرسة وهيآت الإعلام والشارع والأسرة…، فحينما يتكرر الحديث في كل جهة من هذه الجهات، لاشك أن الظاهرة تخف، لن تغيب نهائيا ولكنها تخف ونحن الآن نلاحظ بان الأمر أصبح أحسن حالا من ذي قبل، ربما كنا نرى أن الأسواق هي عبارة عن خصومات وعن مشاجرات ولكن الآن أصبحت، بشكل نسبي.فالجانب الروحي هو نفسه أمر عام، وهو الجانب النفسي لمدى انسجام الإنسان مع مستوى الإسلام ، فأحيانا يكون المستوى متخلفا ومترديا والإنسان بعيد عن كل المعاني القيمة ومنغمس فقط في معاشه اليومي، فمعنى ذلك انه ليس متساويا ليس متوازنا مع العمق والمستوى العالمي للإسلام فلذلك فنحن يجب أن نرفع من مستوى الإنسان فبفهم الإنسان وإدراكه نخاطبه بعد ذلك ، فمن يقومون بهذه الأعمال الشائعة في رمضان وبحثنا عنهم وعن مستوياتهم نجد منهم أشخاص في الغالب لم يأخذوا بشرط من المعرفة ومن العلم وبالتالي فهم حتى حين يصومون لايصومون، إلا صياما تقليديا والصيام والحمد لله ابعد من هذا، ولذلك فطبيعة الإنسان يبقى دائما أمرا مطلوبا، وشهر رمضان لايتعلق بالصيام فقط بل هناك الإعلاء من مستوى الإنسان وتنمية مداركه، من اجل أن يفهم كل القضايا الإسلامية وحكمة الشرع من الصيام وكل العبادات التي جاءت في حياة الإنسان وفي سلوكه معاني قيمة فيبقى دائما العلاج هو ترقية الإنسان والإعلاء من المستوى المعرفي للإنسان .أما الناس الذين يمتثلون لطقوس شهر رمضان فقط وبانتهائه يعودون إلى ماكانوا عليه سابقا،فإنما يقومون بهذا السلوك في الحقيقة إنما يتجملون بهذه العبادة فقط ، ولم يحسوا بشهوة هذه العبادة ولم يدركوها ولم يتذوقوها لأنه من المستحيل أن يتذوق الإنسان لذة العبادة ثم يعزل عنها، لكن هؤلاء كانوا يلتزمون في شهر رمضان بذلك السلوك، لكنه لم يكن سلوكا أو شيئا عميقا في نفوسهم ولم يكن ذلك ذوقا لهذه العبادة فالكثير يلتزم بالعبادة وبالصلاة، ولكن الكثير لم يتعمقوا، لان الذين يعرفون قيمة ولذة الصلاة لايمكن، أن يتركوها ولذا ترى الكثير من الناس لايقلعون على هذا فيواظبون على الصلاة في رمضان وخارج رمضان والكثير من الناس يقلعون عن المعاصي ابتداء من رمضان ثم لا يعودون إليها، لكن الذين يتجملون بتلك الأفعال إنما يخسرون أنفسهم.
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.