قراءة سوسيولوجية لأحسن القصص” 1 ” : بقلم عمر حيمري يتبع

242772 مشاهدة

يستهل القرآن الكريم ، سورة يوسف عليه السلام ، بشد الانتباه ، مع التأكيد ، على أنها من الكتاب المبين ، وأنها قرآن عربي واضح ، بين ، لكل عاقل متدبر لآياته ، وأنها من وحي الله سبحانه وتعالى ، الذي لا يأتيه الباطل ، وليس من إنتاج غيره ، حتى لا يدع مجلا لتسرب الشك في كون القصة من نسج الخيال ، أو من الأساطير الأولى . كما يدعو القرآن الكريم ، منذ بداية السورة ، إلى إعمال العقل فيها . [ إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون ] ” يوسف آية 2 ” وذلك لاستنباط واستخراج القوانين والقواعد والسنن الأساسية والثابتة ، التي يمكن أن تكون أساسا لبناء منهج الحياة السليمة والمستقيمة ولإقامة مجتمع متوازن يضمن مستقبلا افضل للإنسانية .

زيادة على تأكيد القرآن الكريم ، بأن سورة يوسف من وحي الله سبحانه وتعالى ، فهو يؤكد أيضا ، على أنها أحسن القصص بالإطلاق [ نحن نقص عليك أحسن القصص بما اوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ] ” يوسف آية 3 ” وذلك لما تتضمنه من عبر وآيات ومن توجيهات ، لا توجد قطعا في غيرها من القصص القرآنية أو غير القرآنية ، وأيضا ، لاشتمالها وتضمنها واحتواءها ، على سنن وقوانين ثابتة لا تتغير ، عبر الزمان والمكان . على أساسها تنظم العلاقات المجتمعية والإنسانية ، كما أنها صورت لنا الواقع كما هو وكما يمكن أن يحدث في أي زمان وأي مكان . بعيد عن الخيال والتصورات والأوهام .

لقد أرخت قصة يوسف عليه السلام ، للواقع بصدق ، من أجل الاعتبار والقدوة والاقتداء في الحاضر والمستقبل . لأن المواضيع التي تناولتها واهتمت بها قصة يوسف هي عبارة عن ظواهر اجتماعية ونفسية واقتصادية ، لا تفتأ تتكرر عبر الزمكان ، وكل الناس معنيون بها ، فقد يمارسونها ، أو تمارس عليهم ، وقد يعانون من نتائجها إن كانت سلبية ، منبثقة عن خلل في التصور للواقع الاجتماعي وللعلاقات والتصرفات السائدة ، بين ا فراد الأسرة ، والعائلة ، والقبيلة ، والجماعة ، ومنتشرة في المجتمع بصفة عامة .

إن قصة يوسف عليه السلام ، أسست لقواعد وقوانين وسنن ، بل وضعت منهجا ثابتا ، لمعالجة الجانب السلبي وتصحيح كل الانحرافات ، التي تنطوي عليها الظواهر المذكورة في السورة ، أو تلك التي قد تطرأ عليها عبر التاريخ . كظاهرة الحسد والحقد والكراهية والمعرفة والعلم ـ أقصد هنا علم التأويل واستشراف المستقبل ـ وصراع الخير والشر ، ونظام الحكم ، وما يدور في دهاليز القصور بين الخدم ، من مكائد ومصائب وتحرش جنسي في غفلة عن الملوك والحكام ، والتسيير الإداري والاقتصادي …

تبتدئ القصة ، بحكاية رؤية ابن لأبيه ، يدور مضمونها حول الكواكب والشمس والقمر، مخلوقات علوية ” أقصد سماوية ” ، يعبدها كثير من الخلق ويجلها ظلما لأنفسهم وبدون علم منهم . لكن يوسف رآها ساجدة له ، فيؤولها الأب توا وبدون أي تردد أوشك ، لأنه كان نبيا ، يعلم من الله ما لا يعلمون من علم التأويل [ قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ] ” يوسف آية 86″ وفي آية أخرى يكرر يعقوب عليه السلام كونه يعلم من الله ما لا يعلم الأبناء [ فلما جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما تعلمون ] ” يوسف آية 96 ” يؤول الأب العالم بعلم التأويل ، الرؤيا ويفسرها ، مبشرا الابن بأن الله سبحانه وتعالى ، سيجتبيه وسيختاره وسيعلمه التأويل وسيتم عليه نعمته أي سيرزقه النبوة وسيرسله رسولا ، كما كان من قبل أبويه إبراهيم وإسحاق ، وهذا أمر غيبي يتعلق بالمستقل، لكن يعقوب عليه السلام كان مؤمنا ومتيقنا ، بأن هذه البشرى ستتحقق وستحدث مستقبلا بدون ريب أو شك ، كما كان يعلم بان هذه النعمة ستجر على الابن كثيرا من المعاناة والمتاعب والظلم والعدوان والكراهية والبغضاء … ـ وكذلك تجر النعم على أصحابه الظلم والعدوان في كل زمان ومكان ـ نتيجة الحسد وكيد الشيطان ، ولذلك سارع يعقوب عليه السلام ، إلى توصية يوسف بعدم قصة الرؤيا لإخوته . [ قال يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين ] ” يوسف آية 5 ” لأنه يعلم أن إخوة يوسف على قدر كبير من المعرفة بعلم التأويل ، وأنهم حتما سيهتدون إلى معرفة ما ينتظر يوسف من نعم وما يكنه له الغيب من العزة والرفعة والتميز عنهم ، وخصوصا وأنهم يعانون مسبقا من تفضيل وتمييز وحب يعقوب عليه السلام لابنه يوسف عليه السلام ، على باقي إخوته ، كما يعلمون مكانته العالية وقربه الشديد من أبيهم . وهذه الأمور كافية لجعل الإخوة يكرهون يوسف ويحسدونه ويكيدون له ولاسيما وأن الشيطان العدو المبين للإنسان ، سيجد في ظاهرة الحسد أرضا خصبة قابلة للاستغلال ولبث البغضاء والكراهية بين الإخوة وسيدفعهم إلى الكيد والصراع ضد بعضهم بعضا دفعا .” يتبع ”

سورة عم

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن