على من يسفه عقائد وآراء غيره ألا ينتظر احترام عقيدته ورأيه/ وجدة: محمد شركي

337146 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “على من يسفه عقائد وآراء غيره ألا ينتظر احترام عقيدته ورأيه”

لا يبالي  كثير من الناس  الذين  يسفهون عقائد وآراء غيرهم  أنهم إنما  يسيئون بذلك في الحقيقة  إلى عقائدهم  وآرائهم . ولا يبالون  أيضا  باختلاف  العقائد والآراء ضرورة ، لهذا  يحاولون  إضفاء  الشرعية  والمصداقية  على  عقائدهم  وآرائهم  على حساب  عقائد  وآراء غيرهم . فكم من  أصحاب  عقائد أو آراء دينية  أو سياسية أو فكرية  أوغير ذلك  ينطلقون  من  تسفيه  غيرها  من  العقائد  والآراء  ليستقيم تعريفهم  إذ لا يستقيم  تعريفهم إلا  على حساب  نفي  وتسفيه  غيرهم. ففي المجال  الديني  على سبيل  المثال لا الحصر نجد العقائد تتصارع  ، وينفي  بعضها بعضا كما هو الشأن بالنسبة  للسنة  والشيعة  حيث تحقق كل واحدة من هاتين  العقيدتين وجودها على حساب  الأخرى  ، وتزكي نفسها  من خلال  تسفيه ولعن غريمتها. ويتراشق  أهل السنة  والشيعة  التهم فيما بينهم ، فهؤلاء نواصب   بالنسبة لأولئك  ، وأولئك روافض  بالنسبة لهؤلاء ،  ويتجلى  تسفيه  بعضهم  بعضا  في  الجانب  التعبدي الطقوسي  كما هو  الحال  في  عبادة  الحج  على سبيل  المثال  حيث  يسلم الشيعة  على  قبر الرسول  الأكرم صلى  الله  عليه  وسلم ، و في المقابل يلعنون  صاحبيه  الصديق  والفاروق الراقدين بجنبه  ، وهم  يستهدفون  مشاعر أهل السنة  الدينية عن عمد وسبق إصرار. ومقابل  ذلك  يكتب أهل  السنة  أمام  قبور بعض آل  البيت   عبارة : “هذه  قبور لا تنفع  ولا تضر” ، مستهدفين بذلك مشاعر الشيعة الدينية  . وتقاس على  هذا  المثال  أمثلة  كثيرة  تعكس  تسفيه  أصحاب العقيدتين بعضهم بعضا أثناء ممارسة  طقوسهم  التعبدية . ولا يقتصر  تسفيه الناس بعضهم بعضا  في العقائد المختلفة بل  تعرف  العقيدة  الواحدة  فرقا مختلفة  يسفه بعضها  بعضا   سواء  داخل  العقيدة  السنية  أو  داخل  العقيدة الشيعية  أو داخل  غيرهما  من  العقائد . وكل فرقة  داخل  العقيدة الواحدة تؤسس كيانها   على حساب  الطعن  في غيرها  ، وشعار  الجميع  هو  الاعتقاد الراسخ  بصواب  الرأي   عند كل منهم  مقابل  انحرافه  أو قصوره  عند  الغير، وبسبب هذا تصدر عنهم الأحكام الجائرة في حق  بعضهم  البعض ، وهي  أحكام  فاقدة للموضوعية لأنها صادرة  عن  أهواء  وعواطف وعصبيات ليس غير . ففي البيت  السني يرى  السلفية  أنهم  أصحاب  الحقيقة  المطلقة،  فيسفهون أصحاب الاتجاهات الطرقية  وأصحاب الاتجاهات الحركية  وغيرها من الاتجاهات ، ويسفه هؤلاء  جميعا السلفية  ، وكل  تيار بما لديه فرح  فخور، ويتحدث أصحابه  بمنطق  الواثقين  من صوابهم  وأخطاء غيرهم . ولا يحلو  لطائفة  من هذه  الطوائف  الحديث  عن  مصداقيتها  حسب  زعمها إلا على حساب  لا مصداقية  غيرها بل أحيانا  تصير التعاريف  والحدود  التي تحد  هذه  الطائفة أو تلك عبارة  عن  نقض  لغيرها  ، ولا يستقيم  تعريفها  إلا  بهذا النقض . والغريب  أن كل الطوائف  تزعم  أن  مرجعيتها  هي  الوحي  قرآنا  وسنة  إلا أن  النهل  منهما  يختلف  باختلاف  الأوعية  المستعملة من طرف  هذه  الطوائف ، وشأنها  شأن  أقوام  يسقون  من نفس  العين  أو البئر، ولكن  يختلف  شرابهم  بمجرد  نزعه  بأوعية  فيها  ما  يؤثر  على  ماء العين أو البئر ، ذلك  أن رب   أوعية  كل منها  ملطخ  بما  يغير من طعم  الماء المنزوع  من نبع واحد  فيصير  ماؤها أمواها  أو  مياها تأخذ أذواق  هذه الأوعية  الملطخة. ومع  أن  الدين  الإسلامي  واحد ، فإن  التدين  يختلف  حسب  قناعات  وأفهام أتباعه ، وهذه القناعات  أوالأفهام  هي   بمثابة  الأوعية  المعرضة للتلطيخ  أو  المشوبة  به ، والمؤثرة  في  صفاء   الدين . ومع أن شعار  الإسلام  هو : (( لكم دينكم  ولي دين )) في  الخطاب  الموجه للكافرين  ،فإن  المنتمين  إلى هذا الدين  ،والذين  من المفروض فيهم  أن يكون  دينهم  واحدا  لا يستوعبون  ما  يحاكي  التعبير  القرآني  وهو : ”  لكم  فهمكم  ولنا  فهمنا  لهذا  الدين ” . ولا زالت  الأمة  الإسلامية  لم تستوعب  بعد  أن  الخلاف حاصل بينها  في   فهم  الدين  أي  في التدين ، وليس  في الدين  في  حد ذاته . واختلاف  الفهوم  أو  الأفهام  هو  الذي  خلق  التأويلات  المختلفة بل  والمتناقضة  لنصوص  الوحي  قرآنا  وسنة  بحيث  تأول كل طائفة  هذه  النصوص حسب ما  يناسب  فهمها الخاص بها  ،والذي   يلزمها ولا يلزم  غيرها . ولم  تصل  الطوائف  المحسوبة على  الإسلام إلى  الوعي  بضرورة الاعتراف  بوجود بعضها  البعض  دون  أن يعني  هذا الاعتراف الإقرار  بصحة  ما تعتقد كل منها . ولئن  اعترفت الطوائف  المختلفة  بوجود  بعضها  البعض  أقرب  إلى  التقوى  من  محاولة  الإجهاز  على  بعضها  البعض  وتسفيه   ونفي بعضها  البعض ، واعتماد  ذلك  شرطا  ملزما  لوجودها. فاعتراف  السني  بوجود  الشيعي  لا يعني  أبدا إقراره  بما يعتقد هذا الأخير  والعكس  يصح أيضا . ولست  أدري  لماذا  يعتقد  المنتسبون  إلى الإسلام  ـ بغض الطرف  عن  مللهم  ونحلهم ـ  بالكفار  وأهل  الكتاب  دون  أن يعني  أنهم  يقرونهم  بما هم  عليه  من اعتقاد  يعد  فاسدا  بالنسبة إليهم ، ولا  يسلمون في المقابل  لبعضهم  البعض  بحق  الوجود ؟  وما  يقال  عن  تراشق  التسفيه  بين  الطوائف  والجماعات  الدينية  ينطبق  أيضا  على  الأحزاب  السياسية  ، والمذاهب  الفكرية والإيديولوجية ، ذلك أن  معظم  الأحزاب السياسية  والمذاهب  الفكرية  والإيديولوجية  تقيم  وجودها   على أساس  نقض  غيرها  ونسفه جملة  وتفصيلا . وما  يحدث  اليوم  في الساحة  الوطنية  بين  بعض الأحزاب  السياسية  يؤكد  هذه الحقيقة  حيث  تحرص  هذه  الأحزاب  على  تحقيق  ذاتها  من خلال   نفي غيرها ، ولا يمكن  أن تقدم  نفسها  إلا  على حساب  هذا  الغير . ولم تصل  بعد هذه الأحزاب، ولا هذه  المذاهب  والتيارات  الفكرية   والإيديولوجية إلى  مجرد  القناعة  بضرورة الاعتراف  بالوجود المتبادل فيما  بينها  ، والذي لا يعني  التسليم  بصحة  ما هي عليه  من اعتقاد ، ووجهات  نظر مختلفة  فيما بينها . وكان من المفروض  أن يكون اختلاف  وجهات  النظر هذه  بين  هذه  الأحزاب  والتيارات  الفكرية والإيديولوجية  لصالح الوطن الذي  يستفيد   من   صالح  ما لديها  من صواب ، ويتنكب  ما لديها  من  أخطاء. وعوض  أن  تعتمد  هذه  الأحزاب  ، وهذه  التيارات  الفكرية والإيديولوجية النقد  المتبادل فيما بينها   أداة  للمراجعة  أوأداة  للتغذية  الراجعة  من أجل التصويب  والتصحيح ،فإنها  مع  شديد  الأسف   تعمد  أسلوب  الإقصاء  والاستئصال من  أجل  البقاء ،علما بأن منطق الوجود هو أن  يقبل   المختلفين  ولا  يستسيغ  الاستئصاليين. وإن  ما حدث في مصر  على سبيل  المثال   من  محاولة  استئصال  لحزب  سياسي   فاز في اللعبة  الانتخابية  الديمقراطية عوض  الاعتراف  بوجوده  كحقيقة  لا يمكن  أن تنكر   يثبت  سيادة عقلية إثبات  الذات من خلال  إنكار  الغير في ثقافتنا  العربية  الإسلامية  . ولقد سادت  هذه العقلية  في  كل  البلاد  العربية  التي  شهدت  ما يسمى  ربيعا ثوريا . ومصدر هذه  العقلية  هو  البلاد  التي  لم  تعرف  تجربة  هذا  الربيع  ، والتي  خشيت  أنظمتها  من عدواه ، فسارعت  إلى  تصدير هذه  العقلية إلى   بلدان  الربيع من أجل  تكريس  الاستئصال  والإقصاء دون  أن تدري  بأنها  تسيء إلى  نفسها  بتبنيها  لهذه  العقلية المتطرفة إذ لا يمكن  أن  تمارس  الاستئصال  ضد غيرها دون  أن  تفكر  من  ممارسة هذا الغير له  ضدها  وبحدة  وضراوة .  ولقد باتت  مصداقية  أنظمة  الخليج  المؤيدة للانقلاب  العسكري  في مصر في مهب  الريح، بل  باتت  مهددة  بالزوال  ما دامت  قد أيدت  فكرة  زوال  حزب  سياسي  فرض  وجوده  عن طرق  صناديق  الاقتراع . فكيف  يمكن  إزالة  من فرض نفسه  بهذه  الطريقة الديمقراطية دون  أن  يزول  من  يحاول  فرض نفسه  بالقوة ؟  ولا شك أن  العنف  لن يولد  إلا  العنفوان ، ولا يمكن  أن  يترتب  عن الاقصاء  والاستئصال  إلا  رد  فعل  أقوى  منه .  ولقد  نادت  بعض  الأحزاب  ذات المرجعية الليبرالية  والعلمانية  عندنا  بضرورة  حل  الحزب  ذي  الرجعية  الإسلامية  عندما  وقع  الانقلاب  على  حزب مثله  في مصر  ، ولما   رد  هذا الحزب عندنا  على  نفس الدعوة  بالمثل  قامت  قيامة  تلك الأحزاب  ولم تقعد. وأخيرا  نختم   بالعبارة  المشهورة : ”  من كان  بيته  من زجاج  فلا يرمي الناس  بالحجر ” .ومع  شديد الأسف  كل  طوائفنا  وجماعاتنا  الدينية  وأحزابنا  السياسية  ومذاهبنا  الفكرية والإيديولوجية عندها زجاج  كثير  ،ومع  ذلك  لا تحجم  عن  التراشق بالحجارة  فيما بينها .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz