قراءة في قرار الوفا إلغاء مباراة أساتذة التعليم العالي مساعدين

16559 مشاهدة

بقلم د.محمد برادة/ وجدة البوابة: وجدة في 1 غشت 2012، قراءة في قرار الوفا إلغاء مباراة أساتذة التعليم العالي مساعدين…

كل الدلائل تؤكد أن السيد “الوفا” لا يصلح لتدبير قطاع حيوي في مكانة التعليم. إن ما صرح به أمام النقابات مؤخرا من إلغاء مباراة أساتذة التعليم العالي مساعدين بالمراكز الجهوية لمهن التربية و التكوين ، إذا كان فعلا صحيحا ، ما دمنا لم نتوصل بعد بتصريح رسمي من الوزارة ، فسيكون سابقة خطيرة ستعجل للأسف برحيله. وهو قرار معيب قانونيا لأسباب عديدة أهمها :

1)- أن الوزير ينصب نفسه كسلطة قضائية تفصل في نزاع مرفوع أمام القضاء حول أحقية فئة متضررة في اجتياز المباراة، مع أن المخول قانونا بذلك هو جهاز القضاء كما ينص على ذلك الدستور، ثم إن الإلغاء في هذه الحالة ينسحب بأثر رجعي حتى على مباراة السنة الفارطة أيضا،

2)- أنه ليس مخولا قانونيا بإلغاء المباراة بل لا بد من تدخل طرف ثالث يقوم بذلك وإلا سيطالب الدكاترة المتضررون بالتحكيم الملكي السامي ، ومن حقهم ذلك لأن الوزير أضحى خصما و حكما في الآن ذاته وهو أمر معيب في سلطة تنفيذية تقرر و تلغي ، تنشىء و تفسخ ، ولعل تصريحات السيد الوزير خلال جميع أطوار المباراة خير مثال على ذلك ، وهي متاحة على كل حال في الصحف الوطنية ،

3)- لا يمكن إلغاء نتائج المباراة إلا بعد أن يطلع الرأي العام على الذرائع “الخروقات المزعومة” ، على إثر التحقيق الذي أجرته الوزارة في هذا الشأن ، أي أن مسألة الخروقات ليست مطبخا داخليا للوزارة تقرر فيه ما تشاء كيف تشاء ، دون إعمال الشفافية و الوضوح ، ومن ثم سيكون على الوزير التحلي بالشجاعة القانونية لنشر تقارير الفحوص و التحقيقات أمام الرأي العام بقصد التوضيح ورفع اللبس ،  بل تحقيقا للضمانات القانونية ، إذ من حق المترشحين لزوما و بالضرورة – كما تقضي بذلك الأعراف العلمية –  معرفة مظان الخروقات قصد الاطمئنان إلى نزاهة قرار الإلغاء و سلطته التعليلية الراجحة ، شأنه في ذلك شأن كشفه مؤخرا أعطاب البرنامج الاستعجالي في تقريره التفصيلي أمام البرلمان و النقابات الأكثر تمثيلية.

4)- إذا صح – جدلا- وجود خروقات فيجب إعادة المباراة في المراكز التي كانت موضوع خرق و ليس إلغاء المباراة جملة و تفصيلا ، لأن من شأن ذلك أن يمس بحق المتضررين من هذا القرار الجائر و عندئذ سيكون “الوفا” مرغما على الرد أمام المحاكم و أداء تعويضات جزائية للمتضررين ،  بل من حق اللجان العلمية أن تقاضيه أيضا مادام يضع “البيض الفاسد” كله في سلة واحدة و لايتورع عن الادعاء بأن الإلغاء كان بسبب الخروقات وكأن جميع اللجان مارست الخرق دون استثناء و قصدت إليه قصدا،  وهذا كلام متهافت ومجاف للحقيقة. فليس من حق الوزير-  من منطق أدبي و منطلق قانوني أيضا – أن يتلاعب بمصير ثلة من الدكاترة جدت و اجتهدت و قطعت جميع أشواط المباراة بمجهودها الفكري و النفسي و مصاريف مالية أثقلت كاهلها ، فتجشمت وعثاء السفر و كابدت جملة من الإكراهات الأخرى ، و نزهت نفسها عن المحسوبية و الشفاعات ، تحذوها الرغبة في تغيير الإطار، فيلغي سيادته بجرة قلم – من كرسيه الوثير- المباراة بذريعة وجود شبهة في جهة ما !؟ فمبدأ “لا تزر وازرة وزر أخرى” وارد هنا بإلحاح ، أما منطق “طاحت الصومعة علقوا الحجام” فشعبوي غوغائي لا يليق بوزير للتربية و التعليم في حكومة توافقية وطنية تحظى بالثقة السامية لصاحب الجلالة. فحتما لا يمكن لهذه الحكومة القبول بتوجه اعتباطي يفسد أداءها و يوشك – إن تطاول بهذه الوتيرة – أن يصل بالموضوع إلى التحكيم الملكي السامي ما دام قطاع وزارة التربية و التعليم يعاني منذ مسْك الوزير الحالي ملفاته من سوء التدبير وتعثر القيادة و هيمنة المزاجية ، و الأدلة على ذلك وافرة بدءا من إلغاء العمل ببيداغوجية الإدماج (دون بديل) ومرورا بسياق و فوضى مباريات مسلكي التعليمين الابتدائي و الثانوي التأهيلي (دورة يوليوز2012 – بالمراكز الجهوية التي تعاني من أزمات بنيوية في التأهيل و الموارد و الاستراتيجية) و انتهاءا بما صرح به الوزير أمام النقابات من قراره إلغاء المباراة و كأنها شأن داخلي لديه.

إذن هناك مترشحون نزهاء ، و لجان علمية و أكاديمية مشهود لها وطنيا بالحياد و التجرد و المثالية اللأخلاقية الراقية ، و لا يمكن الطعن في مصداقيتها و نزاهتها. فمنطق الاستغراق الشعبوي السوفسطائي الذي يؤدي إليه الإلغاء الكلي للمباراة – وهذا ليس من حق الوزير كما أسلفت – يكرس صورة سلبية عن النخبة الفكرية المغربية دون استثناء. أي أنه يشيع أن جميع الذين اجتازوا المباراة فاسدون وجميع أعضاء اللجان العلمية مفسدون ؟؟ وهو حكم من حق هذه الفئة مقاضاة الوزير بسببه ، بل و التكتل نقابيا و جمعويا و إعلاميا و انتهاج جميع سبل الفضح وطنيا و دوليا في مواجهة قرار جائر كهذا . و أظن أن الحكومة في حل من “نجاة” ثانية يتسبب فيها وزير استقلالي ثان. فذاك باع حلما وهميا قضى بسببه على مصير مئات الأسر و زج بها في دوامة التشرد، و هذا يحرم فئة الدكاترة اليوم تحت ذرائع واهية من حلم مشروع في تغيير الإطار و تحسين أوضاعها.

إن العلاج الناجع و السليم  للمشكل يقتضي أن تبادر الوزارة – كما كان مقررا في نهاية شهر يوليوز 2012 –  إلى إعلان النتائج الجزئية للمباراة في المراكز التي لم تشهد خروقات أو طعونا حتى يتم ملء المناصب المالية المتاحة قانونيا للناجحين و يلتحقوا بالمراكز في بداية السنة التكوينية ، و يتم فتح التباري في المراكز الأخرى إذا ثبت ضلوعها في مخالفات ، وذلك دفعا لغائلة الحيف و درءا للضرر و رفعا لأي التباس و منعا أيضا لأي احتقان محتمل ، مع عدم اللجوء إلى “بالونات الاختبار” مع الرأي العام الذي لن يغفر لهذا الوزير خرجاته الميلودرامية “الجامع فنائية” التي ضاق بها ذرعا. وعليه في نفس الاتجاه التصحيحي أن يبادر إلى تسوية ملف تغيير الإطار للدكاترة المنتظرين العاملين في القطاع المدرسي ويفتح مباراة جديدة أمام المتذمرين الذين يطالبون بحقهم في اجتيازها. وفي غياب هذه الإجراءات الاحترازية المستعجلة سيكون قطاع التعليم أمام خطر انتفاضة في صفوف المترشحين الذين مازالوا ينتظرون النتائج و المتذمرين على السواء بحيث قد تنعكس آثارها على الموسم القادم و يحتمل أن تمتد جذوتها إلى قطاعات أخرى…وعندئذ لن تنفع التصريحات الجوفاء و المغالطات الشعبوية في ظرفية دقيقة و حاسمة.

أما بعد، فعلى السيد الوزير ألا يرهف السمع لنصائح بطانته و بعض المحيطين به لأن معظمهم لا يتوفرون أولا على الدكتوراة ، وهذا ليس شرطا بالطبع ، بيد أن البعض منهم معروفون بمناصبة الكفاءات العليا العداء فيسعون للحيلولة دون انبثاق بنية جديدة ، و يزينون للسيد الوزير مسعاه ابتغاء الإيقاع به في وضع لن يقوى على الإفلات منه إلا باستقالته أو إقالته…. و على سيادته ؛ و هو الدكتور ذو المسار المتميز الذي أنتجته الجامعة المغربية المفترى عليها اليوم ، و السفير السابق  ألا ينسى سفارة زميله بنعبــــــــد الله ! وهو ليس عنه ببعيد.

و ختاما معالي الوزير المحترم ، إن مطلب تغيير الإطار مكسب نضالي نافح عنه المتضررون مذ كنتم سفيرا ولا يمكن المساومة فيه ، كما أن مكسب المباراة بات مكفولا قانونيا ومن ثم لا يمكن إلغاؤه إلا بقوة القانون و ليس بقرار مزاجي لا تملكون سلطته…

ثم ، هل تأذنون لي في سؤال أخير ؟ كم عدد الدكاترة من مدراء الأكاديميات الجهوية و المسؤولين المركزيين ونوابكم اليوم ؟ سؤال بسيط أظنكم ستملكون الشجاعة الفكرية للإجابة عنه يوما ما ، قطعا ليس أمام الصحافة الوطنية لأن موقفكم منها بات معلوما ، كما تشهد على ذلك مجالس الأكاديميات الجهوية ، و لكن في خرجة من خرجاتكم المقبلة. وشكرا مسبقا على حسن الإصغاء و سعة الصدر ولنا عودة تشريحية مفصلة للموضوع.

قراءة في قرار الوفا إلغاء مباراة أساتذة التعليم العالي مساعدين
قراءة في قرار الوفا إلغاء مباراة أساتذة التعليم العالي مساعدين

                      berradamohamed2@gmail.com  

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz