قراءة في تقرير 50 سنة من التنمية وآفاق سنة 2025

74907 مشاهدة

محمد الجناتي/ وجدة البوابة : وجدة في 16 أبريل 2012،  قراءة في تقرير 50 سنة من التنمية وآفاق سنة 2025

—-عرف المغرب في القرن الواحد والعشرين صدور تقريرين مهمين أثارا نقاشا حادا وسط الرأي العام. يتعلق الأمر بتقرير هيئة الإنصاف والمصالحة التي شكلت بهدف تجاوز انتهاكات حقوق الإنسان في حقبة ما اصطلح عليه بسنوات الرصاص، في إطار ما أطلق عليه الملك مبادرة الصفح الجميل؛ كما أن التقرير الثاني يهم خمسين سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025. وهو عبارة عن دراسة قام بما أزيد من مائة إطار وباحث مغربي في مختلف التخصصات، وذلك من أجل دراسة واقعية لماضي المغرب في أفق تعزيز المكتسبات الإيجابية وتجاوز بؤر المستقبل لبناء مغرب قوي بحلول سنة 2025. لقد جاء تقرير 50 سنة من التنمية متكاملا وشاملا وحاول أن يتحلى بالموضوعية، لذلك اعتبر مهما وخلق نقاشا واسعا في الساحة المغربية. فما هي الظروف العامة لهذا التقرير؟ وما هي أهم النقاط التي تطرق إليها؟ وكيف سطر أولويات سنة 2025؟ و ما هي السناريوهات التي رسمها لسنة 2025 ؟ وما هي ردود الفعل التي خلفها؟ هذا ما سنحاول التعرف عليه من خلال هذه القراءة الشخصية لتقرير الخمسينية.

1. الظروف العامة لتقرير 50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة  2025  

—-لقد أعطى الملك محمد السادس انطلاقة مشروع تقرير 50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025 في خطاب 20 غشت 2003، حيث كان الهدف من وراء هذا التقرير التركيز على الانجازات والإخفاقات التي ميزت 50 سنة من تاريخ مغرب ما بعد الاستقلال، وبالتالي فتح نقاش عمومي شامل حولها في أفق تعزيز المكتبات وتجاوز المعيقات، لذلك ثم اختيار عنوان التقرير: 50 سنة من التنمية البشرية وآفاق سنة 2025، المستقبل يُشَيَّدُ والأفضلُ ممكن.

—-إن تقرير الخمسينية هو عبارة عن مجموعة دراسات وتقارير قام بها مفكرون وأطر مغاربة، تم تركيبها داخل تقرير ضم في البداية أزيد من 4000 صفحة لأزيد من 100 باحث مغربي في مواضيع مختلفة تهم مختلف الجوانب. بعد ذلك تمت صياغة ملخص تركيبي لكل تلك الأبحاث. هذا الملخص تم احتواءه في 44 صفحة  وجهت إلى الملك محمد السادس ووزعت على الرأي العام لخلق نقاش حولها. فجاءت النقاشات حامية الوطيس وحماسية، خاصة وأن صدور هذا التقرير في سنة 2005 تزامن وظهور تقرير لجنة الإنصاف والمصالحة، الذي اعتبره كثير من المفكرين أهم تقرير صدر في المغرب الحديث، والذي حاول مسح أخطاء الماضي و تجاوز ذلك من أجل بناء الحاضر والمستقبل.

2.الخطوط العريضة لتقرير 50 سنة من التنمية بالمغرب

—-إن تقرير الخمسينية عالج موضوعات متنوعة،  كالديمقراطية والمجتمع والأسرة والنساء والشباب والنمو الاقتصادي والتنمية البشرية والتعليم والصحة والفقر والبيئة  و الحكامة والجالية المغربية بالخارج.

—-لقد عرف المغرب منذ استقلاله نموا ديموغرافيا مرتفعا، مما حتم عليه وضع مشاريع تنموية قادرة على الاستجابة لحاجات سكانه المتزايدة وتحسين ظروف عيشهم. إضافة إلى ارتفاع معدل النمو الديموغرافي. وعرفت المدن المغربية توسعا ملحوظا خلال الخمسين سنة الفارطة، خاصة المدن الكبرى، مما زاد في الفارق والهوة بين سكان المدن والقرى وتهميش هذه الأخيرة وعزلها اقتصاديا.  وقد عرف المغرب نوعين من الهجرة: داخلية، من القرى إلى المدن، وخارجية نحو بلدان الاتحاد الأوربي وأمريكا، حيث ساهمت الجالية المغربية في الخارج في إنعاش الاقتصاد الوطني وأصبحت عائداتها من العملة الصعبة تقدر بالملايير كل سنة، نظرا لتزايد أعداد المهاجرين وارتباطهم ببلدهم وتضامنهم مع أهلهم في الداخل. وفي ميدان المرأة أشار التقرير إلى إصلاح قانون الأحوال الشخصية واستصدار مدونة الأسرة التي تعتبر مكسبا جوهريا حققته المرأة المغربية بفضل كفاحها المستميت لانتزاع حقوقها. هذا التقدم فيما يخص وضعية المرأة المغربية لم يوازه بالمقابل نهوض بأوضاع الشباب المغربي، حيث أكد التقرير أن فئة الشباب لم تنل حظها من التنمية وأنها تعاني الإحباط نتيجة البطالة، مما يدفعها إلى الهجرة بحثا عن حياة أفضل.

—-وفي الميدان السياسي حاول المغرب منذ الاستقلال تحقيق نمو مؤسساتي لبناء دولة ديموقراطية. لذلك قام بخمسة تعديلات دستورية ( 1962 ـ 1970 ـ 1972 ـ 1992 ـ 1996)، كانت تهدف إلى ترسيخ قيم دولة الحق والقانون. ومع مجيء الملك محمد السادس إلى العرش في 1999، حاول بلورة مشروع ديمقراطي حداثي يقوم على اعتماد مفهوم جديد للسلطة، مبني على فكرة التشارك في صناعة واتخاذ القرار، عبر اللامركزية وسياسة القرب وإطلاق المشاريع التنموية في مختلف المجالات.

—-لقد عرف مغرب ما بعد الاستقلال تعددية حزبية وعرف كذلك إحداث عدة مؤسسات عمومية تخدم دولة الحق والقانون: كمؤسسة ديوان المظالم والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان والهيئة العليا للاتصال السمعي البصري والمجلس الأعلى للحسابات والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومؤسسة محمد السادس للتضامن و المندوبية السامية للتخطيط و غيرها.

—-كما يعد إحداث لجنة الإنصاف والمصالحة أهم حدث حاولت من خلاله السلطات طي الماضي الأسود لانتهاكات حقوق الإنسان في المغرب، عبر الصفح الجميل بين الضحايا وجلاديهم الذين تحملت الدولة المسؤولية نيابة عنهم، فتم تعويض المتضررين من سنوات الرصاص و جبر ضررهم وطي الملف نهائيا.

—-وفي ميدان التربية والتعليم، أشار التقرير إلى أن المغرب وضع أربعة أهداف: التعميم، التعريب، التوحيد، والمغربة. ونجح في تحقيق بعضها كمغربة الأطر العاملة في القطاع وتعميم التعليم على مختلف فئات وشرائح المجتمع. كما تمت صياغة ميثاق وطني للتربية والتكوين سنة 1999 للرفع من جودة التعليم الذي اعتبر القضية الثانية في المغرب بعد الوحدة الترابية.

—-وعرف قطاع الصحة تطورا ملحوظا، إذ تم تقليص نسبة الوفيات في صفوف الأطفال والنساء الحوامل. إلا أن القطاع عاش كثيرا من محدودية الوسائل المالية والتقنية، مما يتطلب ضرورة الارتقاء به إلى مستوى يستجيب لتطلعات الساكنة. وأكد التقرير على ضرورة بلورة مشروع يهدف إلى إرساء نظام جديد للحماية الاجتماعية يحمي حقوق الفئات المهمشة والفقيرة والتي لا تستطيع أداء تكاليف العلاج الباهظة الثمن.

—-وبخصوص الإمكان الطبيعي، أكد التقرير أن سياسة الحسن الثاني في بناء السدود كانت ناجعة جدا، وساهمت في إطلاق مبادرة المغرب الأخضر. ذلك أن تلك السياسة ساعدت في تخزين المياه والتحكم فيها لتزويد السكان بالماء الصالح للشرب وسقي الفلاحة لإنتاج المواد الغذائية قصد الاستهلاك محليا والتصدير إلى الخارج.

—-أما اقتصاديا فقد نبه التقرير إلى إشكال عدم استقرار الوضعية الماكرواقتصادية للبلاد وتدخل الدولة المستمر لتوجيه الاقتصاد. كما أن القطاع الفلاحي، الذي تعتمد عليه الدولة بشكل رئيسي في اقتصادها، عانى ومازال يعاني من قصور كبير بسبب تقادم الوسائل التكنولوجية المستعملة وصغر حجم المزارع والضيعات والاعتماد على أساليب زراعية عتيقة.

—-وفي القطاع الخاص، ما زال المغرب يعرف تمركزا للمشاريع الاستثمارية الكبرى في مدن الرباط والدار البيضاء. ويعاني القطاع من صعوبة الحصول على القروض ومن ارتفاع نسبة الفائدة ومن التعقيدات المتعلقة بالنظام العقاري وبطء المساطر الإدارية والقضائية وانتشار ثقافة اقتصاد الريع، خاصة في ظل اعتماد متواصل على البترول المستورد كمصدر للطاقة، والذي يكلف خزينة الدولة أموالا باهظة، ويستدعي بالتالي تطوير الطاقات المتجددة، مع نشر ثقافة الاقتصاد في استعمال الطاقة بين صفوف الساكنة.

3.السيناريو المأمول لمغرب 2025

—-لقد هدف التقرير إلى تشخيص 50 سنة من التنمية في المغرب، وذلك من أجل استشراف آفاق المستقبل في غضون سنة 2025. لذلك فالمغرب يتمتع بوجود إمكانات بشرية وطبيعية يمكن استغلالها لتحقيق عدة انجازات وضمان عيش كريم لكل المواطنين. وهكذا، فإمكان البلد محو الأمية نهائيا والتقليص إلى حد كبير من البطالة، والرفع من نسبة النجاح ومضاعفة أعداد الأطر عبر تشجيع الشباب على الإقبال على الشعب العلمية والتقنية. و يمكن تغطية حاجات الطاقة بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

—-إن المستقبل رهين بالمعرفة والحكامة وقوة الاقتصاد والصحة وإطار العيش، لذلك فهذه الميادين يجب أن تعطى الأولوية في الإصلاح. كما أن مغرب 2025 مطالب بكسب رهان مكافحة جميع أشكال الإقصاء وإعادة تنظيم التضامنات والتغلب على الفقر الذي سينتقل مع الهجرة الداخلية إلى المدن، والذي يهدد بانتشار الآفات والبطالة والجرائم. لهذا وجب فتح فرص الاستثمار وخلق مناصب شغل والعمل على توفير السكن للمواطنين، الذي يعد من بين الرهانات الكبرى لمغرب 2025. وفي هذا الصدد تعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إطارا متقدما لإعادة تنظيم التضامنات وتسريع محاربة الفقر والإقصاء. بالإضافة إلى ذلك فإن اعتماد الجهوية الموسعة من شأنه إشراك جميع المواطنين في تدبير شؤونهم المحلية والرفع من مستوى عيشهم داخل مناطقهم

4.الصورة السلبية لمغرب 2025

—-إذا لم يعمل المغرب على تجاوز نقاط ضعفه المشار إليها في تقرير 50 سنة من التنمية فإنه سيتراجع وسيتقهقر إلى الوراء. لذلك فهو مهدد بالأخطار التالية:

        – ضعف الحكامة وتراجع الديمقراطية نتيجة انتشار الرشوة والفساد الانتخابي وتجارة المخدرات واستغلال النفوذ واختلاس المال العام.

        – ارتفاع نسبة الفقر بسبب الهجرة القروية وتراجع عائدات المغاربة بالخارج، وانتشار الهدر المدرسي وتراجع مكانة المدرسة العمومية وتردي الأوضاع المعيشية نتيجة البطالة وانعدام السكنى واستشراء الأمية.

       – تراجع القطاع الاقتصادي نتيجة المنافسة الخارجية وتحرير الأسعار، وتدهور الصناعات المحلية نتيجة تحرير المبادلات التجارية.

      وهذا قد يؤدي إلى وضعية كارثية لا يمكن التنبؤ بعواقبها، ولعل أسوءها: الثورات الداخلية والفتن والانقسامات لا قدر الله.

5.  تعليقات على تقرير الخمسينية

—-يعتبر تقرير الخمسينية عملا مهما حاول تسطير الإنجازات والإخفاقات على مدى خمسين سنة من استقلال المغرب. وشأنه شأن  أي تقرير مهم، فقد أثار نقاشا حادا حول مدى موضوعيته واحترامه للمعايير العلمية التي يجب أن تتوفر فيه. فمن جهة، فإن التلخيص المحدد في 44 صفحة هو اختصار لـ 4000 صفحة هي العدد الإجمالي لمحتوى التقرير العام، والذي هو بدوره تركيب لعدة دراسات وتقارير فردية لباحثين مغاربة، أنجزوها في ميادين تخصصهم. لذلك فالتقرير هو قراءة لماضي وحاضر ومستقبل المغرب  من بين عدة قراءات أخرى، قد تكون أكثر أهمية وواقعية.  ومن جهة أخرى وجه انتقاد كبير للمركب التلخيصي للتقرير انطلاقا من عنوانه: المستقبل يُبنى والأفضلُ ممكن، حيث يوحي هذا العنوان بالحسم الإيجابي لتقييم التجربة المغربية، وهذا يتنافى ومضامين التقارير العلمية الموضوعية. كما أن ملخص التقرير تم تقديمه وسط تهليل وترحيب إعلامي ضخم، وكأننا بصدد إنجاز عالمي في المغرب الحديث، وهذا بدوره أفقد التقرير بعض مصداقيته. إذ كانت الغاية خلق نقاش عام حول تاريخ وحاضر ومستقبل المغرب في جميع المجالات، وليس التبرير والتصفيق لهكذا تقرير.

—-كذلك، وكما هو الشأن مع تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، فإن تقرير الخمسينية كان ناقصا في بعض جوانبه. ذلك أنه لم يركز على مبدإ المحاسبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يتطرق إلى مدى تجاوب المجتمع مع الإدارة الإصلاحية التي عملت الدولة على تدشينها (تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة، إحداث المجلس الأعلى للسمعي البصري، إعادة هيكلة الحقل الديني، إصدار مدونة الأسرة وإطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية).

—-إن المحاسبة هي أهم أس من أسس الحكامة، وهي غائبة في كثير من القطاعات التي تُسَيِّرُ أمور البلاد، مما زاد من عدد مبذري وناهبي المال العام، كما أشارت إلى ذلك تقارير المجلس الأعلى للحسابات لسننوات 2008 و2009 و2010، والتي تم توزيعها على مختلف وسائل الإعلام. هذه التقارير أشار إلى استشراء ظاهرة الفساد المالي في مختلف المؤسسات العمومية بلا رقيب ولا حسيب، وهذا أثر وسيؤثر سلبا على النمو الاقتصادي في المدى القصير والبعيد، وبين عجز الدولة و عدم وجود رغبة أكيدة لنشر ثقافة الشفافية والنزاهة والصدق والوطنية لدى الكثير من المسؤولين المغاربة.

—-إن تقرير الخمسينية لم يشر كذلك إلى عجز ومحدودية وصورية مجموعة من المؤسسات التابعة للدولة، فمثلا ثم إنشاء المجلس الأعلى للسمعي البصري لتحرير هذا القطاع والرفع من جودته، لكن واقع الحال يفيد بأن هذا المجلس عاجز حتى عن الترخيص لقنوات تلفزيونية خاصة، ولا يستطيع تجاوز الخطوط الحمراء، شأنه شأن الهيئة الوطنية لمحاربة الرشوة والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي عُوِّض بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للحسابات والمجلس الدستوري والمجلس الاقتصادي والاجتماعي إلخ.

—-كما لم يتحدث التقرير عن عودة الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان بالمغرب، كالاختطافات والمحاكمات غير العادلة كما أشارت إلى ذلك تقارير محلية ودولية.

—-إن تقرير خمسين سنة من التنمية واستشراف آفاق سنة 2025 هو مساهمة من واضعيه في خلق نقاش مثمر حول القضايا التي تهم حاضرالوطن ومستقبله، وهو يعد، كغيره من التقارير، محاولة لترجمة الواقع في أفق تجاوز إكراهاته. كما أن قراءة ملخص تقرير الخمسينية لا تعوض عن قراءة التقرير المركب من كل التقارير الموضوعاتية لتقييم حصيلة عمل جاد ومهم قدم توصيات غاية في الأهمية. لكن في المقابل فإن النقاش الموضوعي التي انصب حول التقرير، والذي كان إما مسايرا لمحتوى التقرير وإما منتقدا ومكملا له، هو الذي من شأنه أن يخلص إلى وضع رؤى ومقاربات تضع أسس دولة عصرية حديثة تضمن الاستقرار والتنمية البشرية داخل دولة الحق والقانون. دولة  مبنية على ثقافة أداء الواجبات والتمتع بالحقوق من طرف جميع شرائح المجتمع، بلا استثناء و بدون تمييز.

قراءة في تقرير 50 سنة من التنمية وآفاق سنة 2025
قراءة في تقرير 50 سنة من التنمية وآفاق سنة 2025

تقرير الخمسينية

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz