قراءة في مهزلة ما سمي مشروع مرسوم خاص بهيئة التفتيش

13639 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 17 فبراير 2012، استكمالا للمقال السابق المتعلق بالعناصر الانتهازية داخل جهاز التفتيش وتحديدا في مكاتب النقابة وطنيا وجهويا ، والتي تسعى  إلى تمرير أطماعها عبر جهاز النقابة ، ارتأيت أن أقدم قراءة في مهزلة مشروع من إعداد هذه العناصر.وأول ما يثير الانتباه في هذا المشروع المسخ أن الذين حرروه إنما رموا الكلام على عواهنه ولم يبالوا بصواب أو خطإ . ففي ما سمي المبادىء المرجعية للمشروع نجد أول مبدإ يعكس انتهازية هذه العناصر التي  تريد أن تسوي بين مكونات هيئة التفتيش لتكريس فكرة وحدة الإطار التي تعني استفادة فئة الانتهازيين من مستحقات غيرها من الفئات  تحت غطاء وحدة الإطار، مع أن  لكل فئة ما تستحقه وفق ما تقدمه من عمل  يثمن وفق خبرة متخصصة ، ولا يخضع تثمينه للعواطف والأهواء والتنطع .

ومن جهل وأمية العناصر التي حررت ما سمي مشروعا قولهم : ” هيئة التفتيش كل لا يتجزأ ” ومعلوم أن  هذه عبارة سوقية ، وكل من له إلمام بسيط بشيء من التفكير المنطقي يدرك تهافتها لأن الكل يتكون ضرورة من أجزاء مستقلة بذاتها داخل الكل ، ومرتبطة فيما بينها بعلائق مختلفة قد تفضي إلى تكامل أو نقيضه . أما الكل الذي لا يقبل التجزئة فيسمى الجوهر. ومن تهافت عبارات هذا المشروع في مبادئه المرجعية قول أصحابه  ” التفتيش يشكل قمة هرم أطر الوزارة ”  وهذه عبارة تعكس مرض  تضخم الأنا الذي يعاني منه الانتهازيون تحديدا ، و الذين  طالما أطربتهم عبارة  اللوبي المركزي الساخرة منهم وهي : ” أنتم قمة هرم الوزارة ”  ومعلوم أن قمة الهرم في الهرم الحقيقي  هي أتفه ما فيه لأن قاعدة الهرم هي التي تحملها ، ولولا قاعدة الهرم ما كانت له قمة.

ولا يؤمن بهذا المنطق سوى المرضى بالسلطة والتسلط. وكان من المفروض أن يقال بكل تواضع : ” هيئة التفتيش مكون  ضروري أو مهم  من مكونات الوزارة ” دون استعلاء وتنطع . وما كان اللوبي المركزي دائما ينسب المفتشين إلى قمة الهرم إلا سخرية بهم ولسان حاله ” اجلسوا على قمة الهرم ” . أما  مبدأ الاستقلالية الذي ناضل من أجله الشرفاء  من المفتشين ولا زالوا فقد  أسفت به عبارة الانتهازيين في المبادىء المرجعية حيث جعلت ارتباط الهيئة إداريا بالوزارة عبر المفتشية العامة  .

وكان من المفروض التنصيص على استقلالية التفتيش على غرار استقلالية القضاء عوض اللجوء إلى لفظة : ” عبر ” التي تعني الواسطة ، وشتان بين  مفهوم الاستقلالية ، ومفهوم الوساطة بين هيئة التفتيش والوزارة . ومن تنطع العناصر الانتهازية التي حررت  هذا المشروع المسخ  حصر وظيفة التفتيش المحورية في التغذية الراجعة ، علما بأن التغذية الراجعة هي  محطة كل مكونات الوزارة ، ولا تخص جهاز التفتيش وحده. والمضحك أيضا في عبارة الانتهازيين قولهم :” حرمة مهنة التفتيش ” مما يعني أنهم يعانون من  عقدة انعدام الحرمة مع العلم أن كل الوظائف العمومية لها حرمتها ، والحديث عن حرمة التفتيش تحصيل حاصل ولا يصلح مبدأ مرجعيا.

وحتى  لا يفتضح  تهافت تفكير الانتهازيين  الذين حرروا ما سمي مشروعا  أقحموا عبارة ” الجهوية الموسعة ” ولكنهم جاءوا ببائقة كما يقال حيث  يظل المركز يمارس الافتحاص للجهات ، فما الحكمة من توسيع الجهوية إذا كان الافتحاص سيظل مركزيا ؟  واختتم الانتهازيون المبادىء المرجعية بما سموه التعاقد في إشارة واضحة لاستعراض العضلات النقابية  التي تشبه انتفاش الديكة أو السنورات عندما تحاول التمويه على عجزها أوخوفها . وانتقل الانتهازيون إلى ما سموه الآليات الأساسية لمشروعهم فجعلوا أولها  ترسيم العمل التخصصي والمشترك لهيئة التفتيش  ، وكأن العمل لا زال لم يرسم ، والحقيقة أن العناصر الانتهازية حاولت أن تندس وراء ما سمته العمل المشترك لتحشر أنفها فيما لا يعنيها من المهام ،والتي  صارت سائبة تعيث فيها فسادا في غياب مراقبة احترام الوزارة للاختصاصات ، خصوصا في فترة البرنامج الاستعجالي الذي  سيب كل شيء ، وهو الذي أطمع العناصر الانتهازية في المزيد من  العمل المشترك خصوصا الذي يدر عليها  تعويضات  ويملأ بطونها بالدجاج النافق .

ودائما وبدافع عقدتي التسلط  والجشع ،جعل الانتهازيون كآلية أيضا  المطالبة بإضافة أدوار الافتحاص والبحث التربوي  طمعا في التسلط  والمقابل .ومن الآليات أيضا جعل التكوين أساس مهنة التفتيش ، وهي آلية من تحصيل الحاصل ، وكان من المنتظر أن يطالب الانتهازيون بالتكوين كأساس للمهام التي من الممكن أن تسند للمفتشين ،والتي لا زالت توزع على أساس المحسوبية والزبونية . وكتمويه على الرغبة في التسلق عبر الدرجات جاءت عبارة الانتهازيين كالآتي : ” ضبط معايير الولوج وسن الدرجات المناسبة ” فهذا من قبيل الحق الذي أريد به باطل كما يقال ، فهؤلاء الانتهازيون ضالتهم هو  بلوغ درجات لا يسمح بها تخصصهم لتكون  بعد ذلك مركبا ومطية للمطالب بتخصصات فوق أقدارهم  ، وفوق مالا يجيدون ولا يستطيعون ولا ينبغي لهم. والمضحك أيضا في المشروع المسخ الحلم بمفتشية  عامة جهوية ، وهو حلم جمع نقيضين لا يجتمعان ، فالعام هو نقيض الجهوي ، ولكن  عند الانتهازيين لا يوجد منطق  لهذا لا يعرفون شيئا اسمه التناقض . 

وقد نسي  هؤلاء أنهم جعلوا الافتحاص للمركز بالرغم من تبني الجهوية الموسعة ، ولست أدري كيف  يفتحص المركز مفتشية عامة جهوية  في ظل جهوية موسعة ؟  ومن مكرور الكلام قولهم في فقرة الآليات الأساسية  : ” انتظام جميع المفتشين إداريا في هيكلة وطنية وجهوية وإقليمية ” وكأن هيكلتهم الحالية غير ذلك ،أو كأنها دولية  يراد تحويلها إلى وطنية . وتكريسا للجشع  تشبث الانتهازيون بما سموه ” مأسسة ”  التكوين المستمرـ والصواب هو ” الأسّ ”  وهو البناء  أي أس التكوين المستمر ـ  لأن التكوين المستمر الذي أصبح ظاهرة المخطط الاستعجالي أشبع بطون الانتهازيين ، لهذا فكروا في ” مأسسته ” حتى لا ينقطع ريعه . وبعد المبادىء والآليات جاءت الفصول الهزلية على ضوء خلفية المبادىء والآليات لتكرر نكتة المفتشيات العامة الجهوية ، وهي  حلم الانتهازيين الذي يدخل ضمن التفاهم بين فئتين  جمعهم زواج المصلحة ، وركبوا جميعا  نقابة المفتشين مطية لتحقيق أطماعهم .

ومن المضحك والسخيف أن عقدة الفئة غير الراضية  على وضعها  ابتدعت  في مشروعها السخيف تصنيفا يمكنها من تجاوز عقدة عدم الرضى عن الوضعية، لهذا اقترح الانتهازيون مفتشا  تربويا خاصا بالتعليم الأولي ، وآخر خاص بالتعليم الابتدائي ، وثالث خاص بالتعليم الإعدادي ، ورابع خاص بالتعليم التأهيلي . وكان من المفروض أن يتم ترشيد التفتيش التربوي فيجمع  التفتيش الابتدائي بين  سلكي التعليم الأولي والذي يليه ، تماما كما  يجمع التعليم الثانوي بين سلكي الإعدادي والتأهيلي . 

فلما كان معظم الانتهازيين من  فئة التفتيش  التربوي الابتدائي ، فإنهم وبسبب عقدتهم المستفحلة أمام  فئة التفتيش التربوي الثانوي أبوا إلا  فصل الأولي عن الابتدائي كما فصلت الوزارة الإعدادي عن التأهيلي ، وما عمل الوزارة برشيد بل ذبحت الوزارة الكلب ، وسلخه الانتهازيون  كما  يقول المثل العامي. ولم يجرؤ الانتهازيون على تقسيم فئات التفتيش الأخرى  كما قسموا التفتيش التربوي لأنهم يتجنبون الخوض في هذا الموضوع حرصا على زواج المصلحة داخل إطار النقابة ،علما بأنهم لم  يتنبهوا إلى فتور الرقيب  الذي يراقب المكبوتات أحيانا عندما  قالوا في آلياتهم الأساسية : ” التكوين أساس ولوج مهنة التفتيش ” والحالة أن بعض الفئات إنما تحصل على مهنة التفتيش بالتقادم في غيرها  من المهام وبدون تكوين لا أساسي  ولا مستمر.

وأظن أن هذه الفئات ستطالب بشطب هذه الآلية حتى لا يفسد عرس زواج المصلحة . ولم يعرف الانتهازيون قدرهم إذ لو عرفوه لجلسوا دونه، فراحوا يحددون درجات التفتيش  وشروط ولوجها ،  والرتب والأرقام الاستدلالية ، وذلك وفق مقاسهم  التافه  والمكشوف . كما أنهم  جعلوا المهام والاختصاصات لكل الفئات واحدة قياسا على فئة ما سموه مفتشي التعليم الأولي والابتدائي ،لأنهم  حسب عقدتهم المستفحلة يقومون مقام سلم رختر الذي تقاس به هزات التفتيش على اختلاف تخصصاته.

وخلاصة القول أن من ينظر من  ثقب الإبرة تضيق به الدنيا ، لهذا أقول للانتهازيين إن  تقديم مشروع  مرسوم خاص بهيئة التفتيش هو شأن جميع المفتشين  وليس شأن فئة الانتهازيين وحدهم، وما هكذا تورد الإبل يا عمرو كما تقول العرب . وستكون الوزارة سخيفة إن هي التفتت إلى  هذا المشروع المهزلة الذي يعكس سخف وتفاهة من صاغه وهو يركب غروره .

قراءة في مهزلة ما سمي مشروع مرسوم خاص بهيئة التفتيش
قراءة في مهزلة ما سمي مشروع مرسوم خاص بهيئة التفتيش

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz