فكر الأخر

44299 مشاهدة

عبد الحفيظ زياني/ لقد عمت و انتشرت بعض الأمراض المجتمعية ، ذات العلاقة الوثيقة بالسلوكيات و المهارات والمواقف ، إنها تندرج ضمن بناء الشخصية الفردية ، ماهي عليه و ما يجب أن تكون ، وعلى مستوى الاصطلاح العام فهي تتدرج على مستويات : اللغة ، الفكر ، المفاهيم .

من الغرابة بمكان أننا لا نقوى على مصالحة الذات ، والتعبير عن أفكارنا بلغة صريحة ، واضحة ، لمجرد أننا غير واثقين أنها ستحظى بالقبول . نعيش أفكار الغير ونعبر عنها بلغتنا  الخالصة ، نقصد أشياء ونعبر عن أخرى ، نعيش تارة انفصاما بين اللغة والفكر حين تعجز اللغة عن مواكبة أفكارنا ، وتارة أخرى بين المفاهيم التي نوظفها وبين اللغة حين نردد لمفاهيم لمجرد أنها متداولة .

حين نعبر عن فكر الأخر بلغتنا نحن، فيتم التداول لمفاهيم قد لا نؤمن   بها ، نعيش خصاما على مستوى الهوية والأنا ، نقصي ذواتنا ونتقمص شخصية الأخر، نظهر الزائف ونخفي الخالص ، خوفا من كونه سيتلقى الرفض ، نردد للغة ليست لنا ، محاولة منا إظهار التميز والتباهي ، كأن للأخر ميزة ليست لنا ، نلهث وراء كل ما يباركه المجتمع حتى وإن كان يناقض المبادئ والقيم ، نعيش مدينين لثقافة الأخر هروبا من دواتنا ، رافضين لهويتنا ، نبحث عادة عن الاختلاف ، ونتغدى على أفكار الغير. إنها أزمة مصالحة مع الذات يترجمها صراع داخلي مرير .

في كثير من الأحيان تتجه  السلوكات  والمواقف التي تعكس شخصية   الفرد  نحو ما يرضي الأخر، متجاهلين أن التنوع على مستوى الأفكار والتوجهات دليل على إعمال الفكر، بعيدا عن التقليد الذي يقصي دور العقل الإنساني ويجعله بعيدا كل البعد عن الإنتاجية ، بل و يفقد الذات الإنسانية كينونتها و لدة وجودها . 

إن المسألة لا تعدو أن تكون مسألة ثقة بالنفس، فغياب الثقة يخلق الارتباك على مستوى الذات الإنسانية، ويجعل الآراء تتسم بطابع جمعي إلزامي ، ويضفي عليها صبغة التقريرية ، فيفرضها على الجميع حتى و إن جانبت الصواب ، و الأخطر أنها قد تتحول إلى حقائق ثابتة لاتقبل الجدال و النقد ، فكم من أخطاء تكرست لفترات من الزمن لأن الجميع يأخذها محمل الجد و من تم فهو يزكيها ، و كم من أفكار صحيحة لم يكتب لها التداول لاتصافها بصفة الفردانية و الوحدوية ، فلم تجد    صداها .

 تعد الآراء ، المفاهيم ، والأفكار الأكثر تداولا هي الأصح بقوة العادة  و التكرار ، وبمباركة قوانين الطبيعة  وأعرافها ، أما تلك التي لا يزكيها المجتمع لاختراقها للطابوهات فإنه يحكم عليها بالبطلان و الكساد .  و لا بد من التمييز في هذا المقام بين أنواع المحرمات في المجتمع ، بقطع النظر فإننا لا نقصد الجانب الأخلاقي ، فهو قار و ثابت حتى وإن اختلفت البيئة والزمن ، فالأخلاق لا مكان لها و لا زمان .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz