عن الوِزْر والتوزير والاستوزار

وجدة البوابة10 أكتوبر 2019آخر تحديث : منذ 7 أيام
عن الوِزْر والتوزير والاستوزار
رابط مختصر

جاء في “لسان العرب” لابن منظور: ” الوَزَرُ: المَلْجَأُ، وأَصل الوَزَرِ الجبل المنيع، وكلُّ مَعْقِلٍ وَزَرٌ. وفي التنزيل العزيز: كَلاَّ لا وَزَرَ؛ قال أَبو إِسحق: الوَزَرُ في كلام العرب الجبل الذي يُلْتَجَأُ إِليه، هذا أَصله. وكلّ ما الْتَجَأْتَ إِليه وتحصّنت به، فهو وَزَرٌ. ومعنى الآية لا شيء يعتصم فيه من أَمر الله. والوِزْرُ الحِمْلُ الثقيل. والوِزْرُ الذَّنْبُ لِثِقَلهِ، وجمعُهما أَوْزارٌ. وأَوْزارُ الحرب وغيرها: الأَثْقالُ والآلات، واحدها وِزرٌ؛ عن أَبي عبيد، وقيل: لا واحد لها. والأَوْزارُ: السلاح؛ قال الأَعشى: وأَعْدَدْت للحربِ أَوْزارَها: رِماحاً طِوالاً، وخَيْلاً ذُكُورَا قال ابن بري: صواب إِنشاده فأَعددتَ، وفتح التاء لأَنه يخاطب هَوْذةَ بن علي الحنفي؛ وقبله: ولما لُقِيتَ مع المُخْطِرِين، وَجَدْتَ الإِلهَ عليهم قَدِيرَا، المخطرون: الذين جعلوا أَهلهم خَطَراً وأَنفسهم، إِما أَن يظفروا أَو يظفر بهم، ووضعت الحربُ أَوْزارَها أَيّ أَثقالها من آلة حرب وسلاح وغيره. وفي التنزيل: حتى تَضَعَ الحربُ أَوْزارَها؛ وقيل: يعني أَثقال الشّهداء لأَنه عزّ وجلّ يُمَحِّصُهم من الذنوب. وقال الفراء: أَوزارها آثامها وشِرْكها حتى لا يبقى إِلا مُسْلم أَو مُسالم، قال: والهاء في أَوزارها للحرب، وأَتت بمعنى أَوزار أَهلها. الجوهري: الوَزَرُ الإِثم والثِّقْلُ والكارَةُ والسلاحُ. قال ابن الأَثير: وأَكثر ما يطلق في الحديث على الذنب والإِثم . يقال: وَزَرَ يَزِرُ إِذا حمل ما يُثْقِلُ ظهرَه من الأَشياء المُثْقِلَةِ ومن الذنوب. ووَزَرَ وِزْراً: حمله. وفي التنزيل: ولا تَزِرُ وازرَةٌ وِزْرَ أُخرى؛ أَي لا يؤخذ أَحد بذنب غيره ولا تحملُ نفسٌ آثمةٌ وِزْرَ نَفْسٍ أُخرى، ولكن كلٌّ مَجْزِيٌّ بعلمه. والآثام تُسمىّ أَوْزاراً لأَنها أَحمال تُثْقِلُه، واحدها وِزْرٌ، وقال الأَخفش: لا تأْثَمُ آثِمَةٌ بإِثم أُخرى. وفي الحديث: قد وضعتِ الحربُ أَوزارَها أَيّ انقى أَمرها وخفت أَثقالها فلم يبق قتال. ووَزَرَ وَزْراً ووِزْراً وَوِزْرَةً: أَثم؛ عن الزجاج. وَوُزِرَ الرجلُ: رُمِيَ بِوِزْرٍ”. . . . و هكذا تستفيض معظم المعاجم، والقواميس، والمراجع، والمصادر، والمظانّ في هذا الباب بما لا يسع أحمالَ وِقر. . وقيل إنّ ” الوِقر” هو مقدار ما يحمله الجَمَل فوق ظهره، ومنه المثل المأثور، والقول المشهور : فهمُ سطريْن خيرٌ من حفظ وِقريْن، ومذاكرة اثنيْن أحسنُ من هاتيْن . . ! وقيل إنّ الْوِقُرُ هو الحِمْلُ الثَّقِيل أو السُّحُب الحاملات للمطر، مثل المُزْنُ : السَّحابُ الذي يحمِل ماءً غزيراً . . !

التنافس المحموم ركضاً إلى دواوين ” الوزارة والتوزير والاستوزار” ها قد أمسى من أمارات الحرص على كراسي الاستمرار، ولا ضير، ولا ضرار، ارفعوا اللاّفتات، والشّعارات، واسمعُوا، وعُوا مرّةً ومرّات رنين العبارات المعسولة من حُلو البيان، وتواتر الوعود الموصولة طوع الجنان والأنامل والبنان، يتبادلون الهدايا، والورود، ويوزّعون العناقات بلا حدود. . !. إنهم يجولون، يصولون، يُحَدّثون، يقولون، يُحْدِثونَ دَأَباً، ولجباً، وصّخَباً . . إنه موسم تغيير الجلود وتبديل السِّحن، وإقصاء الملامات والمِحن، ها هي ذي الطلقة قد دوت في الأقاصي البعيدة فإذا الأحزاب تتسابق، وتتلاحق، وتتعانق، وتتخانق، يملأ مكاتبهم ودواوينهم ضجيجٍ، ونقع، وعجاج، وعجيج، القوم في حيرةٍ من أمرهم، في انبهار، وانشطار، وشدوهٍ، واندهاش، الكلّ ينظر، ينتظر، يرقب، ويترقب، وهم ما فتئوا يُهروِلون في كلّ الاتّجاهات، ويؤمّون كلّ السّاحات، لقد أزِفَ موعدُ التغيير، وآن أوان الامتناع عن بسط الأيدي والتبذير، والتغنّي والتباهي بالتقتير، ها قد دنا وقتُ المُواجهات، لقد بُحّت أصوَاتُهم، وتحشرجتِ حناجرُهم، وأُغدِقتْ العطايا، وركوب المطايا، وتفاقمت الذخائر، وتعالت الأنفس عن الدنايا والصّغائر، وخفقت الأفئدة، ونبضت القلوب، وطفحت الألسنُ، وفاض الجَنانُ بفيضٍ من المفاخر، وازدانت الدنيا بهالةٍ من الزّينة ورونق المظاهر، في كلّ المدن والحواضر، والأرباض، والضّيع، والمداشر. ها قد فتحُوا أعينَهم، وألبابَهم، وقلوبهم، إنهم يسعونَ لتسنّم أعلىَ المقامات، وأسمىَ المراتب والدرجات، ليصبح لهم القول الفصل في حظيرة هذا الوطن الغالي العزيز.

كانت للسّاسة دائماً الكلمات الرنّانة، والخُطب الطنّانة، فلا غروَ، ولا عجب فقد كان أجدادهم فيما مضى أسيادها، وأربابها، كانوا يكتبونها بماء الذّهب، ولكنهم لم يعرفوا كيف يحافظون على توازنهم، بعد أن جرفتهم تيّارات ” التسيّس” و رياح “التحزّب ” ومزّقتهم نياط الشقاق والنفاق، فصَعد من صَعد، وجَدّ من وَجد، وحَصَد من زرع ووعد، ناسين أو متناسين مصالحَ الشعب، غافلين أو متغافلين عن مشاغل الناس، وقضايا المواطنين، تراهم يدافعون عن آمالهم، وتطلعاتهم، وَتَوْقهم للآكام السّامقات، والمرتفعات الشّامخات، وتواترت مشاعرُهم، وتوتّرت معاناتهم بهدف الظفر في هذا السّباق، والفوز في هذا اللحاق، وبلوغ الأماني، و معانقة الأمالي والمعالي التي تتوالى نصبَ أعينهم بلا حسيب أو رقيب، إنهم ما فتئوا موثوقين إلى وعودهم السّابقة، وإلى كلّ ما سيطر وهيمن عليها منذ سنوات طويلة خلتْ، وعقود متعاقبة مَضتْ، منذ عقود انصرمت اتّسمت بإجادتهم للتفوّه بالكلام المُرصّع الجميل، واستعمالهم للحديث المُنمّق العليل، و هيامهم بالبلاغة المُوشّاة، حتى حادت بم المُواجهات السلمية الحضارية إلى مشاكسات حزبية ضيّقة حرصاً على توفير أكبر قدر من المصالح، الصّالح منها أو الطالح، ليس لتباين اختياراتهم لفحوى المضامين، بل في اختلافهم على أشكال النضالات، وتفانيهم في الذود عن حقوق المواطنين، وصَون متطلباتهم اليومية، والدفاع عن حاجياتهم الملحّة الضرورية، وعن كلّ ما هم حقيقيون، وجديرُون، وقمينُون به من القضايا، والحقوق، والسّجايا، والمنافع والمزايا، انهم مُدركون أنهم أحفاد بناة حضارة عريقةٍ في القدم، ولكنّها حضارة طغى عليها الكلام، تضاهيها، وتشابهها، وتدانيها مرتبةً حضارة الزّخارف المُنمّقة التي تظهر جليّةً مُجسّمةً في أعمدة بناءاتهم، وفى قِباب دورهم، وداخل الباذخ من بيوتاتهم، والسّامق من قصورهم، والمنيع من حُصونكم، إنّه التجسيد الحيّ لحضارة فنون القول، والصّياح ممّا شاع وذاع، وملأ الأسماع، من مُرهف الأنغام، ومُترف الأسجاع، في مختلف الضّيع، والبقاع، والأصقاع . !

لم يُغمض لهم جفن قيد أنملةٍ، ولم تأخذهم سِنةٌ ولا غفوة أثناء الأيام والليالي الخوالي، فمَنْ طلب المعالي، سهر الليالي، وأحجية فقهاء الجِدّ، والكدّ، والاجتهاد، والعلم، والتحصيل والإسناد، تقول على سبيل الدعابة والمزاح: “إذا أردتم الكرامة. . . فقولوا للكرامة “. . أيّ قولوا (للكرىَ مَهْ) . . ! ما زال البّعض فينا يعاني طغيان العواطف على العقول، واستئثار الأحاسيس عن الأفكار، وليس عيباً فيهم أن يكونوا بلغاء، أثناء هذه الأيام الأخيرة أثناء تطلعاتهم الحامية الوطيس، المشتعلة الأوار، لقد شنّفوا الأسماع، ودغدغوا الحواس، وألهبُوا الحماس في سباقهم المحموم إلى باحة القبّة المخمليّة الفيحاء، إلى مرتبة الصّدارة، من الغضارة الى الوزارة، فهذه مفخرة ومأثرة، وميمنة، ومبرّة لهم، ولا حرج فالخطابة فنٌّ عريق، وإبداع أنيق عند مختلف الأمم القديمة، وعند كلّ شعبٍ عريق مروراً بالآشوريين، والبابليين، والفنيقين، والرّومان، والعرب، والإغريق، ألم يفرد لها أرسطو كتاباً بعينه. . ؟ بلى إنه قد فعل. . ! ولا بدّ، ولا جَرَمَ، أنهم حفظوه عن ظهر قلب، وآلوْا على أنفسهم أن يُبلوا البلاءَ الحَسَن في طموحاتهم العميقة الغور، البعيدة المدىَ، وها قد فعلوا، عيبُ هذا الفنّ الذي يفخرون ويتبجّحون به أنّه قديم قدم الفلسفة أكلَ الدهرُ عليه وشرب، وغنّى ونامَ وطرِب، إنه يُضاهي فنّ المُسايفة الذي لم يعد له وجود بينهم سوى في مبارياتهم الرياضية الوطنية منها والدولية، وهي تكاد أن تكون حاضرة في كلّ وقتٍ وحين في خلافاتهم الكلاميّة، ومشاكساتهم اللفظية، وشنآنهم الأرعن، ونضالاتهم اليوميّة. حتى أضحينا غارقين في وحل الملل من هذه الكلمات المكرّرة المبتورة والمشروخة التي طالها الدرَن والوَهَن، وأصابها الكلس والدنس، وتراخت لُحمتُها، وأصبحت تثير في الناس، وفيهم، وفينا اشمئزازاً، وقرفاً، وتقزّزاً، وضَنكاً، وكدَراً، وسخرية، وتهكّماً، وازدراءً .

إنّها جعبة الأيام، أو لعبة “الشُطّار” التي يهيم بها الأنام، أو فلنقل لعبة “الشطرنج” التي يُغري فيها البعضُ ببيادق عديمة القيمة والجدوى، لينالوا مبتغاهم في تحقيق الأهداف الحزبية، وبلوغ الغايات السياسوية المنشودة للعودة إليه، أو الرجوع إليه، وقديماً، صدحَ تحت سماء أرض الكنانة صوتُ مُطربة الشّرق الرّقيقة “نجاة الصغيرة” (التي لابدّ أنها أصبحت اليوم كبيرة. . كبيرة في الشأن والمقام !). . عندما غنّت صادحةً ذات يوم تقول : (ما أحلىَ الرّجوعَ إليه). . !.

الحملات المُحتدمة الحامية لم تخلُ من مواجهات، واشتباكات وملاسنات، وتراشق بالأيدي والكراسي، ولم تُحترمْ، ولم يُراعَ فيها وخلالها أصول، وقواعد “لعبة الدّمقرطة” التي يتغنّى بها الجميع، ويبرع في تنميقها، وتزويقها، وتطويرها، وتمطيطها واستعمالها بكلّ ما أوتي من قوّة، وجَلدٍ، وبأس، وكثافة، وزخم، وبلاغة بدون هوادة في أحدث وسائل الإعلام، والتبليغ والإبلاغ، والاتصال والتواصل الاجتماعي عن طريق مختلف العناكب والشبكات الأثيرية التي تملأ رؤوسَنا، وتقتحم دورَنا، وتغشى مقاهينا، وتغمر قاعاتنا، وواحاتنا، وساحاتنا، وباحاتنا، وأجواءنا ليل نهار في ذلك العالم الأزرق الافتراضي المثير.

ناهيكم عن المآدب، والولائم، والعزائم، والملاحم، والمكارم، والحفلات، والسّهرات، والتجمّعات، والملتقيات، والندوات التي أقامتها الأحزاب السياسية في مختلف ربوع البلاد، وأرباضها، والتي دُعِيَ إليها كلّ الناس وكلّ العباد، حيث أجمعَ الجميع بالإجماع على أنها كانت فوق الوصف، وفوق التصوّر، وقد سَمَتْ عن كل نقدٍ، وعلتْ عن كلّ تعليقٍ، لأنها اتّسمت بأفخم مظاهر الزّينة والبذخ الباهظة، وبأفخر صور البهرجة الزائدة.

وقيّض الله لنا أن نتابع لقاءاتهم، وأن نرصد تحركاتهم، ونتابع مسرّاتهم، ونهنأ بسكناتهم، ونُصغي إلى هَرَجِهم، ومَرَجِهم، ونستمتع بمرَحِهم، وكان من نصيبنا من جرّاء حملاتهم السّابقة أن صَمّت آذاننا بزمّارات ومُنبّهات سياراتهم الفارهة، وحفلاتهم، الفاخرة، في مختلف رُبوع الوطن الغالي الحبيب من وجدة إلى طنجة. . ومن طنجة إلى الكويرة، وقد فعلوا كلّ ما في وسعهم، وأفرغوا كلّ ما في جُعبهم لبلوغ مبتغاهم ومرامهم، و تحقيق رغباتكم، وأحلامهم، وأهدافهم، وإدراك مآربهم.

ها قد دنا يومُ الحَسْم، وأزفت ساعةُ الصّفر وتعرّفنا على ما كان في طيّ المجهول وخبايا الكتمان، من المنتظر أن تُودَع في رقابهم آمال شعبٍ طيبٍ، كريمٍ، مِضياف فلا تخدعوه، ولا تخذلوه، وكونوا في مستوى المسؤولية الجسيمة، و”الوِزْر” الكبير، و”الحِمل” الثقيل الذي ستضعه هذه الأمّة على عاتقكم، وعلى كاهلكم، وعلى ظهركم، كونوا أهلاً لهذه الحمولة الوِقرالشّريفة .

*عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.