عبادة الانفاق بين الترغيب والترهيب في كتاب الله عز وجل ( الحلقة الثالثة من السلسلة الرمضانية )/ وجدة: محمد شركي

57816 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 1 غشت 2013، يركز الكثير من الناس في شهر رمضان على عبادتي الصيام والقيام ، ويهملون عبادة الانفاق المقترنة بهاتين العبادتين حيث لا تقبل عبادة الصيام إلا بعبادة الإنفاق المتمثلة في صدقة الفطر . كما أن عبادة الصيام تجبر في بعض الحالات بعبادة الإنفاق كما هو الحال بالنسبة للذين لا يستطيعون الصوم حيث تسد عبادة الانفاق عندهم مسد عبادة الصيام . وفضلا عن ذلك تلازم عبادة الإنفاق عبادة الصيام حيث يرغب الصائمون في إفطار غيرهم طلبا لأجر يضاف إلى أجر صيامهم . ومعلوم أن عبادة الانفاق في الإسلام فضلا عن كونها تمثل ركنا من أركانه الخمسة ، وهو ركن الزكاة ، فإنها تقوم بدور جبر العبادات ، ودور التكفير عن المخالفات كما هو الحال بالنسبة لكفارة الأكل العمد في رمضان أو كفارة الحنث في اليمين حيث يقوم الإنفاق مقام غيره من الطاعات . وبالعودة إلى كتاب الله عز وجل نجد عبادة الإنفاق تقع بين أسلوبي الترغيب والترهيب . وتتنوع أساليب الترغيب في عبادة الإنفاق في كتاب الله عز وجل ومنها الإغراء بالتعويض كقوله تعالى : (( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه )) فالإنسان بحكم طبيعة البخل المتأصلة فيه لقوله تعالى : (( وكان الإنسان قتورا )) يأبى أو يتردد في الإنفاق إلا أنه إذا تلقى ضمانات بالتعويض عما ينفق ، فإنه يتشجع على الإنفاق ويقبل عليه . ومنها الإغراء بمضاعفة حجم الإنفاق أضعافا كثيرة كقوله تعالى : (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء )) فقد يتردد الإنسان القتور في الإنفاق ، ولكنه عندما تعرض عليه زيادة بأضعاف ما أنفق يقبل على الانفاق طمعا في الربح وفي الزياة . ومنها الإغراء بالاقتراض لقوله تعالى : (( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ))، فالإنسان القتور قد يتردد في الإنفاق ، ولكنه حين يعلم أنه يقرض ولا يعطي يقبل على الانفاق خصوصا إذا كان القرض سيعود عليه بأضعاف كثيرة ، مع ضمانات إلهية ناجزة الوعد منها قوله تعالى : (( وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون )) ، وقوله تعالى : (( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )) . ومقابل أساليب الترغيب في عبادة الإنفاق نجد أساليب الترهيب بالنسبة لمن يعطل هذه العبادة من قبيل قوله تعالى : (( ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة )) ،فالإنسان القتور قد يظن أنه يستفيد مما بخل به ، والحقيقة أن ما بخل به يعتبر وسيلة من وسائل عقابه يوم القيامة حيث يطوق بما كان يؤثره مما كان يبخل به . ومن أساليب الترهيب أيضا قوله تعالى : (( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )) فقياسا على إلقاء الأيدي إلى التهلكة حين الفرار من الزحف كما جاء في التفاسير، وهو تعطيل لفريضة الجهاد ، فإن تعطيل عبادة الإنفاق أيضا عبارة عن إلقاء للأيدي إلى التهلكة ، ذلك أن الذي يبخل يهلك نفسه . وكما رهب الله عز وجل من تعطيل عبادة الإنفاق ، رهب من إفسادها وتعطيلها وإبطالها كما هو الشأن في قوله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا )) فعبادة الإنفاق قد تبطل إذا ما صاحبها المن والأذى ، لأن الأصل في هذه العبادة أن تكون خالصة لوجه الله تعالى ، و خالية من كل رياء وسمعة ، وأن تكون عن طيب خاطر مصداقا لقوله تعالى : (( الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم )). والسر وراء الترهيب الإلهي لمن عطل عبادة الإنفاق ، هو أن الله سبحانه وتعالى في الترغيب أعطى ضمانات جد مغرية بلغت حد تعويضات بأضعاف كثيرة ، وبهذا لا عذر لمن عطل هذه العبادة وبخل ، وأكثر من ذلك ، فإنه يستحق أشد العذاب . وقد يفكر كثير من الناس في عبادة الإنفاق المادية مع إهمال أنواع أخرى من الانفاق المعنوي الذي لا يقل أهمية عن الإنفاق المادي مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” على كل مسلم صدقة ، قيل : أرأيت إن لم يجد ؟ قال : يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق ، قيل : أرأيت إن لم يستطع ؟ قال : يأمر بالمعروف أو الخير ، قيل : أرأيت إن لم يفعل ؟ قال : يمسك عن الشر فإنها صدقة ” . فبموجب هذا الحديث الشريف يلزم كل مسلم بصدقة مهما كانت وضعيته المادية والمعنوية ، ولهذا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنواع الإنفاق غير المادية ، فنبه عليه الصلاة والسلام إلى إنفاق الجهد ، وإنفاق النصح ، وإنفاق الإمساك عن الشر . فالإنسان المسلم مطالب شرعا بعبادة الإنفاق بماله أو جهده أو أمره بالمعروف أو إمساكه عن الشر وكل ذلك يدخل ضمن عبادة الإنفاق . ولما كان ظرف رمضان الأبرك ظرف أجر مضاعف حيث تعدل فيه الفريضة سبعين فريضة في غيره ، فإن فريضة الإنفاق تستفيد هي الأخرى من هذا العرض المغري ، لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان كأنه الريح المرسلة ، ولهذا يجدر بالمؤمنين أن يقتدوا به في إنفاقه في هذا الشهر الفضيل من أجل دعم عبادتي الصيام والقيام بعبادة الانفاق . ورب نقص في العبادتين قد تعوضهما عبادة الإنفاق ، وهي أقل مشقة منهما . والله ورسوله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين .

عبادة الانفاق بين الترغيب والترهيب  في كتاب الله عز وجل ( الحلقة الثالثة من السلسلة الرمضانية )/ وجدة: محمد شركي
عبادة الانفاق بين الترغيب والترهيب في كتاب الله عز وجل ( الحلقة الثالثة من السلسلة الرمضانية )/ وجدة: محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz