فرنسا والمغرب:في الليلة الظلماء يفتقد البدر / رمضان مصباح الإدريسي

470420 مشاهدة

 وجدة البوابة: رمضان مصباح الإدريسي/  فرنسا والمغرب:في الليلة الظلماء يفتقد البدر 

دولة الإسلام في فرنسا:

لعلها،بمعنى ما ،غنيمة حرب؛اقتطعتها فرنسا الكولونيالية من مستعمراتها السابقة،خصوصا في شمال إفريقيا،حيث ظلت الجزائر-مثلا- مقاطعة فرنسية لمدة قرن وثلاثين عاما.(في إحصاء أجري سنة 1906حُددت نسبة المسلمين بفرنسا في10%

أي3.9مليون ؛من أصل ساكنة فرنسية إجمالية تصل إلى 39مليون نسمة.لاغرابة في هذا مادام الإحصاء غطى حتى ساكنة الجزائر المسلمين).

طبعا  بداية الوجود الإسلامي في فرنسا  ضاربة في القدم؛فهي تعود الى القرن الثامن الميلادي؛حين توغل المسلمون،بعد أن استتب لهم الأمر بالأندلس، في الجنوب الفرنسي،وصولا الى Toulouse.ورغم أن معركة بلاط الشهداء(بواتيي) وضعت حدا لطموح، و حتى حياة القائد عبد الرحمن الغافقي- سنة 732م- ضمن ثلة من خيرة الفرسان ، في مواجهة  “شارل مارتل” على رأس تحالف فرنسي جرماني أوسترازي ،فان أعدادا مهمة من المسلمين تواصل تواجدهم في بعض مدن الجنوب،وبصفة خاصة مدينة Narbonne  التي ظلت خاضعة  لهم من 719م الى 759م.

وبعد انتهاء الوجود الإسلامي في الأندلس اتجه بعض الشتات الموريسكي المسلم صوب فرنسا ،هروبا من شطط محاكم التفتيش.

هي دولة للإسلام إذن ،لها ما يسندها حتى من  التاريخ.دولة تكاد تتوفر لها حتى  المقومات القانونية  للدولة الحديثة:الشعب-الإقليم –السلطة.

ساكنة مسلمة مغاربية تتراوح بين 5 و 6ملايين،يصل عدد الحاملين للجنسية الفرنسية،منهم،الى ثلاثة ملايين ونصف؛حسب تقديرات مؤسسة “مونتاني” المنشورة سنة2004. لا يوجد رقم رسمي لأن القانون الفرنسي يمنع التصنيف الديني في عملية الإحصاء. و حسب “ميشال تريبالا” فان 80%من مسلمي فرنسا من أصول مغاربية:43.2%  جزائريون،27.5 %مغاربة،11.4%تونسيون.البقية من إفريقيا السوداء(9.3%) وتركيا(8.6%).

تواجد كثيف جدا لهذه الساكنة في ضواحي المدن؛وإذا أخذنا بعين الاعتبار تعاقب أربعة أجيال على هذه الخرائط البئيسة- مقارنة بالمراكز- فإنها تترسم ،ولو في المخيال فقط،ترابا إسلاميا. أخيرا استشاطت عمدة باريز غضبا وهي تكذب القناة الأميركية “فوكس نيوز”،وتعتبر أن ما أوردته من كون بعض الضواحي الباريسية  يمنع دخولها على غير المسلمين ،يعتبر اهانة لباريس و للدولة الفرنسية.  المنع هنا اجتماعي ثقافي ،وهذا لا يمكن أن ينكره أحد؛فحينما شبه الرئيس الفرنسي السابق “ساركوزي” ساكنة الضواحي – ذات اضطرابات ومواجهات مع الشرطة- بسقط المتاع “racaille،واعدا الفرنسيين بالخلاص القريب،كان يصدر عن وضع نفسي وثقافي قلق ؛في مواجهة الآخر الفرنسي “اللايت”.

أما في  ما يخص مقوم السلطة،فان مسلمي فرنسا – رغم تجنسهم أو اكتسابهم للجنسية- لم تتوفر لهم ،لاعتبارات ذاتية وموضوعية،كل شروط الاندماج في المجتمع الفرنسي .إذا أخذنا بعين الاعتبار ،فقط، المرجعية الدينية والثقافية،وجغرافية الضواحي المغلقة،ومحدودية الفعل التربوي الفرنسي الهادف ،فان كل أمل في الانصهار يتلاشى. تستثنى هنا شريحة المسلمين التي أتيحت لها الفرص لامتلاك مؤهلات حققت بها رقيا اجتماعيا جيدا؛وصولا إلى مواقع الصدارة في مختلف المجالات السياسية ،العلمية والاقتصادية..

وعليه فقد توفرت ظروف ظهور سلطة  دينية  في الضواحي على هامش السلطة الرسمية في المركز؛ولم تنتبه فرنسا إلا متأخرة لضرورة تدبير الإسلام فوق ترابها،لتضع حدا للتطاحن المرير ،من أجل الصدارة والهيمنة بين التيار السني  المعتدل،حيث تتنافس المملكة المغربية مع الجمهورية الجزائرية؛والتيار السلفي المشرقي ،المدعوم من طرف  دول الخليج.

في سنة 2012قدر السوسيولوجي سمير أمغار عدد السلفيين ،بفرنسا،ما بين 12000 و15000؛معتبرا أن قلة منهم جهاديون.أما الجهاديون الفرنسيون الممارسون فعلا ،في سوريا وفي العراق؛أو الناشطون في مجال الاستقطاب للجهاد، والترحيل،فيقدر “برنار كازانوف”عددهم ب2000.

تؤكد هذا الأرقام أن “دولة الإسلام” في فرنسا آخذة في بناء قواتها الخاصة؛وقد أبان  الإرهابيان الأخوان كواشي،عن مستوى قتالي كبير،وهما يواجهان رجال أمن غير مجهزين ،وغير مدربين على القتال العسكري؛وهذا بشهادة عسكريين كبار.  ومما يدل على مدى خطورة هذه القوات ،نشر فرنسا أخيرا لقوة تصل الى 12000 عسكري،في قلب المدن الفرنسية؛لتعزز قوات الأمن والدرك،وبقية الأجزة.  وحينما نستمع الى رئيس الحكومة الفرنسية “مانييل فالس” وهو يصرح بأن تتبع 3000 من المتشددين الإسلاميين الفرنسيين ،عن قرب، ضرورة ملحة ومستعجلة؛نقتنع بأن أمام الشعب الفرنسي،وضمنه المسلمون المعتدلون ،أياما عصيبة.

ولدولة الإسلام هذه مؤسسات للتأطير الديني ،تتمثل في المساجد والمراكز الثقافية والجمعيات الدينية الخيرية؛فحسب احصايات الداخلية الفرنسية ،لسنة 2012،فان قاعات الصلاة تصل إلى 2449.يتضمن هذا العدد مساجد كبيرة بمآذن ،عرفت طفرة بناء واضحة ،بدءا من سنة 2000.إذا اعتمدنا رقم ثلاثة ملايين مسلم ،فان  حصة كل مكان عبادة هي1200 مُصَل.

(للمقارنة ،توجد بفرنسا 40000  كنيسة ،يمارس بها 11مليون مسيحي كاثوليكي:أي كنيسة واحدة ل 275 ممارس)

أما البنية الاقتصادية لهذا الحضور الإسلامي القوي في فرنسا،والمشتغلة،بالخصوص، ضمن المد السلفي الاخواني،والوهابي،  المشرقي،فيكتنفها  الكثير من الغموض . هناك مؤشرات على سيولة مالية كبيرة تتدفق على الجمعيات والمساجد والأئمة والدعاة ؛مما يشكل ميدانا لاقتتال آخر تُعِد له فرنسا عدته،حسب ما يكشف عنه النقاش الحالي.

أما الأئمة  والدعاة  المتطرفون فلا أحد بوسعه – فرنسيا- أن يكشف عن أرصدتهم المعرفية الشرعية، ليقف على مدى استثمار الجهات المسخرة لهم – أو الداعمة فقط- في تخريب الجمهورية العلمانية  من الداخل؛والإجهاز حتى على  الجهود الضعيفة التي تبذلها لتحقيق الاندماج .  لا يُخفي الأئمة التابعون للمجلس الفرنسي ضعف حجتهم في مواجهة مد أصولي جهادي فرنسي رافض لكل هيكلة رسمية للحقل الديني.  حتى المعرفة الدينية الضرورية- حتى لا نقول العميقة- لم تعد مطلوبة؛فما يُستثمر في الاستقطاب الجهادي شيء خارج مساحة الدين واللغة.  لقد قيل للأخوين كواشي بأن هناك نصوصا مقدسة تضمن لهما الجنة إن جاهدا في “شارلي ” ففعلا.  من المغني الرابور إلى المجاهد العابر صوب الحور العين.

أما “كوليبالي” وحياة بومدين فقد انتقلا بسرعة فائقة من وضعية إلى نقيضها ؛وقد بدت الفتاة في كامل حجابها –بعد عري تام في أحضان العشيق- وهي متجهة صوب سوريا؛ لِتُزف أميرة داعشية هزمت فرنسا في عقر دارها،وسخرت من استعلاماتها.

إذا أضفنا الى دولة الإسلام هذه –أو إمارة فرنسا في بلاد الغال،كما تفضل داعش-عددا يتراوح بين 70.000  و110.000 من معتنقي الديانة الإسلامية ،من الفرنسيين الخُلص – ارتدادا عن المسيحية أو الإلحاد أو غيرهما- ومنهم جهاديون ،حاليا،في سوريا والعراق فان مستقبل فرنسا –ومعها بعض دول أوروبا- سيكون  مختلفا عن تصورات قادتها وسياسييها ومثقفيها؛وهذا ما يفسر تنادي الغرب الليبرالي لمسيرة باريس العالمية؛مما يفوق حجم جريمة كان يمكن أن تطوى كسابقاتها.

لقد لاحت من الآن كتابات – وعمل روائي- تتوقع ازدياد النفوذ والانتشار الإسلامي في فرنسا؛وصولا إلى الرئاسة .

ألم يفعلها السود في أميريكا؟   فطوبى لفرنسا بغنيمتها الغريمة.

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر:

بعد كل هذا على فرنسا أن تدرك أنها لم تعد تملك  ترف  الإطلال على المملكة المغربية – السنية الأشعرية المالكية- من أعلى برج “إيفل” .إن النوستالجية الكولونيالية انتهت، واقعا وتاريخا؛وعليها أن تموت وتزول من الوجدان الفرنسي.

لايبدو أن فرنسا ،القديمة والحالية ،تجهل الثقل الديني الذي تشكله المملكة في شمال إفريقيا،وما وراء الصحراء.إنها تعلم – على سبيل المثال فقط- أن هذا الثقل هو الذي أرغمها في نهاية المطاف على مغادرة مستعمرة الجزائر.وقبل هذا فهمت حق الفهم – حسب أرشيفها الكولونيالي في الجزائر- لماذا هب الغرب الجزائري الى مبايعة  سلطان المغرب عقب اندحار الأتراك في الجزائر سنة1830م.وهي تتتبع اليوم عودة إمارة المؤمنين الى الخرائط القديمة ؛دفعا للتنظيمات الإرهابية في

الشمال المالي .ولو تأتى لها الدعم الجزائري ،بالخصوص،لكنا أمام أوضاع جيوسياسية  أخرى.

لا شوفينية في هذا ،مادام حتى رجال  ونساء الدولة الفرنسيين(ساركوزي،باسكوا،داتي،وغيرهم ) يسجلون على “فرونسوا هولاند” خسارته في الملعب المغربي. إن المسألة هنا تتجاوز ما يمكن أن تقدمه المملكة  لفرنسا “المسلمة”من دعم استعلاماتي قيم ؛ما دامت حرب الدولتين على الإرهاب –وليس الاعتدال- واحدة.  السند القوي عند اسبانيا التي عرفت كيف تستفيد من الجفاء الحالي.

إن الأمر يتعلق بقوة ناعمة soft power سبق أن بسطت فيها القول. قوة تاريخية  يمتلكها المغرب ،كما تمتلك فرنسا حاملة الطائرات “شارل دغول”، ودوغول نفسه.  يكفي أن تعمق فهمها لمسلميها لتعرف أن المغاربة منهم يتميزون ،غالبا،عن غيرهم في تدينهم ،وفي احترامهم لقوانين الجمهورية.  يتعلق الأمر هنا بإستراتيجية مغربية متكاملة ،تتأسس على عدم موت الجنسية المغربية،وهي تتضمن الهوية الدينية للبلاد؛وقد اختارت منذ قرون أن تُحكم – اجتهادا-الاكراهات الجغرافية في الدين .من هنا تميزنا عن الفقه القتالي للشرق ؛الذي خضع ،بدوره، لاكراهات جغرافية استباحها المغول، وهم يعيثون فسادا في زهرة المدائن بغداد.  

إن إسلام الأندلس ،وعلى مدى قرون،تخرج من القرويين ،ومن الأكاديمية الصوفية المغربية؛ولم يثمر في شبه الجزيرة الأيبيرية غير الحضارة والانفتاح على كل الشعوب والملل والنحل .

كيف تغفل فرنسا اليسارية عن كل هذا ؛وهي تخوض ،حاليا،في نقاشات لا تنتهي ؛لكنها لا تتجاوز المقاربة الأمنية ،ومراجعة  التراخي القانوني؛ ورباطة جأش هولاند،وهو يدير موقعة شارلي،وكأنهم كانوا يتوقعون منه الفرار.

بوسع فرنسا والمغرب – قبل الطوفان- فعل الكثير ؛فرنسيا،مغاربيا وإفريقيا،شريطة القطع مع الشطحات الظرفية المتمردة على التاريخ المشترك.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz