كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة: محمد شركي

96153 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 12 يونيو 2014، “كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم”

هز أسرة التربية بالجهة الشرقية نبأ وفاة  الأخ العزيز السيد  محمد لمقدم الذي لبى نداء ربه ، واختار جواره وهو يقوم  بواجب ملاحظة  امتحان الباكلوريا بعيون  الشرق. وقد نعاه لي الأخ بوزيان  حيزون وهو في طريق  العودة من مدينة تاوريرت  في مهمة  المراقبة  الجهوية لامتحان  الباكلوريا  ، وأنا  في طريق  العودة  من مهمة  الملاحظة أيضا  من مدينة  جرادة . وهتفت للتو للسيد  محمد ديب  مدير الأكاديمية  للتأكد  من النبأ المفجع ، فأكد  لي النعي  ، واعتراني  شعور كثيرا ما يعتريني  خصوصا  عندما  يصلنا نعي  الإخوة  والأصدقاء الأعزاء . وذكر لي الأخ  حيزون  أنهما  تجاذبا  أطراف  الحديث  يوم  أمس ، و أن المرحوم طلب  منه  أن  ينقل إلي  سلام  الله  وألح على ذلك  ، وعقب  السيد بوزيان  بالقول : ” وكأنه  كان  يودعك  الوداع  الأخير”  ، وهي  العبارة  التي  هزت وجداني  هزة  عنيفة جعلتني  أستحضر  صورة  عن الحياة  الدنيا  تعودت استحضارها  كلما نعي إلي  أخ  أو  صديق عزيز ، صورة  حياة في شكل  سراب  بقيعة  يحسبها  الأحياء شيئا  ، وهي  في حقيقة أمرها لا شيء . في لحظات عابرة  ينتهي  عمر  الإنسان  بكل ما فيه  من آمال  طويلة  عريضة  كما  تنتهي  موجة  عند  شاطىء في لحظات . ويبدو  الناس  أشبه ما يكونون  بأمواج  متلاحقة  عند  شاطىء الحياة الفانية  .لقد انتهت اليوم أحلام  وآمال  الأخ العزيز  السيد محمد لمقدم  على الطريق  السيار  بين  حاضرة  الولي  الصالح  سيدي  ملوك  بعيون الشرق ، وحاضرة  زيري  بين عطية  آمال  رجل عرفته ، وهو  شاب  في مقتبل  العمر   بثانوية  الشريف  الإدريسي  للتعليم  الأصيل  ، وكان  يدرس  مادة  الاجتماعيات . وأنا الآن  أتذكره  وقد خلع  عليه وزرة  التدريس كعادته ، وشد  وسط جسمه  النحيل بحزامها الموحي بالحزم  ، وبسحنة  تعكس  الانضباط  والجدية  والصرامة في العمل . بدأت علاقة العمل  بيننا محتشمة  ومحدودة  ، وظلت تتطور لما بدأ كل واحد  منا  يلمس  في الآخر  ما يقتسمه  معه  من هموم  مهنة  التدريس . وكانت اللقطات  الحوارية  العابرة  بيننا  أثناء  فترات  الاستراحة فرصا  لاكتشاف قواسمنا  المشتركة ، وكان  أهم  قاسم  مشترك بيننا  هو  الغيرة  المفرطة بل  المتجاوزة لكل حد  على  قطاع  التربية . ولقد  كانت  غيرته  رحمه الله  على  مهمة  المكاره  بلا حدود ، وكان  يصاحب ويعادي من أجلها  . عرفته  عاشقا  للمعارضة  ، وهي  صفة لازمته  طيلة  عمره  ، وما أظنه  تخلى عنها في  آخر  لحظات عمره . وأكاد  أجزم أنه  عارض  طريقة  امتحان  الباكلوريا هذه السنة   ، وقد صدمنا  جميعا  بأخبار التسريبات  ، وأراهن على  أنه كان ينوي  الإدلاء  بدلوه  كما عودنا  بمقالاته  التي  تتركز  دائما حول  نقد قضايا  التربية  والتعليم . وفرقت الظروف بيننا  بعض الوقت ،فغادرت  ثانوية  التعليم  الأصيل  إلى  المركز  الوطني  لتكوين  المفتشين بالعاصمة  ، وعلمت  بعد  حين أنه اختار  مهمة التموين  أو التسيير  المادي  والمالي  بالمؤسسات  التربوية   حتى  انتهى به  المطاف  إلى ممارسة  التفتيش  بالمصالح  المادية  والمالية . ولما  التحق  بالتفتيش  جمعتنا الظروف  من جديد  في ميدان  المراقبة ، ولم  ننحرف  عن مبادئنا  إذ  ظلت  غيرتنا  على  قطاع  التربية  كما كانت  يوم كنا  نرابط  في الفصول  الدراسية بل ازدادت  لما  عرفنا عن  قرب  وعن خبرة  مجال  تدبير  منظومتنا  التربوية ومكامن اختلالها  بسبب سوء التدبير والتسيير . ولم يفتر  لنا حماس أبدا ونحن  نواجه  كل  ما من شأنه  أن  ينال  من  هذه  المنظومة  التي  أراهن  على  أن المرحوم  لفظ أنفساه  الأخيرة وقد  بقي في نفسه  شيء منها  بل أقول قد مات  وهو  مغبون  بسبب ما تعانيه من اختلالات . وازدادت صلتي به  لما  انتهى  أمر التفتيش  إلى  تأسيس  نقابة  علقت  عليها  آمال  عريضة  سرعان  ما  دفنت  لما  وري  الثرى  المرحوم  السيد  محمد راشد  تغمده  الله  بواسع  رحمته . وعشنا  أيام نضال خالص قبل  أن  تشوبه شوائب  الطمع الطاعون  الذي  نخر  جسم  النقابة حين آل  أمرها  إلى نابتة  أفسدت  أمرها  وشتت  شمل  أعضائها . وعرفته  خلال فترة  النضال الخالص  شديد  الحماس  عريض  الآمال ، كثير  الإيمان  بمبدإ  المعارضة . وعرفته في  المحطات  النضالية  المختلفة  يرتجل  الخطاب  الحماسي  الملهب للمشاعر ، وعرفته  متفننا  في  لغة  وخطاب  إحراج  المسؤولين  وكشف  النقاب عما  يقلقهم  دون  أن  يكون  حقودا  ولا حسودا  بل  كان بعض من لا يعرفه  يوشك  أن يظن  به  الظنون  حين  يراه خصما عنيدا  للمسؤولين  ، و صديقا  حميما لهم  في نفس الوقت ، وكان  يجيد  الجمع  بين الأمرين  بل كان  يجيد شد شعرة معاوية . وعرفته كثير الطموح  يرغب في  ركوب  كل ما  يمكنه  من  تقديم  خدمة للمنظومة التربوية . وكنت  أشعر أحيانا  بأنه يخجل  بل  يخاف  أن  تظن  به الظنون بسبب ذلك ، وهو   يفكر في  مزاولة  بعض المهام المؤثرة في مصير المنظومة التربوية لا رغبة  فيها  بل  غيرة  على  هذه المنظومة  خصوصا  عندما يوكل  أمرها  إلى  من لا  يصونها وما  أكثر من لم يصنها  في جهتنا  الشرقية . وجمعتنا  شدة  وحدة  الخصومة  مع إدارة  الأكاديمية  في فترة  من الفترات  حين كانت  هذه الإدارة  تريد  النيل  من هيبة  جهاز  المراقبة ،  وكان  شديد  الخصومة  لها . و أغرته  مقالاتي  النارية  يومئذ  ليخوض  تجربة  الكتابة  على   موقع  وجدة سيتي ، وقد  بدأ  الكتابة  محتشما  ثم  انطلق  قلمه  بعد  ذلك  سيالا . وعرفته  حين أنقض  ظهره  الشرخ  الذي  أصاب  صف المفتشين  بسبب سيادة الأنانية بين بعض العناصر  التي  أرادت  أن تجعل  منها  ريعا  ومركبا ذلولا من أجل المصلحة الخاصة قاتلها الله  .وكان يحاول أن  يقنعني رحمه  الله  بالعودة إلى  خراب  نقابة كانت من قبل   قصرا  مشيدا  في فترة  عزها ، وكان  يحلم  بعودة   أيام  العز التي ولت  بلا رجعة . وجرب  لعب دور الوسيط الملطف لأجواء  النقابة  المكفهرة ، معرضا  نفسه لأسوإ الظنون لأن  فتق  النقابة كان أوسع من أن يرتق  ، ولم تجد معه  وساطة. وعرفته في لحظات الغضب  العارم  حين  يعتريني يبذل  قصارى جهده ليثنيني  عن مواقفي ،  وكان  اليأس لا ينال منه  وهو  يطمع  في أن  أستجيب  لمساعيه  الحميدة  في عدة  قضايا. وعرفته  اجتماعيا  لا يجد راحته  إلا  في الانتماء للجماعة . وعرفته  أول  المبادرين  لفعل  الخير  ، وخدمة  المستضعفين . وعرفته  أريحيا  يرتاح  لاستضافة  الإخوان  و الأصدقاء ، ويبذل  ولا يبخل ، ويسبق  من يريد  أ ن يسابقه  في ميدان البذل والعطاء . وعرفته لا يتأخر  إذا  نادى  المستنجد  أو  استغاث  المستغيث . وعرفته  حاد  الطبع عندما  تشتد غيرته  ، كما عرفته  لينا سمحا بشوشا  في مجال المساعي  الحميدة . وعرفته  مشاغبا ومستفزا في بعض  مقالاته  التي  كانت  تجر عليه  غضب  المعلقين ، وعرفته  محببا  للقراء ما لا  يستطيبون. وقد  يظن  به  البعض أنه  عدو فئة  من فئات  الحقل التربوي  في  بعض  ما يكتب  لكنه  سرعان  ما  يكذب  ظنهم  فيكتب  ما يشبه  المدح  والتقريض  بعد  النقد والتجريح . وعرفته  متوددا  للناشئة  يدافع عنها  حين  تصيب  وحين تخطىء ، بل   يتعب نفسه  في  التماس الأعذار  والتبريرات لها . وعرفته  عاشقا  للطليعة حيثما كانت ،  ولا يقبل عنها  بديلا  خصوصا  عندما  تكون  طليعة  المكرمات . وكان  يعشق  الكلام  ويستطيبه  عندما  يتعلق  الأمر بالدفاع عن الصالح  العام ، وكان  يعتبر  ذلك  شرفا لا يضاهى. ولا يفوته  وهو يحاور  أن   يعترف  للمصيب   بالإصابة  ، ولا  يتردد  في  التعبير عن رفض ما لا  يتفق معه  دون  أن  يجعل  من الخلاف   أو الاختلاف عداوة  وبغضاء. وشق عليه  يوم غادرت منبر  وجدة سيتي  فبذل  جهدا جهيدا ليثنيني  عن تركه  بعدما   صرت  بابا  من أبوابه  كما  قال يوما الأستاذ رمضان مصباح الإدريسي . وعرف عنه  الكثير  ولكنني  لم أعرف  أنه  سيغادرنا  بهذه  الطريقة  الفجائية  ، وقد فعلها  كما فعلها  المرحوم محمد راشد  ليلة  العيد  ، فعلها  هو الآخرفي آخر يوم من أيام  الدورة العادية  لامتحان  البكالوريا . رحل  الأخ  العزيز علينا عبر طريق  الدنيا الزائلة  السيار  إلى  طريق  الآخرة  السيار نحو  الخلد ، فاللهم  أحسن استقباله بين صفوة خلقك في عالم خلدك  ، وأمنه  ، ويمنه ، وأكرم نزله  ومثواه ، ولا تبتليه  في قبره بما لا طاقة له  به  ، وزده إحسانا  إن كان  محسنا ، وتجاوز عنه ما كان منه  من  تقصير  إن كان  مقصرا ، اللهم  حاسبه  بعفوك  ، ولا  تحاسبه  بعدلك فإن  عفوك  يسبق  عدلك ، وأنت  أرحم  الراحمين  يا رب  العالمين . اللهم إنه كانت بيني  وبين أخي  السيد محمد لمقدم  مودة  ومحبة  ، وكان  بيننا خلاف سببه  الغيرة  على  جهاز  التفتيش  ،  فاللهم  اشهد أني قد سامحته وسامحه  يا رب  عن كل  خاطرة خطرت له  عني  ، وعن  كل ظن  ظنه بي ،  وسامحني  يا رب عن كل ما ساءه  مني  مما لم أعلمه . اللهم إني أشهد فيه  شهادة  خير  ولا أزكيه   عليك  وأنت  أعلم بخلقك من أنفسهم . اللهم ارحمه  رحمة واسعة  ، وارحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه . وليسامحني  أهله  وذويه  إن  خانني التعبير  وأنا  تحت  تأثير صدمة لم  أطق  تحملها . ولقد  خفف عني  شدة  الصدمة  الجنازة  المهيبة  التي خص بها ، وهو أهل لها ، وقد حضرها أهل  الفضل والصلاح  من الأحبة  الأعزاء . اللهم ألهم أهل  الفقيد  وجيرته  وأصدقاءه  جميل  الصبر  والسلوان  ، وأعظم  أجرهم  ، وأبدل محبتهم  احتسابا  عندك ، وإنا لفراق  أخينا  العزيز لمحزونون  ولكننا لا  نقول إلا ما يرضي  رب العالمين  إنا لله  وإنا إليه راجعون .

صور تذكيرية بلقاء لجنة مفتشي التعليم بتاريخ 15 أبريل 2013 بسيدي يحيى

كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة:  محمد شركي
كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة: محمد شركي

المرحوم محمد المقدم بجانب الأستاذ محمد شركي على اليمين

كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة:  محمد شركي
كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة: محمد شركي
كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة:  محمد شركي
كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة: محمد شركي

اترك تعليق

2 تعليقات على "كلمة تأبين في حق الأخ المرحوم السيد محمد المقدم / وجدة: محمد شركي"

نبّهني عن
avatar
صايم نورالدين
ضيف

البقاء لله وحده،ولا اله الا الله وحده لا شريك له،ولا حول ولا قوة الا بالله و ان لله وانا اليه راجعون.انها مناسبة حزينة ان يغادرنا المشمول برحمته تعالى الاخ و الصديق فجأة و بدون سابق انذار الى دار البقاء محمد المقدم.واننا نودع فيه الصديق و الاخ و الموظف النزيه و النظيف و المدافع عن الحق و المواطن المكلوم و المظلوم.واننا بهذه المناسبة ااتي نودع فيها اخا وهي مناسبة حزينةلا نستطيع ان نقول فيها شيئا سوى :انا لله وانا اليه راجعون،.تغمد الله الفقيد العزيز بواسع الرحمة و المغفرة،والهم ذويه الصبر.ولا حول ولا قوة الا بالله العظيم.

صايم نورالدين
ضيف

البقاء لله وحده و لا اله الا الله و لا حول ولا قوة الا بالله/و ان لله وانا الييه راجعونانها مناسبة حزينة ان يغدرنا المشمول برحمته الاخ محمد المقدم فجاة و بدون سابق انذار الى دارلا البقاء.واننا نودع فيه الصديق و الاخ و الموظف النزيه و المدافع عن الحق المواطن المكلوم و المظلوم.واني لا استطيع ان اقول شيئا سوى اننا لله و ان اليه راجعون /تغمد الله الفقيد بواسع الرحمةو الغفران،والهم ذويه الصبر ،ولا حول ولا قوة الا بالله .

‫wpDiscuz