فقدان المواطن المغربي لكرامته وهو يستعمل بعض وسائل النقل العمومي

207434 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: فقدان المواطن المغربي لكرامته وهو يستعمل بعض وسائل النقل العمومي

النقل ضرورة من ضرورات الحياة لأن قدر الإنسان في كل عصر ومصر أن  تتراوح وضعيته  بين الظغن  والإقامة .  ويكثر ظعن الإنسان  في ظروف معينة  كالهجرات بسبب  طلب العيش  أو الحروب  أو المجاعات …ومع تطور الحياة  في عصرنا الحالي  كثر تنقل  الإنسان  خصوصا في الحواضر  الكبرى  حيث  تضطره ظروف العمل  للانتقال يوميا  وهو  ما يجعل  وسائل  النقل  العمومية  مطلوبة  بل تحت  الطلب الشديد أكثر من أي عصر مضى . وتتفاوت المجتمعات البشرية  في درجة  تطورها  وتقدمها  من خلال  مؤشرات  معلومة  ومن بينها  مؤشر  النقل  العمومي ، ذلك  أنه  على قدر تطور المجتمع  يكون  نقله العمومي متطورا . والمجتمعات  الراقية  تجعل على رأس  أولوياتها  كرامة الإنسان في كل المجالات بما فيها مجال النقل  . وكرامة  الإنسان  تصان  أو  تهان  حسب  ظروف  العيش  . ومن الأمور التي  ترصد  فيها  صيانة كرامة الإنسان  أو عدمها  ظروف تنقله أو سفره  خصوصا  عبر  وسائل  النقل  العمومي . وعندما  نتأمل  وسائل النقل  العمومي في بلدنا  نلاحظ  غياب صيانة  كرامة  المواطنين   في جل  وسائل  هذا النقل  العمومي . ولنأخذ  على سبيل  المثال  لا الحصر  ما يسمى عندنا  بالطاكسي  الكبير  وهو سيارة أجرة  تتحرك بين  المدن  والقرى  المغربية  أو تتحرك داخل المدارات الحضرية . فهذا الطاكسي  الكبير في الحقيقة  يتسع لأربعة أشخاص  فقط  إذا  ما روعيت  كرامتهم  إلا أن هذا الطاكسي  عندنا  في المغرب  يشحن بستة أشخاص  حيث  يتقاسم اثنان منهم  المقعد الأمامي بجوار السائق  ، في حين  يتقاسم أربعة  الكرسي  الخلفي . ويبدو  مشهد من يمتطون  هذا  الطاكسي  مهينا  حيث  يحشرون  فيه   كما  تشحن   البهائم  خصوصا  عندما تكون أحجامهم ضخمة  فتتداخل  أعضاء أجسادهم  وتتشابك أذرعهم  ، ولا تغلق أبواب الطاكسي  إلا  إذا  صار ركابه  كتلة واحدة  من اللحم ، ويضطرون للعناق فيما بينهم اضطرارا حتى أنه يمكننا أن نسمي نوعا من العناق  عناق الطاكسي ، وتصير العلاقات فيما بينهم حميمية على حد تعبير أحد الفكاهيين ، ويبدو  منظرهم  مؤسفا للغاية  وهم  في حالة  سفر  ، والسفر  قطعة  من العذاب كما جاء في الأثر . وتزيد وضعية  ركاب  الطاكسي الكبير المزرية عذابا فوق  عذاب السفرإذ  تختلط أجساد الذكور بأجساد الإناث  دونما احتفال  بقيمنا الأخلاقية  والدينية ، وقد يحصل المحظور بفعل الاحتكاك الاضطراري بين هذه الأجساد. و الجهات  المسؤولة  عن  هذا  النوع  من  النقل  العمومي  وعلى رأسها  وزارة  النقل لا تعنيها  كرامة  المغاربة  ذلك  أنها تفكر فقط في تحصيل   الضرائب  عن  وسائل  النقل  العمومي  ، كما يفكر  أرباب  الطاكسي  الكبير في  بلوغ  رصيد  من  المال  يسمى  رصيد ” الكورسا ”  ولا يعنيهم  كيف  سافر  المسافرون  ولا  يفكرون في كرامتهم المعرضة للامتهان . وعوض  أن  يكون  الطاكسي   الكبير  عندنا  محترما  للمعايير  المعتمدة في  البلاد  الراقية وهي  أربعة ركاب  فقط ، فإنه يتجاوز طاقته الاستيعابية  في بلد لا يهتم  بكرامة  المواطنين . وعلى خلاف  الطاكسي الصغير  الذي يلزم  بنقل ثلاثة  ركاب فقط  فإن  الطاكسي  الكبير  يسمح له بنقل  ضعف  ما ينقله  الطاكسي  الصغير   داخل  المدارات الحضرية  وخارجها . وأما  شكل   ونوع  الطاكسي  الكبير  فحدث عنه ولا حرج لأنه يستعمل نوع واحد  وهو نوع ” المرسيدس” التي انتهت  مدة  تصنيعها  منذ  مدة  طويلة في بلد التصنيع ، وهي  في حكم المتلاشي من السيارات  التي صارت في خبر كان   في جل  بلاد الله  التي  تساير  تطور صناعة السيارات . ويبدو الطاكسي  الكبير عندنا بمثابة قبر  يقبر فيها الأحياء بإقبار كرامتهم الممتهنة  ، ولا شك  أن امتهان الكرامة وموتها  هو أخطر موت  لأنه كما قال  الشاعر :

ليس من مات واستراح بميت //// إنما  الميت  ميت الأحياء

ومن  أموات  الأحياء مواطنون  بلا كرامة   حين يمتطون  الطاكسي  الكبير بطريقة  مهينة . ولا يخلو  امتطاء  الطاكسي  الكبير  من  إهانات  أخرى مختلفة  حيث  يغامر بعض سائقيه  بحياة  الركاب  عندما  ينطلقون  بسرعة  جنونية  ، وهم  يعتبرون  ذلك  مفخرة  وشطارة  وخبرة … ، وغالبا  ما   يجعلون أموات الأحياء  الذين لا كرامة لهم على وجه المجاز في سفرهم  أمواتا  على  وجه  الحقيقة  في حوادث  مروعة . ولو  نشرت إحصائيات دقيقة عن  ضحايا  الطاكسي  الكبير  في طول الوطن  وعرضه  لبلغ  عددهم  عدد ضحايا  الحروب الطاحنة  ، وفي  ذلك  امتهان  لكرامة  المواطنين  في هذا  البلد . وقد  يتعرض  ركاب  الطاكسي الكبير  لأنواع  مختلفة  من  الإهانات  حيث تزكم أنوفهم الروائح الكريهة  المنبعثة  من نعالهم  وأحذيتهم  ومن  أجسادهم  حين تعرق خصوصا في الفصل القائظ . وقد يدير  سائقو  الطاكسي الكبير  أزرار المذياع  لتصدح  بالساقط  الكلام المحسوب  على  الطرب . وقد  يسمع الركاب خصوصا الإناث  منهم  اللواتي يسافرن  بلا رفيق من الكلام البذيء ما يجرح  الكرامة  لأن مجال  الطاكسي  الكبير بمثابة  مكان عمومي  لا  يحكمه الضوابط الأخلاقية. وما قناه  عن  الطاكسي الكبير قد يقال  عنه  الكثير  بالنسبة  للحافلات سواء داخل  المدارات  الحضرية  أو  بين  المدن  والقرى  ، والمغرب  له رقم قياسي  في  حوادث  الحافلات  التي  تزهق  مئات  الضحايا سنويا  بسبب تهور السائقين  الذين  لا يقدرون  المسؤولية  ، ولا يأخذون في الاعتبار كرامة  الإنسان المغربي  الذي  تمارس  عليه  العبودية  حين تضطره  الظروف للسفر على متن وسائل  النقل  العمومي . وقد يقال أيضا  الكثير  عن  قطار المغرب  الذي  تداس  فيه  كرامة  الإنسان  بسبب  مواعيد  السفر  المختلة  على الدوام  وبسبب  ظروف  السفر خصوصا  خلال  فترات  العطل  الرسمية وبسبب غياب النظافة  حيث يسافر المسافرون فيه  وكأنهم على متن  شاحنة نقل  القمامة . أما ظروف السفر  بحرا  وجوا  عندنا  فلها  حكايات   عجيبة خصوصا  عند  جاليتنا  التي  تفقد كرامتها  عندما  تعبر  من  ديار المهجر إلى  الوطن  في أسوأ الظروف. وأما  وسائل النقل غير القانونية  والتي تنافس  وسائل  النقل  العمومية  فالحديث  فيها  يطول  ، ويكفي  أن  يضطر  المواطن  المغربي  لاستعمالها  بسبب  قلة وسائل النقل العمومي في المناطق النائية  ليفقد كرامته  بامتياز . فمتى سيفكر  المسؤولون عندنا  في كرامة  المواطن  المغربي  وهو  في حالة  سفر؟ 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz