عقدة تزكية النفس لدى شريحة الحريصين على إشهار تدينهم فوق العادة أو فوق تدين غيرهم

102545 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 10 نونبر 2013، “عقدة  تزكية النفس لدى شريحة الحريصين على إشهار تدينهم فوق العادة أو فوق تدين غيرهم”

بالرغم من وضوح النص القرآني  الناهي عن تزكية النفس في قول الله عز وجل : (( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى )) فإن شرائح  من الحريصين  على إشهار تدينهم  فوق مستوى تدين غيرهم تحرص أشد الحرص  على تزكية  النفس  بالحال أو بالمقال أو بهما معا . ولقد صارت  قضية  تزكية  النفس  فقي مجال  التدين  عقدة  يعاني منها   الذين  لا يرضون  برتبة  المسلمين  العاديين الأكياس الذين يدينون أنفسهم  ويعملون  لما بعد  الموت . ومن السهولة  واليسر  معاينة أصحاب هذه العقدة لأنهم  يحرصون على إشهار  تدينهم  بشتى  الوسائل . ومن هذه  الوسائل  محاولة  التميز  بالهيئات من خلال لباس  أو هندام متميز  لسان حاله  إن لابسه  مسلم فوق  العادة ، وهو لباس أهم ما يميزه  الغرابة حيث أدخل المسلمون فوق  العادة  تقليدا  إلى مجتمعنا  ألبسة  من عباءات  وسراويل  وعمامات … وغيرها  جلبت من أقصى الأرض ، وهي  تترجم بأشكالها  وألوانها  ثقافات أمم مسلمة  عربية  وأعجمية  ،علما بأن اللباس  شكل من أشكال  التعبير  الثقافي  المرتبط بقناعات ومعتقدات . ولا يقف  المسلمون فوق العادة عند حد ارتداء  اللباس  الغريب  عن  ثقافتهم  بل  يحرصون  على  التميز  عن  أبناء جلدتهم  بسلوكات مثيرة للانتباه  في دخولهم وخروجهم من المساجد ، وأثناء وجودهم بداخلها . ومن المثير في سلوكاتهم المبالغة  وتكلف السمت  المصطنع والوقار والسكينة  الكاذبين  . ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتحول المسلمون فوق العادة إلى  علماء  ودعاة  يصححون  وضوء هذا  ، وتيمم الآخر، و سجود زيد  وركوع عمر، وكأنهم الرعيل الأول الذي  أدخل الإسلام  إلى  البلاد  أول مرة . ومما يثير  السخرية أنهم يتصنعون الابتسام في وجوه من يحاولون  تلمذته  أو بعبارة أصح  احتقاره ، وهي ابتسامات تعبر عن  التعالم وتزكية  النفس  وإشهار التدين  فوق  العادة . وهذه الابتسامات  مقتبسة  أيضا اقتباسا  كما  يقتبس  الهندام ، وتصير  تعبيرا ثقافيا متكلفا لا علاقة له  بثقافتنا . ومما يطبع سلوكات المسلمين فوق العادة أيضا الجمع بين أحدث  المقتنيات التكنولوجية  حيث يركبون  أحدث  السيارات  الرباعية الدفع ، ويستخدمون أحدث جيل  من الهواتف  الخلوية  ، وآخر نوع من  الحواسيب المحمولة  ، ويركبون  أضخم  الباصات الجوية في أطول  الرحلات العالمية ، وينزلون بأفخم الفنادق ذات  النجوم ، و لاحد حجهم  واعتمارهم  بل لا عد لهما ، وهم أدرى بشعاب مكة من أهلها ، وأدرى  بأكبر العواصم  العالمية من سكانها ، وفي المقابل يسخرون من  بسطاء المسلمين  عن طريق  التسلي  بالحديث عن فقر رسول الله  صلى الله عليه وسلم وعن ثوب  الفاروق  المرقع ، وعن  جوع أهل  الصفة  ومسغبة أبي هريرة ، وعن  أكل  الصحابة أوراق  الشجر يوم  حاصرهم   كفار قريش مع أن  المسلمين  فوق العادة  يصيبون  فاكهة  لا يعرف  لها المسلمون العاديون اسما ،وإنما  يسمعون  أوصافها فقط  عند أصحاب  عقدة تزكية النفوس . ومما يعرف به  أصحاب هذه  العقدة أيضا  أنهم  أهل فتاوى حيثما  حلوا وارتحلوا ، ويتكلفون  تأويل  نصوص القرآن الكريم  والحديث  الشريف ليناسب  فتاواهم  ، ويتعالمون ، ويتخللون  بألسنتهم  تخلل  الباقرة لإظهار الفصاحة والبلاغة  وحوشي  الكلام وغريبه الذي  يعكس  وضعية تدينهم فوق العادة . ومما  يميزهم أيضا  توزيع  شواهد  التزكية  على الغير وهم  مصدر  تزكية في اعتقادهم حيث لا يزكى إلا من زكوه ، ولا يتورعون  عن  تأثيم  المسلمين  العاديين   وتكفيرهم لأبسط  الأمور . وإذا  حضروا  مجالس  الدعاء منعهم  كبرياء  التدين  فوق العادة  ، وعقدة  تزكية النفس من  رفع أكفهم مع  بسطاء المسلمين إلى خالقهم ، بل منهم من  يعبث  بأصابع يده  حينما  يدعوا البسطاء ، وفي المقابل  يعلمون هؤلاء البسطاء أن  النبي صلى  الله  عليه وسلم كان  يرفع يديه إلى  السماء  حتى  يظهر بياض إبطه في حين  لا  يظهر لهم بياض  إبط  كبرياء  وتزكية  للنفس ،لأنهم في حكم من  اطلع  على الغيب  ورأى منزلته  في الفردوس الأعلى ، وقربه من  الحوض  وتقينه من الرشفة من يد النبي الشريفة  ، وتأكده من  ظفره بحوره  في الآخرة  على غرار  حوره في الدنيا . ولا يجد أصحاب عقدة تزكية النفوس  حرجا  في الجمع بين المتناقضات حيث  يعيشون حياة  البذخ  والترف  والإسراف ، بينما تتسلى ألسنتهم  بالحديث عن  فقر الصحابة  من أجل  المحافظة  على  المسافة  الفاصلة  بين  تدينهم الذي  هو فوق  العادة  وتدين  غيرهم العادي . ولا تقتصر عقدة  تزكية  النفس على  طائفة دون أخرى من المسلمين  فوق العادة ،  لأن فيهم الذي  يزعم  أن كرامته  في  البذخ  والترف ، في حين  يتسلى  بنعت  أتباعه  بالفقراء ، وهو  ما يعكس لديه عقدة   تزكية النفس بجلاء  لأنه  يفضل فقراءه  بالترف  وهو كرامته  ولا مانع عنده لما أعطى الله عز وجل  ولا معز لمن أذل . و منهم من يتخذ  بطانته من  أهل اليسار ، ويستشهد  بحديث اليد  العليا  الفاضلة لليد  السفلى  علوا واستكبارا ، وبالصحابة  الأغنياء  ويجعلهم  قدوته  بسبب عقدة  تزكية النفس ، في حين  ينصح  عامة المسلمين  بالكفاف  والعفاف والغنى عن الناس  ، ويدلهم على  سنة  الصحابة الفقراء  خصوصا أهل الصفة . ومنهم  من يراهن  على السياسة ، ويستشهد بممارسة  النبي  للسياسة ، وبالصحابة  الساسة ، وهو مجرد منساق  وراء عقدة تزكية  النفس ، همه السياسة  ، وعنده  أن  عامة المسلمين  لم يخلقوا  للسياسة  لأنها  امتياز  في حكم   الكرامة والهبة  الإلهية التي خصه بها الله عز وجل دون غيره  من بسطاء المسلمين .  ومنهم  من  يرى نفسه في منزلة  الرعيل  الأول من الفاتحين  حيث يجتهد  على  الدعوة في  بلاد  الغرب  ما خلف  البحر المتوسط  وما خلف  بحر الظلمات ،  وهو إما مقيم  بها   وصاحب  أكثر من جنسية أو  متردد عليها  يرتزق  بالدعوة ، ويرى ذلك  فضلا  من الله ونعمة . ومنهم من  يتقنع  بقناع  التدين  لتصريف  أعماله  ومشاريعه  ويحل منها ما أراد  من خلال  فتاواه التي تحول خسة  معدن  السحت إلى  ذهب إبريز.  ومرد  عقدة  تزكية النفس  انحراف  التربية  بل سوءها  ، وهو انحراف  عن  نهج  رسول الله صلى  الله عليه وسلم  حيث  يعيش  أصحاب هذه العقدة انفصاما  بينا  بين حال  من لا دين  لهم  ، و حال  المتظاهرين  بالسمت الديني الكاذب  والمغشوش. ومما يطبع  العلاقة  بين  أصحاب  عقدة تزكية  النفس نفاق  خاص  بهم  حيث يظهرون  الاحترام المتكلف  لبعضهم البعض  فإذا ما خلت  طائفة إلى نفسها سخرت من غيرها من الطوائف ، وكل ذلك من أعراض  مرض  تزكية  النفس  أو  التدين  فوق  العادة  . ولقد صار  المسلمون العاديون  على وعي  تام بعقدة المسلمين  فوق  العادة  ، وهم  بين  ثابت  على دينه  لا  يعنيه  انحراف  المتدينين فوق العادة  من أصحاب  عقدة تزكية النفس ، وبين  نافر من  الدين كراهية فيهم لأنه  يقيس  الدين  بالناس ، ولا يقيس الناس  بالدين .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz