عوامل التجاسر على القيم الدينية في دول الربيع العربي

11740 مشاهدة

وجدة البوابة: محمد شركي

عوامل التجاسر على القيم الدينية في دول الربيع العربي

توجد فرضيتان لتفسير ثورات الربيع العربي : الفرضية الأولى تنفي صفة الثورة عن حراك الشعوب العربية ، وتعتبر هذا الحراك مدبرا من طرف قوى خارجية غربية لها مخطط لإعادة تقسيم الوطن العربي كما كان الشأن أثناء الحركة الاستعمارية في القرن الماضي من أجل ما تسميه مصالحها الاستراتيجية. والفرضية الثانية تقول بأن حراك الشعوب العربية عبارة عن ثورات حقيقية ضد استشراء الفساد بكل أنواعه وأشكاله بسبب استبداد وطغيان الأنظمة الخاضعة للغرب والحامية لمصالحه الاستراتيجية.

والذين ينفون صفة الثورة عن الحراك العربي يحتجون بسرعة خفوت هذا الحراك، وسرعة أفول الربيع، وهيمنة الثورات المضادة المنقلبة عسكريا أو حزبيا على التغييرات السياسية الحاصلة بعد الحراك.أما الذين يتشبثون بفكرة ثورية الحراك فإنهم لا ينكرون  فكرة الثورات المضادة، ولكنهم يرونها مؤامرة خارجية غربية اشتركت فيها أنظمة عربية من أجل الإجهاز على مكاسب الحراك وعلى رأسها وصول أحزاب ذات توجهات إسلامية إلى مراكز صنع القرار، الشيء الذي لا تقبله القوى الغربية العلمانية المصرة على عولمة علمانيتها وفرضها بالقوة لتكون النموذج العالمي الوحيد الذي لا يقبل المنافسة، ولا يسمح بها البتة خصوصا عندما يكون المنافس هو ما يسميه الغرب الإسلام السياسي.

ومن أجل التوفيق بين وجهتي النظر المختلفتين بخصوص الحراك العربي أهو صناعة غربية أجنبية أم انتفاضة حقيقية ضد الفساد؟ نقول على افتراض أن الأمر يتعلق بصناعة غربية فإن استعداد الشعوب العربية للثورة كان موجودا، والسبب واضح وهو فساد الأنظمة. وإذا ما صحت فكرة صناعة الغرب للحراك العربي بشكل أو بآخر تصريحا أو تلميحا ، فلا شك أنه كان يروم من ورائه خلق وضع سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي يخدم مصالحه الاستراتيجية، ويكرس عولمة علمانيته، وربما لم يكن يتوقع مفاجأة رهان الشعوب العربية على أحزاب ذات توجهات إسلامية أو كان يتوقع ذلك وقصد استدراج هذه الأحزاب للظهور على المسرح السياسي لتصفية حسابه معها ولتحقيق ما خطط له من تكريس للعلمانية المعولمة من خلال إفساح المجال للتيارات السياسية  العربية ذات الهوى العلماني.

وما حدث مباشرة بعد الحراك العربي سواء سمينا ذلك ثورات أم لم نسمه كذلك يؤكد تورط الغرب فيما حدث حيث تم تدبير انقلاب عسكري على حزب الحرية والعدالة المصري لأنه لم يكن هناك مناص من ذلك بسبب قوة وشعبية هذا الحزب التي عكستهما نتيجة الانتخابات الديمقراطية، ولأن التيارات العلمانية المصرية لم تكن في مستوى الوقوف في وجه هذا الحزب، لهذا أقحم الجيش المصري في السياسة لخلق الوضع السياسي الذي أراده الغرب في مصر خصوصا وفي العالم العربي عموما.

ويؤكد سكوت الغرب على الانقلاب العسكري على شرعية الحكم المدني الناتج عن لعبة الديمقراطية تورط الغرب في هذا الانقلاب. وعلى غرار الانقلاب على التجربة الديمقراطية في مصر حصل انقلاب من نوع آخر على التجربة الديمقراطية في تونس والذي  يمكن أن نسميه انقلابا سياسيا أو حزبيا رجح كفة التيارات السياسية الموالية للعلمانية الغربية، علما بأنها خسرت الرهان في الانتخابات الأولى التي أفرزت فوز حزب النهضة في غمرة الحراك الشعبي ضد الفساد. ولقد كان ترجيح كفة تلك التيارات مكشوفا إذ لا يمكن أن يخسر حزب النهضة موقعه في فترة وجيزة لم يحكم فيها بالمعنى الحقيقي، ولم يستوف مدة الفترة القانونية للحكم.

ولقد أجبر حزب النهضة التونسي على قبول التراجع بسبب الانقلاب السياسي والحزبي عن طريق التلويح بتهديده بما حصل لحزب الحرية والعدالة في مصر . ولقد خرجت تيارات سياسية في تونس تطالب الجيش التونسي بنهج نفس أسلوب الجيش المصري من أجل تعديل كفتها على حساب حزب النهضة الشيء الذي جعل حزب النهضة  يقبل بأقل ضرر ممكن. ولم تدخر التيارات السياسية العلمانية وغير العلمانية المناهضة لحزب العدالة والتنمية المغربي جهدا في محاولة إسقاطه على غرار ما وقع في مصر حتى أن زعيم حزب الاستقلال لم يخف رغبته في نكبة حزبي العدالة والتنمية المغربي والنهضة التونسي كما حدث لحزب الحرية والعدالة المصري بالرغم من اختلاف الحراك المغربي في أسلوبه عن الحراك المصري والتونسي.

وأمام يأس التيارات السياسية المغربية المنافسة لحزب العدالة والتنمية من  حصول ما حصل في مصر بل واستحالته، فإنها لا زالت تراهن على ما يشبه الانقلاب السياسي والحزبي في تونس لكن ليس بالشكل المكشوف الذي حصل في تونس والتي لم  يمارس فيها حزب النهضة حقه في الحكم على الوجه الصحيح بل عن طريق خوض جولة جديدة لاستحقاقات انتخابية جديدة بعد حملة انتخابية مسعورة وضارية انطلقت منذ أو وهلة نجح فيها حزب العدالة والتنمية، ولم تتوقف ضراوتها وكانت عبارة عن  حملات مكشوفة لتشويه سمعة هذا الحزب بل وتجريمه قصد ستعداء الشعب عليه بكل الطرق والأساليب الماكرة  والتنكر لمنجزاته وسوء تأويلها لتصير مثالب وسلبيات رغبة في عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحراك المغربي الذي كان ثورة على فساد  سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي سببه نفس التيارات السياسية التي تريد العودة في جو نجاح الثورات المضادة لثورات الربيع العربي.

ونفس الضغط الذي مورس على حزب النهضة التونسي بتخويفه من مصير حزب الحرية والعدالة المصري يمارس على حزب العدالة والتنمية المغربي للقبول بالتراجع لترجح كفة التيارات السياسية والحزبية المناوئة له، والتي يرضاها الغرب المتوجس مما يسميه الإسلام السياسي .ولقد سارع الغرب إلى خلط أوراق باقي البلاد العربية التي عرفت حراكا شعبيا كليبيا واليمن وسوريا والعراق، فراهن على  الفوضى لمنع حصول ما حصل في البلاد التي عرفت انتخابات ديمقراطية أفرزت  فوز أحزاب ذات مرجعية إسلامية ،وكان على علم ويقين  بحتمية فوزها أيضا في سوريا واليمن وليبيا والعراق.

ومن أجل ضمان الفوضى تراجع الغرب عن فكرة الإطاحة بالنظام السوري وغض الطرف عن دمويته وحتى عن استعماله للأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا، وعن قصفه المدنيين بسلاح الجو والبراميل الحارقة والمدمرة ، كما غض الطرف عن تورط دولة إيران وجبهتها المتقدمة في لبنان في حرب الإبادة ضد الشعب السوري منعا لوصول حزب ذي مرجعية إسلامية إلى الحكم خصوصا وأن للإخوان المسلمين في سوريا وزنا لا يقل عن وزن الإخوان في مصر. وحتى لا يكلف الغرب نفسه عناء انقلاب عسكري في سوريا على غرار ما حدث في مصر وكان مكشوفا وفاضحا  سكت عن جرائم نظام دموي وفضله بالرغم من دمويته وديكتاتوريته على ما يسميه الإسلام السياسي.

وانتهج الغرب في اليمن نفس الأسلوب المتبع في سوريا حيث غض الطرف عن تورط دولة إيران فيه من خلال دعم جماعة الحوثي الشيعية، كما غض الطرف عن حزب الرئيس الذي عزله الحراك، والذي تحالف مع الحوثيين لمنع حصول تغيير سياسي في اليمن كان لا محالة لصالح ما يسميه الغرب الإسلام السياسي. ونفس الأسلوب تم اتباعه في ليبيا توجسا من الإسلام السياسي خصوصا بعدما اتضحت معالم إسلامية الثورة على نظام القذافي حيث غض الغرب الطرف عن تورط متزعم الانقلاب في مصر في ليبيا إلى جانب اللواء الليبي المتقاعد المدعو حفتر من أجل منع حصول وضع سياسي لا يقبل به الغرب، ولا زالت المفاوضات جارية على قدم وساق من أجل تحقيق هدف الغرب في ليبيا.

وأما في العراق فقد غض الغرب أيضا تورط دولة إيران فيه من أجل تكريس الحكم الطائفي، علما بأن الغرب بغزوه للعراق جعل إيران تستبيح أرض العراق إيديولوجيا وعسكريا واقتصاديا وثقافيا منعا لوضع سياسي يكون وراءه أهل السنة أو ما يسميه الغرب الإسلام السياسي. ومن أجل التمويه على السياسة الغربية في دول الربيع العربي صنعت عصابات إجرامية تدعي انتماءها للإسلام مع أن ممارساتها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الإسلام براء منها، وذلك منعا لما يسميه الغرب الإسلام السياسي. وهكذا بثت هذه العصابات المصنوعة مخابراتيا من طرف الغرب في العراق وسوريا وانتقلت إلى ليبيا ومصر وتونس والجزائر بسرعة، وهي مجرد ذريعة يستعملها الغرب من أجل فرض الوضع السياسي الذي يريده في الوطن العربي من خلال دعم أنظمة  تخدم مصالحه الاستراتيجية.

ولقد صار الخلط متعمدا ومكشوفا بين ثورات الشعوب العربية المناهضة للأنظمة الفاسدة والمستبدة وبين الأعمال الإجرامية لعصابات مصنوعة مخابراتيا من طرف الغرب. وينكشف هذا الخلط في سوريا والعراق حيث لا يفرق الغرب بين ثورة الشعب السوري وأعمال عصابات داعش الإجرامية والتي تساند النظام الدموي بضرب الشعب السوري، كما أنه لا يفرق بين ثورة الشعب العراقي ضد النظام الطائفي خصوصا الأهالي السنة وبين عصابات داعش التي تساند النظام الطائفي وحشده الشيعي المتعصب في إبادة سنة العراق .

وبالموازاة مع الفوضى المسلحة التي يذكيها الغرب في  بعض دول الربيع العربي لمنع ما يسميه الإسلام السياسي من الظهور يدير فوضى فكرية في هذه الدول وغيرها من خلال تشجيع التجاسر على الإسلام عن طريق طرح قضايا مناقضة للقيم الإسلامية من قبيل تشجيع الشذوذ الجنسي والسفور والعري … وما شابه ذلك تحت شعار الحريات والحداثة … والحقيقة أن الفوضى الفكرية التي خلقها الغرب في بلاد الربيع العربي وكلها تدين بدين الإسلام لا تختلف عن الفوضى المسلحة من حيث هدفها وهو منع ما يسميه الغرب ظهور الإسلام السياسي في الساحة العربية.

ومن الأساليب الخبيثة المتبعة في إدارة الفوضى الفكرية اتهام كل من يدافع عن القيم الإسلامية بالإرهاب وإلحاقه بالعصابات الإجرامية المحسوبة ظلما وزورا على الإسلام، والمصنوعة مخابراتيا من طرف الغرب كداعش لتكون ذريعة  لتصفية الحساب مع كل من يعارض المشروع الحضاري الغربي في الوطن العربي، ويدعو إلى مشروع حضاري إسلامي. ولقد لاحظ العالم كيف ألصقت تهمة داعش بجماعة الإخوان المسلمين المعروفة بمناهضتها للعنف من أجل تبرير الانقلاب العسكري، ومن أجل تصفية أعضائها المحكوم عليهم أحكاما جائرة جسديا.ولو كانت جماعة الإخوان المسلمين ينهج أسلوب العنف لكانت لحزب اللات اللبناني وجماعة الحوثي التي كانت تدخر الأسلحة، ولما زج بأعضائها في السجون والمعتقلات، ولما أخليت الساحات منهم بالقوة دون مقاومة.

ولقد أصبحنا نسمع خصوم كل حزب ذي مرجعية إسلامية يتهمونه بالداعشية بدعوى أن عصابات داعش وهذه الأحزاب تنهل من نفس المنهل ألا وهو الإسلام. وهكذا نلاحظ تضافر عدة عوامل داخلية وخارجية في بلاد الربيع العربي من أجل التجاسر على القيم الدينية الإسلامية. ونتوقع أن ترتفع وتيرة هذا التجاسر حتى يتحقق هدف الغرب ألا وهو منع ظهور ما يسميه الإسلام السياسي على الساحة العربية والعالمية.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz