عوسج الأستاذ ونائب طاطا: لنفهم بعض الفشل التربوي

179954 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “عوسج الأستاذ ونائب طاطا: لنفهم بعض الفشل التربوي”

تحية لهسبريس:

اذ انتقلت الى فيافي “فم زكيد” لتقف على “لاتمدرس” أربعة عشر طفلا وطفلة،من أبناء المغاربة الرحل، أهل الوبر والشعر ؛الضاربين في عمق الصحراء الخلاء،وفي عمق تاريخهم وحاضرهم ،الذي جعل منهم هبة الله الآدمية لقطعان الماشية ؛ كما تندر حكيم إفريقيا الراحل أمادو هامبتي با ؛وهو يصف قبائل “البُهل” المالية ،التي ارتبط وجودها بالأبقار.

 

هؤلاء ،أهل الصحراء والظهراء،الذين لا يسوسون القطعان رعيا فقط؛وإنما يحسون بها ويفهمون عنها ،لا أحد يقترب منهم ، لا ليتعرف- من فوق- عن معاناتهم فقط ؛وإنما ليشعر  بها مُخالطا:

راحلا،راعيا،مريضا  ممددا ،ولا مشفى إلا بخرط القتاد ،ومعافى سامرا يرعى القمر بليل، كما يرعون ويتغنون.

رابط الشريط ،ولا تخافوا فإرهابه تربوي فقط:

أبناء الرحل خارج قاعة التدريس

من قال ان المدرسة لا يمكن أن ترعى أبناء الرعاة ؟

كنت أنتظر من السيد النائب الإقليمي ،بنيابة طاطا،رغم أنه يبدو قريبا من التقاعد،ألا يختار استقبال الكاميرا في مقر النيابة ،وموضوع الحوار التربية الراحلة في اثر مواطنين رحل.كان عليه أن يتحدث من داخل الخيمة التربوية،في شعاب الجبال الجرداء ،وضمن مدرسيها ،ليتأكد المشاهد من عدد التلاميذ .أما أن يلقي الحبل على الغارب،ويقول ،بلامبالاة غريبة: لا يمكن للوزارة أن تسخر إمكانيات كبيرة من أجل تلميذ واحد؛والحال أن أسرة واحدة من الرحل تدلي بأربعة عشر ،فهذه قمة الغرابة إن لم أقل الغباء؛لأن ما حرك الكاميرا لم يكن الواحد والاثنان ،بل العشرات من التلاميذ؛أو قل “البدون” تعليم.

ومن المفارقات أن النائب لا ينكر مجهودات الوزارة في تربية وتعليم أبناء الرحل ؛وبهذا يلف الحبل على عنقه ،ويبرهن للمشاهد على أن الفشل التربوي إقليمي محلي.

هذا نموذج للإدارة التربوية  المتخاذلة ،التي لا يمكن لأي إصلاح تربوي تكويني أن ينجح ،وليس له من العجلات سواها.  سبق لي أن ذكرت ،في موضوع سابق،أن القنطرة الأساسية ،في المنظومة التربوية ، والتي لم ينتبه لها المرحوم مزيان بلفقيه،رغم أنه مهندس قناطر،هي الإدارة التربوية.

أعيدوا مشاهدة الشريط ،وركزوا على الكيفية التي يتحدث بها كبيرها ،في طاطا ، عن تمدرس الأطفال الرحل بإقليم  يشكلون فيه نسبة مهمة.كأن الرجل في إحدى نيابات البيضاء ،ويطل من عل على أهل الوبر والشعر ،الراحلين على الدوام.

أيها النائب الكسول لو كانت الخيمة التربوية موجودة و كبيرة لقصدها التلاميذ،ولو قدموا من كل فج عميق ؛ولا عليك أن تسكنهم ولو في داخليات من خيام ،فهم لها ،من المهد إلى اللحد. العيب أن تتحجج بالبهتان وتغمط الأبرياء حقهم في تمدرس بتشريعه وميزانيته.

الأغنام لا نقابة لها:

قالها من يفهم عن الأغنام ،بكل عفوية،و لاعلم له حتى بنقابة الحمير التي شاركت في غزوة ذات الحمير. “ماعندها والو غير حنا”.هكذا فضل الشيخ الطاعن أن يتحدث ،في الشريط،عن الأغنام بدل تمدرس الأبناء ؛إذ يراه – وأعرابي الوزارةبالباب- كحليب اللبؤة.

وقد تحدث آخر ،مكذبا السيد النائب،جملة وتفصيلا ؛وهو يدلي ،بقدرة الرحل الرهيبة على التناسل.جمع في زريبة أحجار أزيد من فريق لكرة القدم. قسم كامل لا ينتظر غير الخيمة والأستاذ.

وتلمس في حديث الرجل صبرا على مكاره المجال ،من جفاف وسُم ،وتجهيل الأبناء من طرف نظام تربوي ,لا يتسم بالحزم في اختيار رجاله الذين يطيحون بالصعاب ولا ينكصون .بدا واعيا بأهمية التمدرس ؛وهو المجال الوحيد الذي يمكن أن يربط  هؤلاءالرحل بالدولة،ويحقق التنشئة الاجتماعية المنشودة.

عوسج الأستاذ يدخل على خط الشريط:

خلْف الاسم “المستعار’ أستاذ حقيقي ،برقم تأجير وعنوان الكتروني ،وبرقم معاملات ،لا يضاهى،في بورصة التطوع التربوي.لقد شاهد ،كما شاهدت الشريط؛وتأثر به ،وكان أبلغ مني في المقاربة و الحل معا:

استمعوا اليه يتحدث ،كما يتحدث الكثير من نساء ورجل التعليم ؛أهل الرباط التربوي ،الواقفون على الثغر :

يقول عوسج بالحرف:

2 – عوسجالاثنين 30 شتنبر 2013 – 22:38

أنا استاد التعليم الثانوي التاهيلي ، سبق ان درست بالاعدادي..لي تجربة متواضعة تتجاوز 25 سنة في التدريس ..اعلن من هدا المنبر عن استعدادي للتطوع من اجل تدريس هؤلاء الاطفال اللغة العربية والفرنسية للمرحلة الابتدائية ، واتمنى ان يصاحبني متطوع لمواد اخرى كالرياضيات وغيرها على ان نتعاون في انجاز مهمتنا..راجيا ان يمنح هؤلاءعند بلوغهم المرحلة الاعدادية والثانوية في احدى النيابات القريبة التي يختارونها..ولا اطلب تعويضا عن عملي سوى ما اتقاضاه في راتبي الحالي ..ومستعد لمرافقة هؤلاء والتكيف مع حياتهم كرحل ، بل وبامكاني تلقين ابائهم وامهاتهم دروس في محو الامية والتربية الاسرية بدون مقابل ولا اي تعويض..واقبل ان يكون عملي تحت اشراف نيابة قريبة من الجهة التي يتواجدون بها كلما تم تنقلهم وبتأطير ومساعدة من مفتش تربوي..من خلال اطلاع المسؤولين على سير العملية او التواصل معهم كلما دعت الضرورة او وفق مخطط زمني مناسب للزمان والمكان.اتمنى ان يتحقق مطلبي واتمنى من الوزارة او احدى النيابات التي يهمها هدا النداء الاتصال بي عبر البريد الالكتروني المسجل لدى هسبريس.واني جاهز ابتداء من هدا الموسم.

 لنفكر الآن جميعا في نموذجي النائب والأستاذ عوسج:

كيف ينهار نظام تربوي فيه عوسج وأمثاله؟  وكيف يمكن أن ينهض من كبواته وفيه مثل نائب طاطا؟

من هنا بداية البدايات في الإصلاح: الإدارة التربوية وهيئة التدريس.

هل تعتقدون أن عوسج يصدر ،في تطوعه هذا،عن تكوين تلقاه في مركز من المراكز التربوية؟لا أعتقد ذلك، فأغلب وحدات التكوين نظرية ،تمتح من واقع تربوي آخر غير واقع أطفال فم زكيد.وهنا مشكل كبير ساهم فيه ،عن حسن نية،منظرونا التربويون ،القادمون من كل عواصم الثراء التربوي العالمي ،إلا مضارب الخيام ،ومرابع الساكنة القروية في السهول والجبال.ومن في جيبه تذكرة سفر

الى تخوم الصحراء والجبال المغربية الشماء فليكذبني.

عوسج يمتح من دفق إنساني رضعه ،فيما رضع من حليب الأم؛ولهذا اختارته مهنة التعليم ولم يخترها.عشقها كيفما تبدت ،ولو قاسية مع رحل طاطا الذين بخل عليهم نائبهم بما بين يديه من إمكانيات الدولة.بُخل بطعم الاغتيال حينما يتلذذ بتجهيل جيل كامل ،حتى لا يلد الرعاة غير الرعاة.

لقد شدتني،أخيرا، الكاتبة “بويبادرن” إلى طفولتها الأطلسية ،وهي تقاتل الصقيع لتقوى على الإمساك بهذا القلم الذي وصل إلى القراء ،بعد تغريبة طويلة في شعاب الجبال.كبرت وكبر معها القلم ؛ولولا

مدرس هبط على القمم الثلجية وبث الدفء فيها بإبداعه التربوي ،ما قرأنا ما قرأناه.

هاهو مدرس آخر من نفس الطين والحليب يعبر عن استعداده للرحيل مع الرحل ،ككل علماء زمان الذين رحلوا ،حيثما توسموا العلم والمشيخة.

يلقي النائب كلماته الجوفاء دون أن يستحضر أنها سلاح دمار شامل لجيل بأكمله.

حينما اطلعت على منهجية العمل التي اختطها المجلس الأعلى للتعليم ،أخيرا،تملكني نوع من اليأس لأنني تذكرت المئات من الاستشارات التي نظمتها الوزارة ،وتذكرت الطريقة التي كانت تعبأ بها الاستمارات ؛وتذكرت بصفة خاصة مدير إعدادية  في وجدة ،أخرج لي من درجه،وهو يبتسم، رسالة ثناء من الوزارة ،على سهره على تعبئة أطر مؤسسته للاستمارة الوطنية الأخيرة.فسر ابتسامته بكون رزم الاستمارات لا تزال بمكتبه ؛وأرانيها مركونة.

لن يصلح التعليم الا رجال من طينة الأستاذ  عوسج ؛رجال يبادرون ويعملون ،ولا ينتظرون مكافأة

عدا لذة العمل ،والإحساس العميق بجدواه.

“أيها الوالي بقم قد عزلناك فقم” ياليتها تصلك أيها النائب بطاطا ،وياليتها تصل كل المسؤولين التربويين الذين يحجبون رجالا مثل عوسج، وأطفالا مثل أطفال فم زكيد.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

1 تعليق على "عوسج الأستاذ ونائب طاطا: لنفهم بعض الفشل التربوي"

نبّهني عن
avatar
الساهلي الورادي
ضيف

بارك الله في قلمك السيال و اسلوبك الممتع و اسنعاراتك الشيقة
حري بكل صاحب قلم ان يتعلم من مدرستك اصول الكتابة

‫wpDiscuz