عاقبة الإعراض عن القرآن الكريم والانسلاخ منه

18718 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 1 شتنبر 2011، 

بسم الله الرحمان الرحيم ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

من المعلوم أن الله عز وجل تعبدنا بعبادة استعراض القرآن الكريم خلال شهر رمضان في صلاة التراويح، من أجل أن نعرض أنفسنا عليه ،لقياس المسافة التي تفصلنا عن أخلاقه ،التي امتدحها الله عز وجل في شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بقوله عز ومن قائل : (( وإنك لعلى خلق عظيم )) .وهو الخلق الذي سأل عنه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ،فقالت ” كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ” . ولهذا فالغرض من استعراض القرآن في ليالي رمضان هو العمل على التخلق بأخلاقه ، أو بتعبير آخر التحلي بحلة القرآن ، أو ارتداء لباس الأخلاق القرآنية مصداقا لقوله تعالى : (( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون )) فبموجب هذه الآية الكريمة يوازي اللباس المعنوي ، وهو لباس التقوى ، أو لباس أخلاق القرآن الكريم الساتر للسوءات البشرية المعنوية اللباس المادي الساتر للسوءات البشرية المادية . ومباشرة بعد هذه الآية الكريمة يقول الله عز وجل : (( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)) فبموجب هذه الآية الكريمة يعمل الشيطان الرجيم وقبيله على سلخ بني آدم من لباسهم بنوعيه المادي والمعنوي . وإذا كانت عبادة القرآن الكريم في رمضان تكسو بعض المؤمنين بلباس التقوى في أيام معدودات على غرار ما تفعل بهم عبادة الصيام ، فإن البعض الآخر يحول داء خطير بينهم وبين لباس التقوى ،أو لباس أخلاق القرآن الكريم ، وهو داء يتمثل في أكنة تحول دون فقه القلوب للقرآن الكريم ، وفي وقر يحول دونه ودون الأسماع ، كما جاء في قوله تعالى : (( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذنهم وقرا وإن تدعوهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذن أبدا )) فبموجب هذا النص القرآني لا يوجد أظلم من شخص يذكر بالقرآن الكريم طيلة شهر رمضان ، فيعرض عنها إذ لا يأتمر بأوامره ، ولا ينتهي عن نواهيه ، وينسى ذلك ، و ما تقدم يداه وهو عكس ما طلب منه أمرا ونهيا . فهذه أعراض مرض أكنة القلوب ، ووقر الآذان ، والنتيجة هي الضلال الذي لا هداية بعده. فمن عرض نفسه على القرآن الكريم طيلة شهر الصيام ولم يغير ذلك من حاله شيئا ، فظل على ما كان عليه من ذنوب ومعاص كان مصابا بهذا الداء العضال الذي لا يرجى شفاؤه. والله عز وجل يصف حال صاحب هذا الداء العضال في سياق قرآني آخر في قوله عز من قائل : (( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين )) وفعل انسلخ في هذه الآية الكريم بليغ لأنه يدل على أن الله عز وجل يلبس الإنسان لباس التقوى أو لباس أخلاق القرآن ، وهذا الإنسان ينسلخ من لباسه كما تنسلخ الحية من جلدها ، أو بتعبير آخر ينزع عنه الشيطان الرجيم وقبيله لباس التقوى أو لباس أخلاق القرآن الكريم . والدليل على فعل الشيطان هذا قوله تعالى : (( فأتبعه الشيطان )) أي جعله تبيعا له ،وكان مصيره الغواية والضلال . ويفصل الله عز وجل في حال المنسلخ من القرآن بقوله جل من قائل : (( ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه )) فبموجب هذا النص القرآني يعتبر لباس التقوى أو لباس أخلاق القرآن رفعة أرداها الله عز وجل للإنسان الذي ينسلخ من لباسه الذي ارتضاه له الله عز وجل ، ويستجيب للشيطان حين ينساق وراء هواه ، لأن الشيطان يقف وراء الأهواء ، ويمارس الضغط على الإنسان بهذه الأهواء لينزع لباس التقوى عنه ،و يجعله يخلد إلى الأرض ، ويلتصق بالتراب ، وهو دليل على الضعة عوض الرفعة التي ارتضاها له الله عز وجل . وبالخلود أو الإخلاد إلى الأرض يفقد الإنسان آدميته وإنسانيته المكرمة ، ويصير في مرتبة الأنعام التي سوده الله عز وجل عليها، وسخرها له. فهذا المنسلخ من القرآن شأنه شأن الكلب كما قال الله تعالى : (( مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون)) فكما أن حال الكلب واحدة في حركته ، وفي سكونه ، وهي اللهث ، فكذلك حال المنسلخ من القرآن الكريم واحدة قبل وبعد عرض نفسه على هذا القرآن الكريم ، فهو على غوايته وضلاله لا يتغير لأنه مصاب بدء الكن على قلبه والوقر في أذنه . ومن أجل أن يؤكد الله عز وجل أن الإنسان المعرض أو المنسلخ من القرآن الكريم تكون عاقبته سيئة وهي الضلال والغفلة الدائمين ، وهي فقدان الآدمية والإنسانية المكرمة قال جل شأنه : (( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )). فقد يستغرب البعض أن يصير الإنسان في مرتبة الأنعام ، ودون مستوى مرتبة الأنعام ، ولكن يكفي أن نسوق مثالا واحدا يؤكد هذه الحقيقة القرآنية ، وهو مثال شارب الخمر، الذي تذهب الخمر بعقله ، الذي كرمه الله عز وجل به ، وهو قلبه أو لبه الذي به يفقه ويعلم ، فيصير بعقله المعطل بفعل الخمر مجرد مخلوق كالأنعام ، بل قد يصير أضل من الأنعام ، حيث يخلع تحت تأثير السكر لباسه المادي تماما كما يخلع لباس التقوى بشرب الخمر . وقد يتبول أو يتغوط أمام الناس ، وقد يؤذي الناس بسلاطة لسانه وفحشه ، وقد يرتكب من الجرائم ما لا يصدر عن الأنعام . وقبل أيام كانت القناة الثانية عندنا تقدم برنامجا عن الجرائم في وطننا ، فعرضت جرائم نكراء ارتكبها شاب من مدينة سطات حيث اغتصب ثلاث فتيات ، وقتلهن وهو تحت تأثير الخمر ، وهذا فعل شنيع جعله أضل من الأنعام ، لأن هذه الأخيرة قد تمارس الجنس على بعضها دون أن يقتل بعضها بعضا ، كما فعل هذا المجرم السكيرالمنسلخ من القرآن المعرض عنه ، والمصاب بداء كن القلب ووقر الأذن ، وهو داء الغفلة . وقد يظن البعض أن الإعراض عن القرآن الكريم والانسلاخ منه يكون بمجرد إنكاره ، والواقع أن أقبح إعراض عن القرآن هو إنكار الحال ، وليس مجرد إنكار المقال ،حيث يحتك الإنسان بالقرآن الكريم طيلة شهر الصيام ، ولكنه لا يغير من أخلاقه المنحرفة شيئا ، تماما كما أن الكلب لا يغير من طبيعة لهثه في حركته وسكونه. فكل من ألبس لباس التقوى ، أو لباس أخلاق رمضان ،ولم يلبسه حقيقة ، وانسلخ منه يكون شأنه شأن الكلب ، وهو مثل السوء علما بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ” فالله تعالى ضرب مثل الكلب ، وهو مثل سوء للتمثيل للمنسلخ من القرآن الكريم ، كما أن رسوله صلى الله عليه وسلم ضرب نفس مثل السوء للعائد في هبته وهديته . ومثل الكلب في ثقافتنا الإسلامية يضرب للخسة ،كما أن مثل الحمار يضرب للبلادة ،والجهل لقوله تعالى في علماء بني إسرائيل الذين لم ينتفعوا بعلمهم الكثير شيئا : (( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا )) ، فهذا مثل سوء يقتضي قولنا الحمار حاشاكم ، والكلب حشاكم خلاف ما يروج له البعض بأن الله عز وجل ذكر الحمار والكلب في كتابه الكريم، ولم يقل حاشاكم .والحقيقة أن الله عز وجل ضرب أمثلة السوء بالحمار، والكلب في السياقين اللذين مرا بنا ، في حين أن ذكره لحمار عزير ، وكلب أهل الكهف لم يكن في سياق مثل السوء المقتضي لقول حشاكم . وأمثلة السوء تقتضي القول حاشاكم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ” ليس لنا مثل السوء ” في معرض حديثه عن العائد في هبته ، وقوله عليه الصلاة والسلام أبلغ من قولنا حاشاكم . وأخيرا نذكر الذين عرضوا أنفسهم على القرآن الكريم خلال ليالي رمضان، ولم يقيسوا المسافة الحقيقية التي تفصلهم عن أخلاق القرآن ، احذروا داء الأكنة على القلوب ، والوقر في الآذان ، واحذروا عاقبة الإعراض عن القرآن الكريم ، والانسلاخ منه وهي الضلال والغفلة الدائمان والعياذ بالله . والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

عاقبة الإعراض عن القرآن الكريم والانسلاخ منه
عاقبة الإعراض عن القرآن الكريم والانسلاخ منه

محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz