ظاهرة عدم انضباط المتعلمين وعجز الإدارات التربوية عن احتوائها

174739 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: فيما مضى كان حديث  المدرسين  إذا  ما خلوا إلى بعضهم في  فترات الاستراحة أو فترات الراحة يتركز حول  جد واجتهاد  المتعلمين  وحول  نماذج  النوابغ منهم ، أما اليوم فلا حديث  بين المدرسين  إلا عن  ظاهرة  الشغب  وقلة التربية  بل سوءها  وعدم  الانضباط والتسيب  في الفصول الدراسية . ولا  تمر حصة دراسية  دون أن تسجل عشرات الحالات من الاخلال  بالسلوك المطلوب في المتعلمين  داخل  محيط المؤسسات  التربوية . وصار المدرسون يتحدثون  عن  النماذج  السيئة الأخلاق  وما  تقوم به من  سلوكات مستقبحة  . ويعاني  العديد من المدرسين من ظاهرة الشغب  داخل  الفصول الدراسية  حيث  تحضر عينات من المتعلمين  ذكورا  وإناثا  ليس بنية  الدراسة  وإنما من أجل  قتل  الوقت كما يقال بدون  لوازم  مدرسية  ،وبدون  واجبات منزلية  أو  إعداد  قبلي كما يقال ودون أدنى حد من  الانتباه ، ودون  أدنى  رغبة في الدراسة  ، وبسبق إصرار لممارسات سلوكات  مشينة ومستفزة  للمدرسين  ومشوشة  على أعمالهم . وأمام استفحال  هذه  الظاهرة المؤثرة  سلبا  على  التحصيل ، وعلى  السير  العادي  للدراسة  تقف  في الغالب  الإدارات التربوية  عاجزة  عن  معالجتها  بما يلزم  من  جدية  وصرامة . ومع علم بعض الإدارات التربوية  بالمتعلمين  الذين  يعتبرون  رؤوس الحراب في تكريس  هذه الظاهرة ، فإنها  تغض الطرف عنهم  ، وتدخل  مع المدرسين  في  جدل  بيزنطي  عقيم  كما يقال و بلا طائل  ، وهي بذلك  تغطي عن  عجزها  الفاضح  في  السيطرة  على  الأوضاع داخل  المؤسسات  التربوية . وتفضل   بعض الإدارات الدخول  في  هذا الجدل  البيزنطي العقيم  مع  المدرسين  الذين  يشتكون  شبه يوميا من سوء  تربية  المتعلمين بل  ينشب  بينها وبينهم صراع عوض  مواجهة  ظاهرة  التسيب بين  المتعلمين . وقد تحتج  بعض  الإدارات التربوية  بالنصوص التي تمنع  إخراج  المتعلمين  من الفصول  الدراسية بسبب  عدم إحضار اللوازم  المدرسية ، وحالها  كحال من يؤمن  ببعض الكتاب  ويكفر  ببعض ، ذلك  أن النصوص  التي  تلزم المتعلمين  بإحضار اللوازم ، والتزام السلوك  المطلوب  تضرب عنها  بعض هذه الإدارات  صفحا  في حين  تستشهد  وتحتج  بالنصوص التي  تمنع من إخراج المتعلمين  الذين  يحضرون إلى الفصول  الدراسية  دون  لوازم  مع علمها  العلم اليقين  بأن  الذين   يحضرون دون لوازم  إنما  يتعمدون عن سبق إصرار على  الفوضى  داخل  الفصول  لأنه لا يعقل  أن يحضر  هؤلاء  بلا لوازم الشيء الذي  يحول دون مشاركتهم  في الدرس ،ومع ذلك  يلتزمون  بالسلوك  المطلوب  تربويا  . وعوض  تفعيل  القوانين الداخلية للمؤسسات  التربوية  المقتبسة  من توصيات  الحياة  المدرسية فإن معظم  الإدارات التربوية  تكتفي  بتعليقها على  السبورة  المرجعية  ومنها  ما اصفر  ورقها لطول عهدها  بالتعليق  بلا طائل، و دون  أن  يفعل بند  واحد منها  لسنوات . ومن الإدارات التربوية  من يطلب  من المدرسين  الذين  يرصدون  حالات  الفوضى  وعدم الانضباط بل وحتى الذين يكونون ضحايا  العنف  المادي  والمعنوي من طرف  المتعلمين  المشاغبين  تحرير التقارير  من أجل  عرض هؤلاء على  أنظار  المجالس الانضباطية التي هي من اختصاص  مجالس  الأقسام دون  أن تعقد هذه  المجالس  التي تكون  في الغالب  مسبوقة  بالتدخلات  والشفاعات  والتوسلات من  الآباء  والأولياء الذين  لا يعرفون شيئا  عن سلوكات أبنائهم  أو  الذين  أعلنوا  عجزهم  الكامل  أمام  هذه  السلوكات ، وأوكلوا  أمرها  إلى المؤسسات التربوية  ولكنهم  يتشفعون إليها عندما  تهم  بممارسة  تصحيح  مسار  سلوكات أبنائهم الشاذة التي  يقرون  بها هم أنفسهم  مع التعبير عن عجزهم لمعالجتها . ولقد فقد  العديد من  المدرسين  الثقة في مسطرة أو إجراء توجيه التقارير إلى مجالس  الأقسام التي صارت  بلا جدوى ولا طائل .  وانتشرت ظاهرة  التعاطف  مع  المتعلمين  أصحاب الشغب ، بل يصير هؤلاء أبطالا ، وقد تقف  بعض الإدارات التربوية  إلى جانبهم إرضاء  لأولياء  أمورهم أو استجابة  لشفاعات  لهم فيها مصالح . وتتجاهل  بعض  الإدارات  التربوية  مسؤولية  تتبع  أوضاع المتعلمين  التربوية والتعليمية والاجتماعية والنفسية  والصحية … علما بأن أطر  التدريس  يوكل  إليها  التدريس وليس  تتبع  هذه  الأوضاع . وترى  العديد من الإدارات التربوية أن مهمتها تنحصر في  إدخال  المتعلمين إلى  الفصول  الدراسية للتخلص من وجودهم  بالساحات  والممرات  دون  أن  تعنيها  سلوكاتهم  داخل الفصول ، علما بأن السير  العادي  للدراسية  لا يقتصر  على إدخال  المتعلمين  إلى الفصول بل  يتطلب  الوقوف  عن  كثب على  ظروف  تحصيلهم  وتعلمهم   داخلها ، مع التدخل  من أجل  منع  كل ما من شأنه  أن يعيق  السير  العادي  للدراسة  داخل  فصول المؤسسات وليس  فقط  في ساحاتها . ومن الإداريين  من  يتظاهرون بالصرامة أمام ضعاف المتعلمين عملا  بقاعدة اضرب  الضعيف ليخاف القوي  بينما  يضطرون  لإظهار التودد  أمام العناصر المشاغبة خوفا من  شغبها ومما  لا تحمد  عقباه ، بل قد  يشاهد الإداري الضعيف  وهو يتملق ، و يعانق  المتعلم  المشاغب و يسترصيه  بعبارات من قبيل  : ” أصاحبي  وأنت  رجل مزيان … ”  إلى غير ذلك  مما  يزيد  المشاغبين  دلالا  وإصرارا  على  مواصلة الشغب  بوتيرة أكبر حتى صار  الشغب  قاعدة  ، والسلوك  السوي استثناء .  