عريضة الإستقلال 11 يناير سنة 1944 م

79853 مشاهدة

عبد الخالق الأحمادي – عبد الناصر بلبشير/ وجدة البوابة: وجدة في 8 يناير 2013، جاءت عريضة 11 يناير، كنقطة تحول هامة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية، لأنها أعلنت القطيعة التامة مع مرحلة الإصلاحات وولجت مرحلة جديدة تميزت بالنضال، ضد نظام الحماية المفروضة على البلاد منذ سنة 1912.

إن هزيمة فرنسا على يد الجيوش الألمانية سنة 1940، دليل على ضعف الاستعمار الفرنسي، مما أذكت الحماس في نفوس الوطنيين المغاربة، كما أن اعتماد ميثاق الأطلسي من دول الحلف المناهض لألمانيا في سنة 1941 كان حافزا قويا لتطلعات الوطنيين على مبادرات عملية قصد ترجمة مبادئ هذا الميثاق إلى إجراء ملموس يتجسد في تخويل الشعوب المستعمرة بحقها في تقرير مصيرها.

كان اللقاء بين السلطان محمد بن يوسف والرئيس الأمريكي فرانكلن روزفيلت، إبان مؤتمر أنفا بالدار البيضاء سنة 1943، دليلا قاطعا على الدور الذي أصبحت أمريكا تلعبه على المستوى الدولي بعد تقهقر القوى الاستعمارية التقليدية كبريطانيات وفرنسا.

إن التطورات التي شهدها المشرق العربي، والتي أسفرت سنة 1943 عن استقلال سوريا ولبنان، أثرت على الحركة الوطنية وعلى سائر البلدان العربية في خضم الحرب العالمية الثانية، وفتحت آفاقا جديدة أمام الحركة الوطنية المغربية، وأعلنت النضال ضد الاحتلال الفرنسي الغاشم.

إن العريضة المحررة بمنزل أحمد مكوار بفاس، والتي قدمت صبيحة يوم 11 يناير إلى السلطان والمقيم العام، تستدعي بعض الملاحظات من حيث محتواها وطبيعتها.

أولا: تعكس التوجه السلمي لعلال الفاسي وخريجي القرويين.

وقد يفسر ذلك بالدور الريادي الذي لعبه خريجو المدارس العصرية كأحمد بلا فريج في تحضير الوثيقة. كما قد يفسر برغبة حزب الاستقلال في استدراج قيادة الحركة القومية وكسب تأييدها للعريضة الوثيقة.

ولقد طالب الوطنيون الدول الغربية وخاصة الحلفاء بتقرير المصير والديموقراطية متحاشين إضفاء الطابع الديني على مطالبهم المشروعة. فالاستعمار الفرنسي كان يصف الوطنيينم بالمتعصبين للدين والمناهضين لقيم التقدم والتحرر.

ثانيا: عندما قدم الوطنيون عريضة الاستقلال كانوا يؤمنون بالمنهج الإصلاحي فالإصلاحات التي طالبوا بها من قبل مازالت موجودة في صلب الوثيقة.

فالإصلاحات لن تتحقق إلا عبر الاستقلال، وليس تحت رعاية الدولة الحامية.

ثالثا: لقد سلك الوطنيون مسلك الحوار والإقناع، بدل التطرف والعنف، فالوثيقة، تصرح بالمطالبة باستقلال المغرب من لدن الحزب، وتلتمس من السلطان الدخول في حوار مع المجموعة الدولية لكي تعترف بهذا الاستقلال المنشود.

رابعا: أعلنت العريضة بوضوح عن النظام الملكي والديمقراطي ولكنها تركت للملك رعاية الإصلاحات الداخلية وتحديد مضمونها.

موقف السلطان من عريضة الاستقلال وردود الفعل:

عندما قدم الوطنيون عريضة الاستقلال يوم 11 يناير 1944، إلى السلطان سيدي محمد بن يوسف، قرر تعيين لجنة مخزنية لمتابعة الحوار مع الوطنيين وفوض لوزيرين من وزارته مهمة الإشراف على هذه اللجنة، ويظهر أن الضغوط القوية التي تعرض لها السلطان من الإقامة العامة قد أسفرت عن تباين في المواقف بين سيدي محمد بن يوسف وقيادة حزب الاستقلال.

وهكذا فشلت لقاءات الوطنيين باللجنة الملكية يومي 15 و18 يناير من الوصول إلى نتائج ملموسة، وهو ما جعل حزب الاستقلال يوضح موقفه في مذكرة رفعها إلى السلطان يوم 18 يناير 1944، ويظهر من هذه المذكرة أن السلطان، كان يعلق الأمل على أسلوب الإصلاحات في إطار سيادة مشتركة مع فرنسا، بدل الاستقلال الذي كان الوطنيون يراهنون عليه.

وتقول المذكرة بهذا الخصوص:

“لقد درسنا بإمعان مجموع الإصلاحات التي تم التطرق إليها خلال اجتماعاتنا إصلاح جوهري ودائم على أساس سيادة مقتسمة بين المغرب وفرنسا.

وبالإضافة إلى ذلك فنحن لا نتوفر على أية ضمانات لتحقيق الإصلاحات المقترحة.. وفي الواقع تقول المذكرة، فإن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتم إلا في إطار سيادة واحدة، ولا يمكن أن تكون هذه السيادة إلا في يد جلالة السلطان الذي هو منبع السلطتين التشريعية والتنفيذية.”

ولقد أبان الوطنيون في هذه المذكرة عن عدم قطع حبل التعاون مع فرنسا، وأن مصالح فرنسا والدول الأجنبية تبقى محفوظة، وأن المطالبة بالاستقلال لا يتنافى مع هذه المصالح.

ولكن، كان رد فرنسا على المطالبة بالاستقلال عنيفا، شرسا، إذ عمدت الشرطة العسكرية يوم 29 يناير إلى اعتقال أحمد بلا فريج ومحمد اليزيدي وأعضاء آخرين من حزب الاستقلال، متهمة هؤلاء المناضلين بالتواطؤ مع ألمانيا النازية. مما ثار المغاربة ضد الفرنسيين، فعمت مظاهرات شعبية في كل من الرباط وسلا ومراكش وفاس، حيث سقط العشرات من الضحايا، وأبعد أحمد بلا فريج إلى جزيرة كورسيكا ومنع أحمد مكوار من الإقامة بفاس، واعتقل عشرات المواطنين.

عريضة الاستقلال وعريضة ما بعد الاستقلال:

بين عريضة 11 يناير 1944 كما قدمها الوطنيون إلى السلطان والمقيم العام وممثلي الدول الحليفة، والعريضة التي أصبحت متداولة بعد استقلال المغرب في سنة 1956 توجد اختلافات واضحة، خاصة فيما يتعلق بقائمة الموقعين على الوثيقة فالنسخة التي تحتفظ بها الأرشيفات الفرنسية والبريطانية والأمريكية تحتوي على ُمانية وخمسين موقعا وليس على خمسة وستين كما نجد في العريضة المنقحة التي تنشرها الصحف كل سنة عند حلول ذكرى 11 يناير.

ونحن نطمئن إلى العدد الأول، لأنه هو العدد الذي أكده الحسن الثاني في كتابه التحدي(ص.35). والمؤرخون الذين عاشوا الأحداث عن قرب مثل شارل أندري جوليان. ويظهر أن الوثيقة التي تنعت بالأصلية، التي تحتفظ بها الوثائق الملكية بالرباط قد أدخلت عليها زيادات وانتقاصات، ربما لتلبية رغبات وطنيين لم يتمكنوا من توقيع الوثيقة في حينها، ومن الأغرب أن حزب الاستقلال الذي كان وراء العريضة تخطيطا وإجرائيا وإنجازا، قد تبنى هذه الصيغة المنقحة، فأصدر في سنة 1988 قائمة شرف تتضمن 66 موقعا بدل 58 المثبتت أسماؤهم في عريضة 11 يناير 1944.

أما نص الوثيقة فلم يلحقه تغيير يذكر.

ونشير ختاما إلى أن هذه العريضة همت منطقة الحماية الفرنسية فقط أما الوطنيون بمنطقة الشمال سبق لهم أن اعتمدوا ميثاقا وطنيا في دجنبر 1942 يطالبون فيه باستقلال المغرب واستعادة وحدته الترابية في ظل النظام الملكي.

وقد أبلغوا محتوى هذا الميثاق إلى خليفة السلطان بتطوان وكذلك إلى ميثاق ممثلي بريطانيا والولايات المتحدة بطنجة.

لقد كان أحمد بلا فريج على صلة وثيقة بالوطنيين بالمنطقة الشمالية. مما استلهم من هؤلاء كثيرا من الأفكار التي يظهر أثرها واضحا سواء في مضمون عريضة الإستقلال أو في الإستراتيجية المتبعة لتقديم المطالب الوطنية..

عريضة 13 يناير 1944 للمطالبة بالاستقلال والديمقراطية

ظلت عريضة 11 يناير 1944 تذكر وحدها في مجال المطالبة بالاستقلال وتدرج عريضة 13 يناير المعززة لها المقدمة من لدن الحركة القومية من ضمن رسائل التأييد العديدة التي كانت تحملها الوفود إلى القصر الملكي من مختلف الجهات طوال أسبوع التضامن والتأييد للمطالبة بالاستقلال.

وقد قدم المرحوم محمد حسن الوزاني بعد رجوعه من المنفى بيانات عن ظروف تأخر أنصاره القوميين عن توقيع عريضة 11 يناير، ودواعي قيامهم بتحرير عريضة 13 يناير 1944.

راسل الحاج بوبكر الصبيحي العضو البارز في حزب الاستقلال محمد حسن الوازاني، وتلقى منه جوابا مفصلا ونسخة من عريضة 13 يناير، فأعاد الصبيحي النظر في تصميم كتابه ليضم تراجم الموقعين على عريضتي 11 و 13 يناير 1944 معا وكان من بين الذين اتصل بهم من الموقعين على عريضة 13 يناير وطلب منهم عناصر ترجمتهم محمد بن عبد الهادي المنوني، وتوجد صورة من مسودة هذا الكتاب في الخزانة العلمية الصبيحية بسلا.

تحدث محمد حسن الوزاني باسهام في الجزء السادس من مذكرات حياة وجهاد عن أسباب تأخر القوميين في توقيع عريضة 11 يناير، حيث عرضت عليهم في المرحلة الأخيرة قبل تقديمها للجهات الرسمية، ولم تقدم لهم الإيضاحات التي طلبوها فوجؤوا بتقديم العريضة دون مشاركتهم.

اعتبر بلا فريج و من معه ملاحظات الوزاني حول العريضة رفضا وتخلوا عن محاولة جلب الحركة القومية إلى جانبهم.

وظل بوطالب على اتصال بابن بركة آملا أن يشارك القوميون في توقيع العريضة بطريقة ما حتى صباح الجمعة 10 يناير حاول بوطالب دون جدوى أن يوقع هو والأستاذ الجناتي المحامي بالرباط هذه العريضة باسم الحركة القومية.

استدعي بوطالب من لدن محمد الخامس، فتوجه إلى القصر الملكي، فاستقبله السلطان، وسأله عن سبب رفض الحركة القومية للتوقيع على العريضة بتاريخ 11 يناير 1944، وشرح جلالته ملابسات تهم المقيم العام الذي اعترض على السلطان قائلا: هذه العريضة لا تمثل إلا فصيلة من فصائل الرأي العام المغربي، ولم يمض عليها حزب وطني آخر هو الحركة القومية فلا يوجد عليها إجماع فصرح بوطالب للسلطان قصة عدم التوقيع على العريضة. ووعده بإعداد العريضة قريبا. وفي صباح 13 يناير حضر وفد من حزب الحركة القومية إلى القصر حاملا عريضة موقعة من فروع الحركة بالمغرب وهي تواقيع تم جمعها في أقل من 48 ساعة.

رحب السلطان بهذه العريضة الهامة، وقدمها للمقيم العام الفرنسي، وما إن اطلع عليها، أي عريضة 13 يناير 1944، حتى أصيب بإحباط شديد، وفي نفس اليوم إنعقد المجلس الوزاري الموسع الذي ضم فعاليات هامة بالبلاد، فأيدوا مضمون العريضتين بالإجماع.

تتجسد أهمية عريضة 13 يناير في كونها حققت الإجماع السياسي وتعبر عن موقف أصحابها إجمالا بالتضامن التام مع حزب الاستقلال.

تحمل عريضة القوميين توقيعات شخصيات بارزة إن نقص عددها عن توقيعات العريضة الأولى، فإنها لا تقل عنها أهمية وتمثيلية ونضالا.

إذ يوجد من بينهم علماء وكتاب وأساتذة في القرويين وفي الثانويات العصرية الكبرى.

لقد تركت عريضة 11 يناير 1944 بصمات خالدة في تاريخ النضال الوطني وكانت فتحا مبينا في إذكاء روح الوطنية الصادقة والنضال المستميت ضد الإحتلال الفرنسي الغاشم.

كما برهنت عريضة 13 يناير 1944 عن وطنية مثالية وعزيمة ثابتة لأصحابها على متابعة العمل المشترك من أجل تحقيق الاستقلال والديمقراطية.

لقد خلد هؤلاء المناضلون الوطنيون الصادقون أسماءهم بعداد الفخر والاعتزاز في سجل تاريخي ذهبي سرمدي أحياء وأمواتا.

يقول الشاعر:

الناس صنفان موتى في حياتهم    وآخرون ببطن الأرض أحياء

عريضة الإستقلال 11 يناير سنة 1944 م
عريضة الإستقلال 11 يناير سنة 1944 م

الكاتب: مندوب شبكة الأخبار “وجدة البوابة” مولاي عبد الخالق الأحمادي مفتش ممتاز بالتعليم ومنسق جهوي تخصصي:

مادة اللغة العربية

التربية الاسلامية

الاجتماعيات

بنيابة السمارة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz