فهم الواقع .. والمشاركة السياسية

7983 مشاهدة

زياد دياب / وجدة البوابة : العرب عادة يرون الواقع المصري مطابقا لما هو موجود في بلادهم، و المصري بما في ذلك شباب الثورة ( بل خاصة شباب الثورة ) غالبا ما يعتقد أنه حقق شيئا شبيها بالثورة الفرنسية أو السوفيتية، و ينتظر نتائجا مشابهة !، و النتيجة أنهم جميعا يصلون إلى استنتجات خاطئة و توقعات أكثر خطئا.

عمليا هناك منهجان في فهم الواقع السياسي، الأول تبسيطي يقوم على حذف كل العناصر التي يراها الإنسان ثانوية غير مؤثرة، و يحتفظ فقط بعنصر واحد يراه حاكما، و الثاني أكثر تعقيدا و منهجية فهو يحتفظ بكافة العناصر الرئيسة و يسعى لإيجاد علاقة بينها.

الأول سهل يمكن فهمه بواسطة الجميع، و بالتالي فهو أكثر ملائمة للسياسي الجماهيري، و للشباب الذي يمارس السياسة في شبكة التواصل الإجتماعي مثل الفيس بوك و التويتر أي شباب الثورة، وهو أيضا مألوف في المقالات الصحفية و ” التوك شو” و حوارات الشبكة، و لكنه لا يلائم الواقع المعقد متعدد العناصر ولا يفسر التغيرات الزمنية، كما أنه يغفل حقيقة أنه ليس نادرا ما يتحول أحد العناصر الثانوية ليصبح هو العنصر الرئيس، و بالتالي فاغفال بعض عناصر المشهد السياسي يجعل قراءة الواقع المتغير مستحيلا مع مرور الوقت.

أما المقترب الثاني فمرهق لا يلائم الهواة، و لا يمكن مخاطبة الجماهير البسيطة به، ولا يصلح لإنتاج الشعارات و تخوين الآخرين ولا وضع القوائم السوداء و ادعاء البطولات الوهمية !، و لكنه بديل محترم يلاحق الواقع بتعقيداته، يفعل ذلك بأدوات العقل و مناهج البحث العلمي، و بالتالي يتيح لنا قدرة تفسيرية و تنبؤية عالية، على الأقل مقارنة بالأسلوب الأول.

شيئا من هذا صادفناه حول الحالة العراقية، فكل الكتاب العروبيون تقريبا كان يرون القضية هي احتلال في مواجهة مقاومة وطنية، و غير ذلك سيكون تميعا للموقف و خدمة للمحتل و عمالة و ..، بينما كنت أميل إلى رؤية و من ثم تقدير كل العناصر التي تشكل المشهد العراقي المركب، احتلال في مقابل مقاومة، إرهاب أصولي، تناحر طائفي و عرقي ( شيعة و سنة و أكراد )، صراع قومي عروبي إيراني … الخ ، و اليوم أعتقد أني كنت أميل للصواب، فالتوقعات التي وصلت إليها هي ما تحقق بالفعل (على الأقل قريبا منها و حتى الآن)!. 

أشعر أننا الان في حالة مشابهة، فهناك مقتربان للحالة المصرية، المقترب الحماسي الإنفعالي السائد، و الذي يلائم الطبيعة المصرية العصبية التي تنفر من التفكير السياسي البارد و المنهجي، و المقترب العلمي الذي يحاول الفهم و التحليل و التنقيح و …هذا المقترب الذي ينفر منه الكتاب هو وحده القادر على الفهم و التفسير و التنبؤ العلمي، يبقى أن نشير إلى ما نكرره دائما عندما نتعرض لنظريات المعرفة، وهو أن الفيصل في القضايا المحورية ليس محاولة كل طرف أن يثبت صحة منهجه، بل قدرة كل طرف على بناء نموذج يمتلك قدرة تفسيرية و تنبؤية عالية، و لعل نظرة بسيطة عابرة تثبت مدى سطحية المقترب الحماسي الأول، فهم مازالوا هناك في مرحلة التعبئة من أجل تحقيق ما تحقق بالفعل و تجاوزه الواقع، و هناك يخلطون بين تعبئة الشعب لإسقاط النظام القديم في سوريا، و ما يجب أن يكون تحريضا للشعب من أجل بناء نظام جديد في مصر !، هذا المقترب قاصر عن رؤية واقع قد تبدل بشكل جذري تحت نظر الجميع دون أن يروه، و بالتالي فمن الحيوي -من وجهة نظري- أن نحاول بناء نموذج آخر يفسر لنا ما يحدث، و يمكننا من استشراف المستقبل حتى نصبح قادرين على التعامل معه.

 مصر ليست تونس، قول حق أريد به باطل، فمصر بالفعل ليست تونس كما أن ليبيا ليست مصر و اليمن ليست ليبيا وسوريا ليست أي منهم، فرغم وجود القانون العام الذي يرى و يفسر الثورات ( الإنتفاضات ) العربية، هناك أيضا القانون الخاص بكل انتفاضة عربية، و لعل أوضح ما يميز الحالة المصرية من وجهة نظري أن النظام لم يسقط في 11 فبراير 2011 و لكنه سقط إعلاميا و في الضمير الجمعي للمصريين قبل ذلك بكثير، هذا لم يحدث عرضا فقد كان هناك 58 محطة تلفزيونية منها31 محطة خاصة ومستقلة ومتخصصة في معارضة النظام ; هذا بالإضافة إلى العديد من الصحف الخاصة و الحزبية التي تفرغت أيضا لمعارضة النظام، و لم يكن رئيس الدولة بمأمن من الهجوم، فهناك بعض الصحفيين مثل عبد الحليم قنديل و إبراهيم عيسى هاجموا الرئيس بجسارة غير مسبوقة في العالم العربي، بل من المدهش أنهما لا يستطيعان اليوم توجيه مثل هذا الهجوم إلى مرشد الإخوان أو أي من قادة التيار السلفي، أو حتى مادون ذلك، وهذا يجعل الموقف الإعلامي مربك بالفعل، كيف يستطيع الصحفي مهاجمة الرئيس في نظام بوليسي قمعي، ولا يجسر على نقد مرشد الإخوان في ظل ثورة الحرية و الديمقراطية ؟، (هل السبب فيما يقال همسا عن قوائم المعارضين التي يعدها الإسلاميون بالفعل ليوم حساب قادم ؟)، المدهش حقا أن مصر شهدت في عهد مبارك قدرا من حرية الإعلام غير مسبوق في كل تاريخ مصر سوى قبيل انقلاب 1952 مباشرة، وهو أمر موحي بالفعل، و النتيجة أني لم أصادف أحدا يؤيد حسني مبارك خلال السنوات ال10 الأخيرة سوى ماندر.

 لو توقفت عند هذه الفرعية قليلآ لقلت أني لا أعزوا الهياج الإعلامي ضد مبارك و نظامه خلال رئاسته للبلاد إلى روح الديمقراطية و الإيمان بحرية الكلمة، بل إلى افتقاد مبارك للحس السياسي و جهله بأهمية الإعلام، و اعتماده على أشباه المتعلمين مثل صفوت الشريف و أنس الفقي لإدارة الإعلام في مواجهة قناة الجزيرة و أمثالها من الصروح الدعائية العملاقة. 

هناك أيضا الاستخفاف بالرأي العام و أثره البالغ في زمن يعرف بعصر الجماهير الغفيرة، و لعله مما يبعث على السخرية أن مبارك لم يدرك أهمية تلك الجماهير إلا عندما اسقطته في زمن قياسي، و دفعته من القصر الرئاسي إلى نقالة خلف قضبان المحكمة في مواجهة العالم كله، و لعل هذه الحقيقة كانت ماثلة أمام الحكام السعوديين عندما غلظوا عقوبة التعرض لشخص الملك وولي عهده لتصل إلى السجن 10 سنوات، فالجميع يتعلم من رأس الذئب الطائر.

وللتأملات بقية ……. زياد دياب

فهم الواقع .. والمشاركة السياسية
فهم الواقع .. والمشاركة السياسية

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz