على الثورات العربية أن تختار بين ذل الاستبداد أو تهمة الانتساب للناتو في منطق بعض المرضى / بقلم:محمد شركي

35425 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة

عندما يستعرض المرء ما قيل لحد الساعة عن الثورات العربية منذ اندلاعها، يلاحظ ظاهرة مرضية واضحة الأعراض لدى بعض الذين كتبوا أو علقوا على هذه الثورات. وهؤلاء إنما يصدرون في تعليقاتهم عن خلفيات لا تعدو خلفيات مصالح مكشوفة. فالذين يتباكون اليوم على النظام الليبي المستبد هم طائفة من أهل الكدية الذين كانت تصلهم من هذا النظام الصلات النجسة. ومعلوم أن نوعا من البشر العربي نظرا لظروفه القاهرة يبيع كرامته مقابل الصدقات . وهذا النوع من البشر يختلف في مواقفه حسب مصدر هذه الصدقات. فمنهم من يتلقى الصدقات من الأنظمة الفاسدة الموالية للناتوالفاسد ، ومنهم من يتلقاها من الأنظمة المستبدة الفاسدة الموالية لما يقابل الناتو الفاسد كالصين وروسيا والدولة الصفوية الرافضية. ولمعرفة مواقف هؤلاء وأولئك يكفي معرفة الجهة التي تسد أفواههم بالصلات. ولا يمكن استعرض الوضع العربي بناء على آراء أهل الكدية مهما كان مصدر كديتهم . فالواقع العربي عرف ثورات سببها معروف، وهو نتيجة النكسة التي طال أمدها مع غياب قيادات عربية قادرة على تجاوز هذه النكسة . فالأنظمة العربية وبدون استثناء عوض أن توجه جهودها إلى تجاوز النكسة نزولا عند تطلعات الشعوب العربية، اهتمت بموضوع الانحشار في هذا المعسكر أو ذاك ، يوم كان في العالم معسكران يتنافسان على التحكم في الوطن العربي لما حباه الله به من خيرات ، وهو تنافس المحاربين المنتصرين على عدوهما النازي في حرب عالمية . وقد كان تنافسهما بالرغم من اختلاف إيديولوجيتهما الإشهارية التي تسوق إعلاميا ،وإلا فإن إيديولوجيا المصلحة التي جمعتهم ضد العدو النازي هي التي تجمعهم ضد كل عدو يهدد مصلحتهما . فالحكام العرب على اختلاف ألوانهم لم يكن لهم بد من الاحتماء بهذا المعسكر أو ذاك حفاظا على كراسي الحكم . وهاجس المحافظة على هذه الكراسي فرض أبشع أنواع الاستبداد على الشعوب العربية المسكينة ، حيث صار الاستبداد يورث توريثا. ومع طول مدة ما بعد النكسة التي لم تعرف انفراجا بل تأزما ، وبعد أن بدأت الأنظمة المحتمية بالمعسكر المنهار تتهاوي ، وأصبح المعسكر المنفرد بالهيمنة يهددها بعد التأكد من خور غريمه المعسكر المنهار ، شعرت الشعوب العربية بضرورة الانتفاض على الاستبداد مهما كان مصدره ومظلته التي يحتمي بها . وجاءت الانتفاضة العربية واحدة ، وبلون واحدة في الأقطار العربية المختلفة الأنظمة سواء منها المحتمية بالناتو أو المحتمية بما يقابل الناتو مما لم يعد يعرف بنعته السابق . ونظرا لتوحد الثورات العربية بالرغم من اختلاف الأنظمة ،فإنه قد أشكل على البعض توصيف أو تصنيف هذه الثورات، ولذلك ظهرت تصنيفات مثيرة للسخرية لكونها أسيرة الولاء لهذا النظام المحتمي بهذه المظلة ، أو ذاك المحتمي بمظلة غيرها . وهكذا اعتبرت ثورة تونس ومصر واليمن صحيحة في نظر البعض نظرا لاحتماء الأنظمة المستهدفة بها بالناتو، بينما أدينت ثورة ليبيا وسوريا عند هؤلاء . والعكس أيضا حصل حيث اعتبرت ثورة ليبيا وسوريا صحيحتين في نظر البعض الآخر باعتبار مظلة الاحتماء المخالفة لمظلة الناتو. والمضحك حقا أن الثورتين التونسية والمصرية توصفان عند البعض بوصفين متناقضين في نفس الوقت ،ذلك أنهما من جهة ضد الناتو ، ومن جهة أخرى من صنع الناتو، مع أن علاقة الناتو بالعرب هي علاقة مصالح دائمة حيث وقف مع بن علي ومبارك وأيدهما طالما كان باستطاعتهما حكم الشعبين بالنار والحديد ، ولما تجاوزتهما الثورتان انقلب عليهما ، وسارع إلى مباركة وتبني الثورتين من أجل استغلالهما والالتفاف عليهما قصد تحريف مسارهما ،لتكون النتيجة هي استعادة نظامين بديلين عن النظامين الزائلين يسدان مسدهما ،دون استثارة مشاعر الشعبين التونسي والمصري. ونفس الشيء يقال عن موقف الناتو مع النظام الليبي الذي تم تجاوز تمرده السابق مقابل الرشاوى التي كان يقدمها طلبا للصفح من تهم جرائم دامية ضد دول الناتو، وكان زعيمه يستقبل بالبسط الحمراء في عواصم دول الناتو المنافقة . ولما ثار عليه الشعب الليبي سارع الناتو إلى مباركة الثورة ليس حبا فيها ،وإنما حرصا على ألا تأخذ هذه الثورة مسارها الصحيح بعد زوال نظام فاسد كسابقيه في تونس ومصر ،وكلها أنظمة كانت تكرس حالة ما بعد النكسة وتستبد بالشعوب العربية بنفس الطريقة . ولما كان في تونس ومصر جيشان نظاميان من صنع الناتو أو من تسليحه ، فإن الأمر لم يتطلب تدخل الناتو المباشر والاكتفاء بما هو لوجيستيكي ، بينما يختلف الأمر في ليبيا ،لأن العقيد المعتوه كان يخرف ويصدق خرافاته ، ومنها خرافة تفكيك الجيش النظامي ، والاكتفاء بالكتائب والحرس الشخصي ،لأنه كان يعتقد في نفسه الزعامة الكاريزمية الزائفة ، ويصدق ترهات كتابه الأخضر خضرة الطحالب المنتنة . وخلاف النظام الليبي النظام السوري الذي احتفظ بجيش لحمايته ، وليس لتحرير الجولان والأرض المغتصبة ، وهو اليوم خلاف النظام الليبي يحتمي بالجيش النظامي من الثورة الشعبية ضده . ومن السهل اتهام الثورتين الليبية والسورية لوجود عنصر دعاية دعم الناتو لهما، علما بأنه لا يمكن أن يسمح بأن تأخذ الثورتين مسارهما الصحيح المخالف للاستبداد وللناتو ولروسيا والصين على حد سواء . وهذا ما جعل مفكرا عربيا كهيكل يعتبر الربيع العربي مجرد أكذوبة للتمويه على الفصل الثاني من معاهدة سايكس بيكو التي أعقبت الحرب العالمية ، وكانت عبارة عن توزيع الغنائم بين الأطراف الذين فقرقتهم الإيديولوجيات الإعلامية ،ووحدتهم المصالح . ولقد كان من المنتظر بعد ضعف غريم دول الناتو أن تطمع دول الناتو في نصيبه من قسمة سايس بيكو لتستكمل هيمنتها على العالم . ولعل حادثة الفيتو الروسي الصيني من أجل حماية النظام السوري من مصير النظام الليبي دليل واضح على مقاومة الصين وروسيا لدول الناتو الطامعة في مناطق نفوذها بعد تفكيك مناطق هذه النفوذ في عقر دارها. ولئن استساغت روسيا تفكيك اتحادها بعد انهيار اقتصادها أمام اقتصاد دول الناتو ، فإنها لن تسمح بنفوذ دول الناتو في منطقة البترول العربية خاصة وأن هذا البترول هو الدم الضروري لحياة اقتصاد دول المصالح روسيا والصين ودول الناتو على حد سواء. وهكذا تبدو الثورات العربية بعيدة كل البعد عن مقاصد الناتو وغير الناتو ، ولكن بعض مرضى العقول ، وهم أيضا أصحاب مصالح يأبون إلا التشكيك في هذه الثورات ، واتهامها بالتبعية للناتو ،مع العلم أن الناتو بدوره يخطب ود كل الثورات العربية من أجل أن يطيل عمر مرحلة ما بعد النكسة ، وهي المرحلة التي تخدم مصالحه بامتياز. ولا شك أن حادثة إلقاء القبض على ديكتاتور ليبيا ، وقتله بطريقة همجية كان من تدبير الناتو الذي كان يرصد تحركاته من أجل تسليمه إما لعناصر مخابراته ، أو للأغرار الذين لا تجربة لهم ،ولا خبرة من أجل تخويف العالم والشعب الليبي من ثورة تحدثها نفسها بصباغة دينية إسلامية . وقد بدأ بالفعل المرضى عندنا يسوقون لتهم معروفة التسويق عند دول الناتو من قبل ، ويلصقونها بالإسلام من أجل الحيلولة دون أن تصطبغ الثورات العربية بالصبغة الدينية الإسلامية الصحيحة . ومعلوم أن الناتو عانى ولا زال من الإسلام العنيف كما ينعته بذلك ، لهذا لا يمكن أن يجيز انحراف الثورات العربية إلى هذا الدين الذي ينغص عليه راحته . والإجراءات في تونس ومصر وغيرهما بعد الثورات العربية جارية على قدم وساق من أجل الحيلولة دون أن تأخذ هذه الثورات العربية مسار الإسلام المرفوض عند دول الناتو وعند الصين وروسيا على حد سواء ،وذلك من خلال التمكين للعلمانية ، والقبلية والطائفية منعا لاجتماع الشعوب العربية على وحدة الدين الإسلامي الصحيح . وتجتمع دول الناتو، ودول المصالح المقابلة لها على محاربة كل ما له علاقة بالإسلام الصحيح مقابل التسويق للمنحرف من العقائد المحسوبة على الإسلام كما هو شأن العقيدة الرافضية المصدرة من دولة إيران الصفوية ، والتي تم التمكين لها في العراق بعد غزوه على حساب الإسلام المتطرف حسب تصنيف دول الناتو. ومن المضحك أن تتناقض مواقف دول الناتو ففي حين تمكن للعقيدة الرافضية في العراق ، فإنها تسكت عن محاربتها في البحرين،لأن مصالحها في وجود الرافضة في العراق أكبر ، كما أن مصالحها في وجود العقيدة المناقضة لها في الخليج أكبر . ودول الناتو لا تعنيها قضية فساد العقائد المحسوبة على الإسلام بقدر ما تعنيها مصالحها التي تحميها هذه العقائد الفاسدة . ولمن يشكك في اجتماع دول الناتو من جهة ،والصين وروسيا من جهة أخرى على مصالح واحدة مشتركة ، نقول له تأمل كيف يحارب الإسلام في الصين وفي روسيا ، وقارنه بالحرب التي تشن عليه في دول الناتو ، وفي الدول الخاضعة لنفوذها . والحقيقة التي يريد بعض المرضى طمس معالمها أن الثورات العربية برئية براءة الذئب من دم يوسف من مظلة الناتو أو مظلة غيره ، وأنها قد ابتليت بدول الناتو وغيرها ، والتي كانت بالأمس ولا زال بعضها يوفر الحماية الكاملة للأنظمة الفاسدة التي ثارت عليها هذه الثورات العربية . ودول الناتو إنما تتدخل في الثورات العربية ، وتمنع حصول المزيد منها، خوفا من أن تأخذ هذه الثورات مسيرها الصحيح من خلال التمسك بالإسلام الصحيح الرافض لوضعية ما بعد النكسة ، والتي لا يمكن أن تدوم أكثر مما مضى . وعلى الذين يشككون في هذه الثورات أن يجندوا أقلامهم لتنبيهها من المسارات المنحرفة التي تخطط لها دول الناتو ،وما يقابلها من دول المصالح في المعسكر الآخر المنهار، عوض اتهامها وتجريمها لتحقيق ما يريده الناتو أو غيره خدمة لمصالحهم . ولعلم هؤلاء أنه طالما وجد سبب اندلاع الثورات العربية ، وهو وضعية ما بعد النكسة ، فإنها ستستمر رغم إرادة الناتو أو غير الناتو ، وخلاف ما يريد الناتو أو غير الناتو .ولا خوف على وعي الشعوب العربية في عصر التكنولوجيا المعلوماتية . ولا خوف على شعوب الله وليها ولا غالب إلا هو . محمد شركي – وجدة البوابة

على الثورات العربية أن تختار بين ذل الاستبداد أو تهمة الانتساب للناتو في منطق بعض المرضى /  بقلم:محمد شركي
على الثورات العربية أن تختار بين ذل الاستبداد أو تهمة الانتساب للناتو في منطق بعض المرضى / بقلم:محمد شركي

اترك تعليق

1 تعليق على "على الثورات العربية أن تختار بين ذل الاستبداد أو تهمة الانتساب للناتو في منطق بعض المرضى / بقلم:محمد شركي"

نبّهني عن
avatar
Saiid
ضيف

بالله لم أجد أغبى من هكذا تحليل ومحلل…..ز

‫wpDiscuz