ولقد  تحول  العديد من المدرسين  إلى مواضيع  تندر  وسخرية  لدى المتعلمين  المشاغبين ،وعوض  انشغالهم  بالقيام  بواجباتهم  يقضون  معظم وقتهم  في  ضبط  الأقسام  ومنع  الشغب  المعرقل  لسير  الدراسة. ولقد  صارت  فترات الاستراحة  على  رأس كل ساعة،  أما  فترات الاستراحة  الرسمية  صباح مساء فقد صار تقدير  وقتها  بيد  المتعلمين  الذين  لا يلتحقون  بفصولهم  الدراسية إلا  بعد مرور  ضعف  أوقات الاستراحة في أحسن الأحوال  حيث   يكتفي  معظم  رجال  الإدارة التربوية  بالتصفيق  لتنبيههم إلى ضرورة الالتحاق  بالفصول ، وقد  لا  يصفقون في معظم الأحيان لأن  التصفيق  يكون في أحيانا خاصة، ولأنه لم يعد يجدي  نفعا . وتسود  الفوضى  في الممرات  خصوصا  في  الساعات  الأخيرة  مساء  حيث يتعمد  المتعلمون  المشاغبون  إطفاء  المصابيح من أجل  العربدة  والشغب  والسلوكات المخلة بالأخلاق . وتسمع أصوات  جميع الحيوانات  المنكرة  داخل  الفصول  الدراسية   وفي  الممرات  وفي الساحات  وكأنها  اصطبلات  أو  مزارع  وليست مؤسسات  تربوية ، وفي أحسن الأحوال يكون  حالها  كحال  الساحات العمومية و الشوارع  والأسواق . أما  نوع الخطاب  المتداول  فالفحش والتفحش الممقوت  حيث لا ينادي  المتعلمون  على بعضهم  البعض  إلا  بعبارة :” يا  ولد  الفاجرة ” وعبارة:”  سأقع  في أمك  أو أختك  أوفيك ….” أو ما شابه  من العبارات المستهجنة   داخل  وفي محيط  مؤسسات  تربوية  تربي  يا حسرتاه . وأحدث  ما صار متداولا  في الآونة الأخيرة  حديث عن متعلمين مثليين  شاع خبر تهتكهما  بين  المتعلمين  في إحدى  المؤسسات . وقد أكد لي الخبر مدرس  بهذه المؤسسة إلا أنه  عبر عن استغرابه  لغض الطرف  عن  السلوكات المخلة  بالأخلاق والحياء  يوميا  بهذه  المؤسسة ، دون  أن  تحدث  نفس الضجة  التي  حدثت في  هذه  الحالة  التي  ما وصلت إليها  المؤسسة  لولا  وجود  حالات  من نفس النوع  يوميا حيث   العناق  والقبلات   والمداعبات جهارا نهارا ، وهي أمور  لا تقل  خدشا  للحياء عن  تهتك المتعلمين  الموصوفين  بالمثلية . وتحصل  التهتكات أمام  أنظار المربين  إداريين  ومدرسين  ولا يحدث بأس كما يقال . ولا يحرك الآباء والأولياء  ساكنا  أمام  ما يحدث  في محيط  المؤسسات  لأن  ما يحدث  في محيطها  يعبر عما  يحدث داخلها . وأمام  هذه الظواهر لا وجود  للوزارة  الوصية عن  التربية  إلا  من خلال  نصوص  ميتة  لا  تجدي نفعا  في غياب  الإجراءات  العملية  الصارمة  التي  ترد  إلى المؤسسات  هيبتها  التربوية  المفقودة  منذ زمن بعيد . ولقد  كانت ظاهرة الشغب  مجرد  موضوع تمثيل  سينمائي  أو مسرحي للتسلية  إلا  أنها  صارت  واقعا  معيشا مع شديد الأسف والحسرة .فمتى  ستفيق ضمائر  المسؤولين عن  التربية  أمام الله  عز وجل  وأمام  الخلق من أجل التصدي  للتسيب  بالمؤسسات  التربوية بما يلزم  من حزم  وصرامة  حفاظا  على الناشئة  وعلى  الأخلاق  والقيم  وعلى  مصير الوطن ؟ وإلى متى  سيتذرع  المتملصون  من واجباتهم التربوية  بالذرائع  الواهية ؟  

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz