عبد الكريم بلحاج لوجدة البوابة : العنف الموجه ضد الأستاذ يحيل على عنف علني أو مضمر ضد المدرسة والآباء، وبالتالي القانون والمعايير المجتمعية ككل

61884 مشاهدة

وجدة البوابة / الرباط: فاطمة بوبكري: بين الحين والآخر تفاجؤنا الصحف والمجلات والقنوات بقصص مثيرة ومشاهد غريبة ومزعجة، عن مظاهر العنف والاصطدام داخل فضاء المؤسسة التربوية الذي أضحى يتخذ منحى خطيرا وتزايدا مستمرا، بل ووصلت حدته أبواب القضاء و ردهات المحاكم للفصل بين الأطراف المتنازعة، وتقول الإحصائيات الصادرة عن المؤسسات الحكومية، أن معلما كل شهر يتعرض للعنف، أي تسع حالات خلال الموسم الدراسي كل سنة،كما أعددا كبيرا من التلاميذ يتعرضون بدورهم للتعنيف من قبل مدرسيهم، فمن الجاني ومن البريء؟ ومن المسؤول عن الظاهرة؟ فهل تغيرت القيم الثقافية في المغرب لهته الدرجة حتى ألقت بضلالها على المدرسة المغربية التي فقدت جزءا كبيرا من دورها التربوي والثقافي؟!.
الرباط: اجرت الحوار فاطمة بوبكريـ هل يمكننا الحديث عن عنف مدرسي ممارس من قبل المتعلم على المعلم، كظاهرة اجتماعية مقلقة وملفتة؟بالفعل من الظواهر المثيرة التي اكتسح، ت المجال المدرسي يبقى العنف أبرزها، وقد تطور بشكل ملفت في السنوات الأخيرة، بحيث أصبحت المؤسسة المدرسية مرتعا لعدد من الممارسات المنحرفة والتي تمثل فشلا بالنسبة للمنظومة التربوية المجتمعية العامة وتهديدا للقيم والمعايير الاجتماعية، فليس هناك من تبرير لسلوك العنف والعدوان الصادر عن أولئك الذين يفترض في كونهم متعلمين تجاه من هم مسؤولون عن تنشئتهم وتأطيرهم تربويا. وبالتالي، فالقلق والهواجس المصاحبة له أصبحت حاضرة بقوة لدى المدرسين والمسؤولين عن المنظومة التربوية والأسر، أي بالنسبة للمجتمع معنى ذلك، أنه مادامت مثل هذه الظواهر التي تشكل “خطرا” على التربية لها وجود معين، كيفما كانت درجته في المجال المدرسي، فإن ذلك يستفهمنا جميعا (آباء مدرسين مختصين وفاعلين اجتماعيين) ويدعونا إلى مراجعة ممارساتنا.

ـ وإذا أردنا أن نعطي تعريفا لهذا العنف ماذا سنقول؟ سواء تعلق بالأساتذة نحو التلاميذ أو العكس؟ما يجب توضيحه هو أن ما تعكسه هذه الظاهرة ليس بعنف مدرسي بقدرما، أنه يشكل عنفا داخل المجال المدرسي، بمعنى أن مظاهره وأسبابه تجد تفسيرها في عوامل خارج المدرسة وليس داخلها، ذلك أن الحياة المدرسية والممارسات التربوية لايمكنها بأي شكل من الأشكال أن تُنتج عنفا، بل إن المدرسة لايمكن بأي حال من الأحوال أن تُنتج العنف والشغب والسلوكات المنحرفة، ولكنها تعمل على محاربتها ومعالجتها بطرق تربوية، وإذا وجدت بعض الحالات فيتعلق الأمر ببعض السلوكات الغير المتوافقة التي تفيد مشكلات الاندماج والتحصيل والتي لا تدعو إلى القلق كما هو الشأن بالنسبة لظاهرة العنف، فإذن فهي ظاهرة اجتماعية بامتياز، يقتضي الأمر رصدها في البيئة المجتمعية وليس فقط في المدرسة، وهكذا فإن هذا العنف يتجلى في السعي إلى إلحاق الأذى والضرر بالغير أو محاولة الضغط والإكراه باستخدام القوة تجاه هذا الغير، وقد يجد تعبيره جسديا ولغويا ونفسيا وجنسيا. والعنف له تعريف واحد مهما كان مصدره، سواء كان من طرف الأساتذة نحو التلاميذ بحيث قد يعتبر مبررا بحكم الشرعية التي يستند إليها هؤلاء، مستمدين من المؤسسة والمهنة سلطتهم وصلاحية ممارستها، أوحينما يصدر هذا العنف من التلاميذ فيعتبر ذلك غريبا وخارجا عن القواعد المؤسسية والتربوية. والحال أن تجريم العنف ونبذه لايجب أن يحتمل مظاهر مقبولة وأخرى مرفوضة، إذن تبقى المسألة في مدى الاتفاق حول محددات وخصائص العنف القائم في المجال المدرسي، وبالتالي وضع القواعد التي يعتبر خرقها محسوبا على العنف.

ـ ماذا عن أسباب الظاهرة؟الأسباب متعددة بتعدد المظاهر والحالات والسلوكات، لكن تجدر الإشارة إلى أن المواقف التي تتواجد فيها الجماعات تكون فيها القابلية أكثر لاحتضان العنف، بينما المواقف التي يحضر فيها التفاعل البينشخصي، فهي تؤهل إلى العدوان وبما أن المجال المدرسي هو مجال الجماعات، ولاسيما في تقاطعها مع مرحلة المراهقة التي تتمثل فيها وضعية التلاميذ، فإن العنف يجد تعبيره بسهولة، وقابلية الانفجار والتصعيد تكون قائمة إذن، فهناك عوامل نفسية واجتماعية تشترك في إنتاج العنف وتفسيره، كذلك أن أساليب التساهل واللامبالاة وغض الطرف التي سادت في عدد من المؤسسات، بل وأشكال الانسحاب أو الاستقالة التي أصبحت تطبع بعض الأدوار المدرسية والأسرية، إضافة إلى التوترات التي يعرفها الشارع والمدينة، كلها عومل ساهمت في تفشي ظواهر العنف وما المدرسة إلى مختبر أو ميدان لها.

ـ ما هي أشكال العنف الذي يمارسه التلميذ نحو أستاذه؟من بين أشكال العنف الشائعة، ما تعلق بالسب والقذف والتهديد، بل والضرب والاعتداء الجسدي، هذا الأخير الذي صار ملفتا وبخاصة في المؤسسات الثانوية والجامعية، وهذا العنف يكون كردة فعل على ما قد يعتبره التلميذ تهديدا له أو تحقيرا لشخصه أو”تظلما” تجاهه، و من ثم يكون تصرفه بهذا الشكل كما لو أنه يستمد قوته من خارج المدرسة، لأن الأستاذ في نظره يأخذ مشروعيته من داخل المدرسة، وهكذا يصبح الصراع بين قوة المدرسة والشارع، فتكون الغلبة لهذا الأخير، لأن الأستاذ أصبح كما لو أن أمنه وسلامته لم تعد المدرسة تقوى على ضمانهما وعواقب الشارع غير محسوبة، إذن حتى بالنسبة لبعض التلاميذ الذين يتصف سلوكهم بالشغب والعدوانية، فقد اختزلت صورة الأستاذ في ذلك شخصه وليس في القيمة التي يحملها أو الرمز الذي ينبني عليه دوره، فالعنف الموجه ضده يحيل على عنف علني أو مضمر ضد المدرسة وضد الإباء، وبالتالي ضد القانون والمعايير المجتمعية ككل.

عبد الكريم بلحاج لوجدة البوابة : العنف الموجه ضد الأستاذ يحيل على عنف علني أو مضمر ضد المدرسة والآباء، وبالتالي القانون والمعايير المجتمعية ككل
عبد الكريم بلحاج لوجدة البوابة : العنف الموجه ضد الأستاذ يحيل على عنف علني أو مضمر ضد المدرسة والآباء، وبالتالي القانون والمعايير المجتمعية ككل

ـ ما هي انعكاسات ظاهرة العنف المدرسي على العملية التعليمية والتربوية؟ وهل يمكننا إعلان ناقوس الخطر في هذا المجال؟طبعا فكلما كان هناك عنف في المجال المدرسي، سواء ضد المدرسين أو فيما بين التلاميذ وأيضا ضد المدرسة ذاتها (البناية والأدوات والممتلكات..إلخ)، فهو بمثابة ناقوس خطر على العملية التربوية، لأنه يخلق حالة من التوتر والقلق والاضطراب التي يتعثر معها النظام والسير الطبيعي لهذه العملية. فالظاهرة صارت واقعا في عدد من المؤسسات التعليمية، وتبقى مرشحة للتطور ما دامت الأسباب قائمة والعوامل المؤدية لها لم يتم اجتثاتها، ثم أن هناك الظروف البيئية المجتمعية التي تساهم في إعادة إنتاجها عن وعي وعن غير وعي، منذلك ما قد يتجلى في المحيط المباشر للمدرسة من ممارسات منحرفة وعدوانية بدءا من المخدرات والتحرش ووصولا إلى النزاعات والشجارات والتي تتقاطع مع الفراغ، كذلك بعض أشكال العنف التي يأتي بها التلميذ كسلوكات من داخل البيت بفعل الصراعات أو تأثير التفلزة والأنترنيت، أو أيضا ما قد يكتسبه في الحي خلال اللعب والتواجد مع الأقران أو في التعاطي مع حالات الانحراف القائمة في الشارع، ونشير إلى أن مواقف الامتحان تكون بمثابة وضعية مناسبة لإنتاج العنف من طرف التلاميذ، والتي تعرف الغش والممارسات المتفرعة عنه.

ـ هناك من الأساتذة وبعض الآباء من يرون في التعنيف أو العنف أسلوب تخاطب كفيل بتحفيز التلاميذ على التحصيل الدراسي، مامدى صحة هذا الاتجاه؟هذا ليس بصحيح، لأن التعنيف لايمكن إلا أن يُنتج عنفا بشكل من الأشكال، أو أنه يكون وسيلة للترويض أو التطويع، والغاية منه قهر وكبح جماح الغير الذي هو التلميذ، كذلك لايمكن أن يكون أسلوبا تحفيزيا، بحيث أنه ينم عن منطق الإكراه والضغط لجعل المتعلم يخضع لسلطة المؤسسة وللمعرفة أو من يمثلها، أي الأستاذ وأصحاب هذا الاتجاه يختبئون وراء المؤسسة التي يستمدون منها السلطة والمشروعية في ممارسة الضغط والقمع، عوض البحث عن استخدام أساليب كفيلة بتحقيق تحصيل جيد ومن ثم التصدي لمثل هذه الظواهر. فلا يجب أن ننسى أن النقص في التكوين لدى بعض الأشخاص سواء آباء أو مدرسون يجعلهم في حيرة من أمرهم على مستوى التعامل مع التلاميذ وهم في مرحلة المراهقة والشباب، ويفقدون كل مرجعية قد تفيدهم في التعامل السليم، لذلك يبقى الملجأ الوحيد هو استخدام السلطة وشرعنتها في ممارساتهم. كذلك يبدو كما لو أن هؤلاء يُنشدون المقاربة الأمنية كحل وحيد.

ـ طيب ماهي الحلول النسبية التي من شأنها أن تحد أو بالأحرى تخفف من الظاهرة؟بالنسبة للحلول، يجب أن تنتقل الظاهرة إلى موضوع للبحث والدراسة والفحص العملي، وليس فقط الحديث فيه ومناقشته الذي لا يؤدي من فوائد سوى التهويل، أو حتى حصره في حدود المادة الإعلامية ليس إلا، لذلك فقد حان الوقت وقبل فوات الأوان بحيث لا ندري ما قد تترتب عن مثل هذا العنف من ظواهر طفيلية أخرى مادامت متعايشة في الوسط المدرسي، على الأطراف المعنية بالظاهرة أو التي تهمها صحة وسلامة الحياة المدرسية أن توليها الأهمية التي تستحقها وتدعو إلى رصدها من أجل اجتثاثها. والحال أن الموقف (العنف في المجال المدرسي) يتطلب التعامل معه بطريقة علمية موضوعية وعقلانية بعيدا عن الإرهاصات والاندفاعات والذاتية أو النظرة الضيقة للظاهرة، إنما يستحسن النظر إليها في شموليتها، وذلك بنهج مقاربة منظمة وممنهجة من شأنها تحقيق فهم وتحليل واقعي ابتداء من عملية تشخيص للظاهرة في مرحة أولى لتبيان مختلف الأسباب والعوامل الفاعلة والمنتجة لها، وبعد ذلك يمكن الوصول إلى الخيارات التي تتيح أهم الأساليب والوسائل التي سوف تسمح بالتصدي لها والقضاء عليها، طبعا ضمن إستراتيجية تكاملية مع العملية التربوية والتحسيس الاجتماعي، لأن المعني أساسا هو مصير أجيال، بل ومصير المدرسة، والنتيجة فسلامة المجتمع تقترن بسلامة المدرسة.د. عبدالكريم بلحاجأخصائي في علم النفس الاجتماعي .

د. عبدالكريم بلحاج أخصائي في علم النفس الاجتماعي
د. عبدالكريم بلحاج أخصائي في علم النفس الاجتماعي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz