فضيحة السطو على سوق مليلية كشفت القناع عن إفلاس قيمنا الأخلاقية

21141 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 3 شتنبر 2011، رحم الله من قال : إنما الأمم الأخلاق ما بقيت// فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

أجل يمكن اعتبار المجتمع الوجدي في حكم الذاهب أو الزائل ، ذلك المجتمع الذي كان يعتز ، ويفتخر بقيمه الأخلاقية الراقية ، والمستمدة من تعاليم ديننا السمح فصار بدون قيم ، أو اضطربت قيمه ،إذا ما أردنا أن نكون أكثر تفاؤلا في تعبيرنا. ولقد كان الوجديون دائما يفخرون بقيم المحافظة التي تدل على قيم أخلاقية راقية ، والتعبير نفسه يدل على الحفاظ على قيم أخلاقية موروثة خلفا عن سلف وفق مرجعية إسلامية ، قبل أن يبتذل الشواذ فكريا هذا التعبير الجميل ، ويصير في استعمالهم تعبيرا قدحيا يوظفونه التوظيف السيء من أجل الدعاية لقيم الانحلال الخلقي تحت شعارات الحداثة والتطور… وما إلى ذلك من شعارات فارغة تموه على إفلاس منظومة القيم الأخلاقية ذات المرجعية الإسلامية لفائدة منظومة أخلاقية ذات مرجعية غريبة عن مجتمعنا . ولقد كانت منظومتنا الأخلاقية الإسلامية رأسمال المجتمع المغربي عموما ، والمجتمع الوجدي خصوصا . فبعدما كان الوجديون يفخرون بميزة المحافظة صاروا اليوم يتحرجون منها ،لأن السفهاء من الناس ابتذلوا تعبير المحافظة ،وحاولوا إفراغه من دلالته . و فضيحة السطو على سوق مليلية بالمدينة ، وهي فضيحة أذهلت الوجديين ، وشوهت مدينتهم ، وسمعتها تعتبر بداية دق آخر مسمار في نعش ما تبقى من القيم الأخلاقية في المدينة ، وتشييع جنازتها في موكب رهيب مع شديد الأسف والحسرة والألم . ولقد كان الوجديون يتسلون بالتفرج على أفلام السطو ، ويعدون ذلك من نتائج إفلاس القيم الأخلاقية عند الأمم التي لا تدين بدين الإسلام ، وكان لسان حالهم : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا ، والحمد لله على نعمة الإسلام . ولقد كانت الهرولة وراء الحضارة الغربية هي عتبة إفلاس القيم الأخلاقية المغربية الإسلامية. فبفعل الاحتكاك بالغرب سواء الاحتكاك المباشر ، أو الاحتكاك غير المباشر عن طريق وسائل الاتصال الحديثة انتقلت إلينا القيم الأخلاقية الغربية ،التي بدأت تهتك ستر قيمنا الأخلاقية شيئا فشيئا ، حتى صار التطبيع معها شيئا مألوفا بسبب دعاية السفهاء لها استهدافا لقيمنا الأخلاقية التي ظلت شامخة لقرون ، والتي صمدت أمام غزو القيم الغربية المحتلة لوطننا . فبعدما كانت جرائم السطو والاغتصاب والقتل والاعتداء مجرد خيال في الذاكرة الوجدية يتسلى بها من خلال مشاهدة الأفلام الغربية ، صارت واقعا يقض مضجع الساكنة في الجهة الشرقية. وتدرج الإجرام من البسيط إلى الغريب حتى صار الوجديون يسمعون بمغتصب الصبية الجارة، وقاتلها بعد ذلك ، وبقاتلة الزوج التي قطعت أطرافه ووضعتها في أكياس البلاستيك على طريقة أفلام جرائم المحترفين ، وبالقصص المروعة للاغتصاب والقتل الوحشي ، والسطو ، وأنواع السرقات التي لا عهد للوجديين بها. وبسبب التطبيع مع الجرائم نشأ لدينا إعلام وصحافة من النوع الرخيص ، والذي لا هم له سوى تسويق أخبار هذه الجرائم . وبسبب التطبيع مع هذه الجرائم صار لهذه الصحافة جمهور ربما ابتلي بالإقبال عليها بدافع الفضول أول مرة ، أو الاندهاش ، ثم صار بفعل التطبيع يطلبها بإدمان . وبسبب الإدمان على أخبار الجرائم حصل شرخ في قيمنا الأخلاقية الأصيلة التي صارت تخالطها قيم الجرائم ، وفرضت نفسها كواقع معيش . ومع مرور الزمن صارت أخبار الجرائم أمرا مألوفا ومتداولا ، حتى أن بعض أبناء الأسر الوجدية المحافظة تورطوا في جرائم بشعة من قبيل قتل الجارة من أجل سلب أموالها أو بعد هتك عرضها . وانتقلت الجرائم من الأوساط الأسرية المؤهلة لذلك اجتماعيا واقتصاديا إلى الأوساط الأسرية التي كانت تعتز بقيمها ومحافظتها حتى ابتليت بأبناء شوهوا سمعتها . وجريمة السطو على سوق مليلية كشفت القناع بشكل جلي عن إفلاس قيمنا الأخلاقية ، وفي كل مؤسسات المجتمع المدني التي تتولى التنشئة الاجتماعية بدءا بالأسرة ، ومرورا بالمساجد والمؤسسات الدينية ، والمؤسسات التعليمية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والهيئات الحزبية والسياسية …. ذلك أن جيلا من الشباب انفلت أخلاقيا من كل هذه المؤسسات ، واختار التمرد عليها فلسفة وشعارا له في الحياة ،ضاربا عرض الحائط القيم الأخلاقية مقابل حاجاته الغريزية والمادية التي صارت ذريعته لذبح الأخلاق ذبحا. ففي جريمة السطو على سوق مليلية اختلط الحابل بالنابل ، والدراع بالحاسر ،حيث مارس السطو اللصوص المحترفون ، والهواة ، وشباب لا يمتهن اللصوصية ، ولكنه غير محصن دينيا وأخلاقيا ، فوجد الفرصة سانحة لإشباع حاجاته من المواد المسروقة التي أغرته كشباب من قبيل الأحذية الرياضية الباهظة الثمن ، والأقمشة المغرية بسبب الوصلات الإشهارية الغربية . وعشية فضيحة السطو على سوق مليلية شوهد العديد من الشباب في الأحياء الشعبية يرتدون الأحذية الرياضية والقمصان ذات القيمة ، والتي لا قبل لهم بها ، ولا طاقة لهم لشرائها مما يعني أنها إما سرقت ، وإما بيعت كمسروقات بأثمان بخسة، مع علم من اشتراها بذلك عن سبق إصرار. وتورط بذلك الجميع في فضيحة السطو والسرقة ،التي شوهت سمعة المدينة ، وكشفت القناع عن هشاشة منظومتنا الأخلاقية ، وأذهلت المسؤولين عن الأخلاق حيث صار شباب المدينة بين عشية وضحاها شبابا يتعاطى السرقة والسطو بشكل مباشر أو غير مباشر. ولقد آلمني سؤال أب سألني بعد نهاية موعظة رمضان عن جلب ابنه لسلعة من سوق مليلية، وزعم له أن النار كانت توشك على التهامها فتدخل لإنقاذها ، ولكن عوض أن يسلمها لأصحابها احتفظ بها غلولا ، وحاول مخادعة والده لشرعنة السرقة أو المسروق ، وراح الوالد المسكين يلتمس الفتوى الشرعية في المسروق . إن فضيحة السطو والسرقة في سوق مليلية كانت مناسبة لوضع المشتغلين بالتربية سواء كانوا دعاة أو مربين ، أو أولياء أمور ، أو مسؤولين أمام حقيقة فشلهم الذريع في تربية النشء التربية السليمة ، والتربية على التدين الصحيح ، وعلى المواطنة السليمة ، وعلى ما يسمى السلوك المدني مما تضج به وسائل الإعلام يوميا ، والمؤسسات المختصة بالتربية ، وتصم الآذان دون فائدة أو طائل . وبهذه الفضيحة اقتحمت حرمات العديد من البيوت، وصارت أوكارا للسرقة ، والسطو والتطبيع معهما. وأمام هذا الوضع لا بد من تحرك كل الجهات المسؤولة عن التربية لمعالجة الوضع بشكل جذري . وأول خطوة في هذا الطريق هو محاولة استرجاع الثقة التي فقدها الشباب في كل المؤسسات المختصة بالتربية ، وفي كل المشتغلين بها لتطبيعهم من جديد مع قيمنا الأخلاقية. ولا بد من تظاهرة في المدينة تحت شعار: إعادة المسروقات ، والمساهمة في تعويضها من أجل إنقاذ سمعة المدينة ، ومن أجل إنقاذ القيم الأخلاقية المذبوحة بشكل فظيع. فتظاهرة من هذا النوع من شأنها أن تعطي الانطباع بأن ساكنة مدينة وجدة لا زالت تحتفظ بصلتها بقيمها الأخلاقية ، وأن جذوة الضمير لا زالت متوقدة فيها. وعلى المجتمع الوجدي أن يعبر عن التكافل الاجتماعي الإسلامي مع الأطراف المتضررة ، وهو المجتمع الذي ألف الإنفاق على المشاريع الخيرية بسخاء ،لأن من التجار المتضررين من لا يستطيع حتى إعادة بناء متجره المحترق، بله يستطيع تعويض سلعته المحروقة أو المسروقة . فهذه لحظة تاريخية ، ومفترق طرق ، فإما أن يذهب المجتمع الوجدي بذهاب أخلاقه ، فيصير في خبر كان مع الأحاجي ، أو يستعيد عافيته الأخلاقية ووجوده واستمراره . والأمر بيد الساكنة في هذا الظرف الدقيق إذا ما أرادت إنقاذ قيمها الأخلاقية المهددة بشكل خطير وغير مسبوق . وعلى المسؤولين عن المقاربة الأمنية أن يستأصلوا شأفة السرقة والسطو ليس فقط من خلال إلقاء القبض على اللصوص المحترفين ، وإحالتهم على إصلاحيات ثبت أن أساليبها في الإصلاح فاشلة ،وغير مجدية ،و مشجعة على التمادي في الجرائم ، بل لا بد أيضا من محاربة الجهات التي تقتني منهم المسروقات ، وتعيد تسويقها إلى درجة أن بعض الضحايا الذين تسلب منهم أمتعتهم، خصوصا الهواتف الخلوية يلجئون إلى تجار المسروقات من أجل استرجاعها من خلال دفع ثمنها مرة أخرى . وعلى الذين يمنعون بعض الدعاة من القيام بواجبهم التربوي الديني أن يراجعوا قراراتهم الخاطئة. فعلى سبيل المثال لقد كان الداعية الأستاذ عبد الله النهاري مربيا بامتياز في الحي الحسني ، وعلى يده عاد العديد من الشباب المنحرف إلى جادة الصواب بفضل دروسه وخطبه . وتوقيف هذا الداعية لأسباب واهية يعتبر إجهازا على دور المسجد في تربية الناشئة والشباب ، وإجهازا على القيم الأخلاقية من أجل إشباع نزوات سادية عند بعض الجهات التي تخشى من تأثير القيم الأخلاقية الدينية في المجتمع ، ليظل هذا المجتمع عرضة لكل ما هب ودب من قيم دخيلة فاسدة ومفسدة. فالجميع في مدينة وجدة مسؤول عن إنقاذ قيمنا الأخلاقية ، ولا مجال ولا مكان للسكوت والتفرج لأن المدينة عبارة عن سفينة يمتطيها الجميع.

فضيحة السطو على سوق مليلية كشفت القناع عن إفلاس قيمنا الأخلاقية
فضيحة السطو على سوق مليلية كشفت القناع عن إفلاس قيمنا الأخلاقية

محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz