عقيدة المسلم في المال والرزق أول حلقة من سلسلة جديدة من خطب الجمعة للداعية الأستاذ سعيد بنعالية يرد فيها على بحث المندوبية السامية للتخطيط

34198 مشاهدة

وجدة البوابة: وجدة في 6 أكتوبر 2012، دأبت شبكة الأخبار “وجدة البوابة” على نقل بعض خطب الجمعة بمدينة وجدة حيث يعمل فريق الشبكة المختص على تتبع خطب مهمة من مسجد الغفران حيث يتحفنا العلامة الداعية فضيلة الأستاذ سعيد بنعالية بحلقات دينية واجتماعية رفيعة الأهمية سبق أن التمس منا عدد كبير من المصلين الذين يؤدون صلاة الجمعة بمسجد الغفران أن نذكرهم بالنصوص الكاملة للخطب التي يعدها العلامة الأستاذ سعيد بنعالية أنفعنا الله جميعا ببركاته وعلمه ، وفي هذه المرة نترك المتتبعين والمهتمين والذين فاتته الخطب القيمة مع الخطبة بنصها الكامل :

قال العلامة خطيب الجمعة بمسجد الغفران بمدينة وجدة إنه أعد سلسلة خطب أسماها: ” عقيدة السلم في المال”، فأكد أن المندوب السامي للتخطيط٬ الذي قدم نتائج بحث أنجز خلال الفترة الممتدة ما بين 30 يناير و20 فبراير من السنة الجارية ٬ أوضح أن حوالي 46 في المائة من المغاربة غير راضين على عيشهم.

سأترك السياسي والاقتصادي وعالِم الاجتماع يتحدث عن نتائج هذا البحث، لأتحدث وأعلق على عبارة واحدة : ” غير راضين على عيشهم ” في مجموعة خطب ليعرف المسلم العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بالمال، وليتأدب مع الله عز وجل، أسميتها : ” عقيدة المسلم في المال”، فيما يلي الخطبة:

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان منزلة المال وأهميته في الإسلام. 

الحمد لله الذي لا يقبل من الأعمال إلا أخلصها، فالله طيب لا يقبل إلا طيبها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، قال في محكم تنزيله :  { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [ الزلزلة : 7،8 ] . وأشهد أن سيدنا وعظيمنا وحبيبنا وأسوتنا محمدا عبده ورسوله ، وصفيه من خلقه وخليله… صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم إنه لا سهل إلا ما جعلته سهلا إنك تجعل الحزن إن شئت سهلا..أما بعد،

أحبتي في الله،

فلقد أوضح المندوب السامي للتخطيط٬ الذي قدم نتائج بحث[1] أنجز خلال الفترة الممتدة ما بين 30 يناير و20 فبراير من السنة الجارية[2]٬ أن حوالي 46 في المائة من المغاربة غير راضين على عيشهم.

سأترك السياسي والاقتصادي وعالِم الاجتماع يتحدث عن نتائج هذا البحث، لأتحدث وأعلق على عبارة واحدة : ” غير راضين على عيشهم ” في مجموعة خطب ليعرف المسلم العقيدة الصحيحة فيما يتعلق بالمال، وليتأدب مع الله عز وجل، أسميتها :

” عقيدة المسلم في المال”

للمال في الإسلام مكانة مهمَّة في حياة الفرد والجماعة، وله تأثيره الكبير في الدنيا والآخرة. ويتَّضح ذلك بالمقارنة بين تعاليم المسيحية وتعاليم الإسلام في هذا الجانب: يقول المسيح فيما ترويه عنه الأناجيل المعتمدة: (ما أعسر دخول ملكوت[3] الله على ذوي المال، فلأن يدخل الجمل في ثقب الإبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت الله)[4]. وجاء رجل يريد أن يتبع المسيح ويسير معه، فقال: اذهب فبع مالك ثم اتبعني[5]!

موضوع للقراءة: الخطبة الرابعة الأخيرة آداب المضيف مع ضيفه في الاسلام لفضيلة العلامة الأستاذ سعيد بنعالية بمسجد الغفران بوجدة

أما الإسلام فينظر إلى المال نظرة أخرى، إنه يعتبره وسيلة هامَّة لتحقيق مقاصد شرعية دنيوية وأخروية، فردية واجتماعية. فلا يستطيع المرء أن يحافظ على حياته المادية إلا بالمال، فبه يأكل، وبه يشرب، وبه يلبس، وبه يبني مسكنه، وبه يصنع سلاحه الذي يدافع به عن نفسه وحرماته، وبه يطوِّر حياته ويرقِّيها.

ولكن ما هو المال أولآً؟.. المال هو كل ما يصحّ تملكه شرعاً، فالبيت مال، والسيارة مال والنقود مال، الذهب والفضة مال..الخمر ليس مالا وقطيع الخنازير ليست مالاً.

هذا هو المال، فمن هو صاحبه ؟ نجيب على هذا السؤال من خلال القرآن الكريم في  الحالات الآتية: مرّة ينسب المال لله تعالى كما في قوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور:33]، وفي مقام آخر ينسب المال للإنسان الغني صاحب المال فقال في سورة التوبة : ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ( الآية 103)، ومرة أخرى ينسب المال لعموم الأمة كما في قوله في سورة النساء : {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء:5]،

لماذا هذا التنوع القرآني؟.. لكل حال مقام، فعندما نسب الله تعالى المال إلى نفسه يعني أنه هو المالك الحقيقي، لكي لا يغترّ العبد بأن المال الذي في يده هو من جهده وكده،فالمال ابتداء وانتهاء هو مال الله قال تعالى : ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾( البقرة الآية الثالثة)؛ سئل أعرابي مسلم يرعى الغنم: لمَن هذه الغنم، يا أعرابي؟ فقال: هي لله عندي! فما أبلغ هذا الجواب وأصدقه.  الحالة الثانية نسب الله تعالى المال للغني وذلك بحسب المسؤولية، أنت غني؟ ..نعم…أدِّ ما عليك من حقوق في هذا المال أي الزكاة.

والمقام الثالث مقام رفيعٌ في الإسلام، نسب المال للأمة بدل السفهاء: الذين لا يُحسنون التصرف في المال، لماذا ؟

لأن الفرد إن كسب المال وتملَّكه بجهده ومهارته، فإن المجتمع قد شاركه في ذلك، فلولا المجتمع ما استطاع الفرد أن يحقِّق شيئا وحده. ولهذا السبب نسب القرآن الأموال إلى المجتمع ، وإنما أضاف الأموال إلى المخاطبين – مع أنها من الناحية الرسمية والقانونية – أموال السفهاء، لأن المجتمع مشارك أساسي في إيجاد هذه الأموال.

فلا يرجع المال لهم حتى يصيروا راشدين لقوله تعالى : ﴿ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾( النساء 6).

سؤال آخر يتبادر إلى الدهن: هل الرزق يصل إلينا بدون حركة ونشاط في هذه الحياة أم أن الرزق لا يأتي إلا بهما؟ الجواب يأتيك من الرزاق سبحانه وتعالى :

 أولاً: الرزق مضمون لقوله تعالى :﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ( هود 6 ).

ثانياً يقول الله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ ( الملك الآية 15)

والجواب الثاني من عند من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى صلى الله عليه وسلم : عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ:” حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ“،  فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ”  إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْز[6]ِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ[7]، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ”[8] .

وأن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ”  لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا” فالطير لا تبقى في مكانها، وإنما تتحرك تغدو وتروح.

ولكن في بعض الأحيان يأتيك رزق بدون حركة، كالميراث مثلاًُ؛ إذا كان الأمر كذلك فلماذا الحركة ؟ نجيب فنقول: لكيلا تغترّ بحركتك، وتعتقد أن بحركة أنت تأتي برزقك. فانتبه.

وخلاصة هذه المسألة في القصة المعبرة الآتية: قصة أخوين ورثا من أبيهما بستاناً، الأول منها جادٌّ متحركٌ والثاني كسولٌ خمولٌ. نعرف تفصيلها في الخطبة الثانية.

نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم، وبأحاديث سيد الأولين والآخرين، وأجارني وإياكم من عذابه المهين، ويرحم الله عبداً قال : آمين.

أخوان ورثا بستان تفاح من أبيهما، الأول منهما يعمل في الحقل صباح مساء، والثاني نائم طوال النهار، لا يساعد أخاه في البستان، وهما دائماتً في شجار مستمر، ومرةً وهو يتشاجر مع أخيه ويقول له : قم للعمل، فيجيبه: الرزق مضمونٌ فلماذا الحركة؟؟!!.

فخرج غضبان مسرعاً، فقطف تفاحة من شجرة التفاح، وقال في نفسه: هذه هي الحجة، فرجع لأخيه مسرعاً،  فقال لأخيه : خذ هذه التفاحة، فلو لم أخرج وأمشي إلى البستان وأخذت التفاحة من الشجرة ووو.. هذا دليل على أنك ينبغي لك التحرك لكي يأتيك الرزق!!!، فأخذ أخوه التفاحة وهو جالسٌ في مكانه فمسحها، فعضّها عضّة، ثم قال له : لا يا أخي، وإنما هذه حجة عليك لا لك، فقال الأول متعجباً: وكيف ذاك؟ فردّ عليه قائلا: أنا منذ مدة وأنا جالسٌ في مكاني، ولم أتحرك حتى أتتني التفاحة بين يدي…أليس كذلك !!!

وخلاصة القول: أن الرزق مضمونٌ وينبغي عليك الحركة في تحصيله، ولا تعتقد بأن حركتك هي التي أتتك بالرزق، وإنما الرزاق هو الله تعالى.

وسنجيب بإذن الله تعالى عن أسئلة أخرى تتعلق بالمال في الخطب المقبلة، إن كتب الله لنا البقاء واللقاء.

عقيدة المسلم في المال والرزق أول حلقة من سلسلة جديدة من خطب الجمعة للداعية الأستاذ سعيد بنعالية يرد فيها على بحث المندوبية السامية للتخطيط

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz