قواعد اللعبة الديمقراطية في عالمنا العربي تختلف عن تلك الموجودة في بقية العالم خصوصا عندما يكون الرابح إسلاميا

11297 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 20 يونيو 2012، ما جرى  وما يجري اليوم من مهازل سياسية مكشوفة على يد  ما يسمى المجلس العسكري في مصر  يدعو إلى السخرية ، وفي نفس الوقت يسبب شديد الألم والأسى للمصريين وللعرب قاطبة . فبعد عقود طويلة من استبداد المؤسسة العسكرية في مصر ، وبعد حرمان الشعب المصري من حريته عن طريق أطول فترة أحكام طوارىء في العالم ، وحرمانه من لعبة تعرف بالديمقراطية في كل بلاد العالم  المتحضر ،اضطر ضباط الاستبداد في الجهاز العسكري المصري بعد سقوط النظام بفضل الثورة الشعبية المظفرة إلى قبول خوض اللعبة الديمقراطية تحت ضغط الشارع  وضغط المليونيات ، إلا أن هذا الجهاز دخل اللعبة بقواعد جديدة مخالفة للقواعد المتعارف عليها دوليا حيث وضع قواعد خاصة به مثيرة للسخرية والضحك .

فبعد استصدار قرار إعادة أحكام الطوارىء من خلال  إطلاق أيدي جنود الشرطة والمخابرات العسكرية  في رقاب العباد من جديد ،وبعد إلغاء نتائج الاستحقاقات البرلمانية مع تزكية ترشيح المشير المحسوب على الجهاز العسكري ، وبعد أن أكدت نتائج الدور الثاني للانتخابات الرئاسية  وصول رئيس مدني محسوب على الإسلاميين ، تفتقت عبقرية الجهاز العسكري عن قواعد لعب جديدة من أجل عزل الرئيس الفائز، والذي لا يناسب ذوق المؤسسة العسكرية التي ألفت الاستبداد المتراكم عبر عقود ، ولم تستسغ  لعبة الديمقراطية  الحقيقية التي لا يمكن أن تتعايش مع قواعد اللعبة الديكتاتورية  فاختارت ديمقراطية صورية على مقاسها .

وما يفعله العسكر في مصر اليوم عبارة عن نوع جديد من الانقلاب ، وهو انقلاب يختلف في لونه عن الانقلابات العسكرية المألوفة في العالم المتخلف سواء الدموية الحمراء أو ما يسمى البيضاء. فلون الانقلاب العسكري في مصر هو لون اللف والدوران من أجل طمس معالم الديمقراطية  ، وخلق ما يسمى الثورة المضادة لثورة الشعب  . ففي جميع ديمقراطيات العالم المتحضر  تخضع المؤسسة العسكرية لرئاسة الدولة بموجب الدستور إلا أن العسكر في مصر تلكأ كثيرا حتى لا يسمح للشعب بإقرار دستور يساير ثورته ، وقدم العربة على الحصان كما يقال من أجل أن يعرقل حركتها . وأمام أنظار العالم  وبدون خجل ، وبكل وقاحة لا زالت المؤسسة العسكرية في مصر تواصل تمثيل فصول مسرحيتها الهزلية التي ستظل موضوع سخرية كل شعوب العالم المتحضر .

ولا زال الفصل الأخير من هذه المسرحية الهزلية يطبخ وبشكل مكشوف إذ من المرجح أن ترجح كفة المشيرالخاسر في الانتخابات على كفة الرئيس المدني  الفائز بقدرة قادر، وهو ما يعني  اضطرار المؤسسة العسكرية إلى كشف قناعها عن انقلابها  الذي سينتقل لونه من لون اللف والدوران إلى اللون الأحمر الأليق بالانقلابات العسكرية في دول العالم الثالث المتخلفة . ومن المنتظر أن يزج بالرئيس المدني الفائز في الانتخابات في السجن  بدعوى انتمائه الإسلامي الإرهابي ، ومن المحتمل جدا أن يصدر قرار عسكري يحظر حزب العدالة والحرية والحزب السلفي بدعوى مخالفتهما لقواعد الأحزاب بسبب مرجعيتهما الإسلامية ،وهي تهمة لا توجد إلا في قاموس الأنظمة المستبدة في البلدان المتخلفة خلاف  غيرها بما في ذلك ما يسمى ديمقراطية الكيان الصهيوني  التي يمدحها الغرب  ،والتي تسمح   لأكثر الجماعات الدينية تطرفا بتكوين أحزاب  سياسية  ولا ترى غضاضة في ذلك والمشاركة في اللعبة الديمقراطية .

وكل شيء ممكن بالنسبة للعقلية العسكرية المتحجرة في مصر . ولقد كان الناس في العالم العربي  يظنون أن مهزلة  انقلاب جنرالات  فرنسا في الجزائر على الديمقراطية  لن تتكرر أبدا ، إلا أنها صارت  مع شديد الأسف مرجعية الجيش المصري  وكل الجيوش العربية ، وفي ظرف الربيع العربي  . فبقايا  الضباط الأشرار في مصر لن  يسمحوا بزوال سلطانهم المستبد  أبدا لأنهم أغنياء حرب يستفيدون من الريع الغربي مقابل ضمان سلام وأمن الكيان الصهيوني . والرئيس المدني الذي جاءت به الثورة الشعبية  وفي ظروف عبث المؤسسة اللعسكرية  بقواعد اللعبة الديمقراطية من شأنه أن يفضح استفادة  هذه المؤسسة من الريع الغربي ، لهذا لا بد أن  يمنع من الوصول إلى سد الحكم منعا كليا  حتى لا يكشف عن سوءة هذه المؤسسة التي أورثت الشعب المصري الذل والهوان والانبطاح كما أورثته لكل الشعوب العربية  ، وعرضت الجميع لسخرية العالم بما في ذلك سخرية الأعداء وعلى رأسهم العدو الصهيوني . والشيء الوحيد الذي أسقطته المؤسسة العسكرية من حسابها  هو أن الثورة الشعبية التي أطاحت برأس حيتها  لن تعوزها الجرأة ولا الشجاعة لتطيح بباقي رؤوس الضباط الأشرار .

فالمليونيات ، والاعتصامات ، والعصيان المدني هي أسلحة الشعب  الذي أراد الحياة ، فقال له القدر لبيك . ولن يكون في بلاد الكنانة سوى السهام المسددة بالله عز وجل  الذي من من  قبل على الذين استضعفوا في أرض مصر ،وجعلهم أئمة وجعلهم الوارثين وأرى عدوهم منهم ما كان يحذر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.  وفي الوقت الذي يبحث فيه الجيش المصري عن اللون المناسب لانقلابه على ثورة الشعب نرى الجيش السوري قد اختار بشكل فاضح اللون الأحمر ، وقد اقلعت اليوم سفينتان حربيتان روسيتان لتكريس دموية الجيش السوري كهدية من الديكتاتورية الروسية على النمط الستاليني التي أحياها ديكتاتور روسيا المجرم الحاقد . ولن يختلف وضع المؤسسات العسكرية في البلاد العربية عما هوعليه في الجزائر ومصر  وسوريا واليمن  وغيرها وإن اختلفت أقنعة ديكتاتوريتها وألوان انقلاباتها العسكرية . وستظل قواعد اللعبة الديمقراطية  في الوطن العربي مختلفة عنها في باقي بلدان العالم ، لأن قدر هذا الوطن العربي المسكين هو العيش تحت نير الديكتاتوريات العسكرية .

ومن المحزن أن هذه الديكتاتوريات تنفس عن عقدة الهزيمة أمام العدو الصهيوني بالطغيان ضد شعوبها  ، وهي عاجزة  كل العجزعن غسل عار الهزيمة اللاحقة بها  ، وهي خوارة أمام عدوها وجبارة أمام شعوبها ، فالجيوش العربية أسود على شعوبهم  ونعام أمام عدوهم  وهي ميزة الجبن  والخور. وفي اعتقادي أن  غياب هذه الجيوش أفضل من وجودها إذ ما قيمة جيوش تخشى مواجهة العدو ،في حين تواجه شعوبها بكل ضراوة ووحشية .

قواعد اللعبة الديمقراطية في عالمنا العربي تختلف عن تلك الموجودة في بقية العالم خصوصا عندما يكون الرابح إسلاميا
قواعد اللعبة الديمقراطية في عالمنا العربي تختلف عن تلك الموجودة في بقية العالم خصوصا عندما يكون الرابح إسلاميا

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz