ظاهرة انفصام المتعلم المغربي بين متعلم حقيقي وآخر افتراضي

147621 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: من الأحاديث المتداولة يوميا بين المشتغلين في الحقل التربوي حديث انفصام المتعلم المغربي بين وضعية متعلم حقيقي ووضعية متعلم افتراضي . ومعلوم أن المتعلم الافتراضي هو ذلك المتعلم الذي تحدد مواصفاته من خلال هيكلة المنظومة التربوية التي تعتمد أسلاكا ومستويات تحدد على ضوئها مناهج وبرامج ومقررات وطرائق ووسائل وأساليب تقويم وما تقتضيه من انتقال وتكرار أوفصل . ويكفي أن ينسب المتعلم إلى سلك ما ومستوى معين ليأخذ هوية المتعلم الافتراضي إلا أن هذه الهوية تختلف عن هويته الحقيقية إذ قد يصنف المتعلم افتراضا في سلك ما وفي مستوى دراسي ما ولكنه في الواقع يكون تصنيفه الحقيقي شيئا آخر ، وقد يكون في بعض الحالات خارج كل تصنيف افتراضي . فعندما يقول بعض المدرسين إننا ندرس تلاميذ لا يستطيعون حتى كتابة أسمائهم أو لا يستطيعون قراءة أو كتابة جملة واحدة أولا يعرفون الفرق بين اسم وفعل وحرف في لغتهم الأم أو لا يفهمون عبارة بسيطة باللغة الأجنبية …. إلى غير ذلك من الملاحظات التي تدخل ضمن هذا التوصيف ،فإنهم في الحقيقية يقومون بمقارنة في أذهانهم بين هوية متعلمين مفترضين على ضوء مواصفات المنظومة التربوية المعتمدة وبين هوية حقيقية لهؤلاء المتعلمين . فكل من لا تنطبق عليه مواصفات المتعلم الافتراضي يكون خارج التوصيف المعياري الذي تشترطه المنظومة التربوية . ويطرح انفصام المتعلم بين متعلم افتراضي بحكم تصنيفه في سلكه ومستواه وبين متعلم حقيقي إشكالا كبيرا بالنسبة لتعليمه وتعلمه ذلك أن المدرس يتعامل مع منهاج المتعلم الافتراضي عمليا وإجرائيا ،وهو يواجه متعلم حقيقي بمواصفات لا علاقة لها بمواصفات المتعلم الافتراضي . ولو أن واضعي المناهج يضعون نصب أعينهم المتعلم الواقعي حين يضعونها لجاءت مواصفات المتعلم الافتراضي مخالفة تماما لما يفترضونه وهم يعتمدون أسلوب وضع العربة قبل الحصان . ويعاني المدرسون من انفصام من يعلمونهم بين وضعيتهم الافتراضية ووضعية الواقعية والحقيقية . ويعرف سير الدروس تعثرات ، وتغيب المردودية ، وتأتي النتائج عكسية لأن المتلقي عبارة عن متعلم حقيقي من دم ولحم ، والمستهدف متعلم افتراضي. وكما أن التعليم والتلقين يعرف اختلالا بسبب هذا الانفصام ، فإن أساليب التقويم تعرف هي الأخرى اختلالا أيضا حيث ينفصم التقويم بدوره إلى انتقال ونجاح ، أما الانتقال فهو التقويم الحقيقي وأما النجاح فهو التقويم الافتراضي ، ولهذا صارت منظومتنا التربوية أمام أسلوبين للتقويم. وعندما ينتقل المتعلم الواقعي من مستوى إلى آخر فإنه يراكم رصيدا معتبرا من التعثرات لأنه لا يعرف شيئا اسمه النجاح طيلة مدة تمدرسه خصوصا وأن أساليب التقويم عندنا تعتمد نظريا عتبات النجاح ولكنها إجرائيا تضطر إلى اعتماد عتبات الانتقال وفق نظرية العرض والطلب المعروفة في مجال الاقتصاد ، وهي عتبات متغيرة لا يقر لها قرار ولا تعرف ثباتا كما هو حال عتبات النجاح . ومن عيوب أساليب تقويمنا أن نتائج المتعلم المغربي تنتهي دلالتها بانتقاله من سلك إلى آخر نظريا ولكنها تظل موجودة عمليا لأن التعثرات لا تنتهي بمجرد الانتقال من سلك إلى آخر أو من مستوى إلى آخر بل تصاحب أصحابها . وحين تتعالق المستويات في سلك من الأسلاك كما هو الحال في السلك التأهيلي على سبيل المثال نجد أسلوب الانتقال يتعايش مع أسلوب النجاح والرسوب حيث ينتقل المتعلم من السنة الأولى لسلك الباكلوريا إلى السنة الثانية مع فشل أو رسوب في الامتحان الجهوي الذي يمثل نسبة 25℅ من نتيجة شهادة الباكلوريا وهنا تبدو صورة الانفصام بوضوح حيث نجد أنفسنا أمام متعلم منتقل وهو راسب في نفس الوقت ، ومهدد برسوب آخر جد محتمل باعتبار درجة رسوبه في الامتحان الجهوي.وعندما نتفحص ملف المتعلم المغربي نجده يتضمن ملفا خاصا بكل سلك وبلون معين،وهو يعكس مسار المتعلم ولكن دون أن توجد علاقة بين نتائجه في مختلف مراحل تعلمه باستثناء علاقة واحدة هي احتساب مدة تمدرسه بحيث لا يسمح له بمواصلة دراسته إذا ما استوفى مدة معينة ، ولكن يسمح له بالانتقال بالرغم من تعثراته . ولو افترضنا اعتماد التقويم الافتراضي المنحصر في عتبة النجاح التي هي نصف النقطة أو ما يصطلح عليه بالمعدل لكان مصير غالبية المتعلمين هو استنفادهم مددهم الدراسية القانونية ولكن اعتماد التقويم الاضطراري الذي هو الانتقال يفرضه المتعلم الحقيقي وهو يقلل من ظاهرة فصل المتعلمين . والحقيقة أن المتعلم الذي ينتقل ولا ينجح يكون في حكم المفصول المتمدرس الذي هو رهين تعثراته وحبيسها تلاحقه لعنتها في مشوار تعلمه . وأعتقد أن ظاهرة إعادة المفصولين خاصة بالمنظومة التربوية المغربية ، وهي من تداعيات أسلوب الانتقال بعتبات متغيرة في إطار التدني عن عتبة النجاح ،والذي تعتمده هذه المنظومة بديلا عن أسلوب النجاح بعتبات ثابتة ، ذلك أن السماح للمتعلم المتعثر بالانتقال إلى مستوى لا يستحقه يعدل السماح للمتعلم المفصول بالتمدرس من جديد ، وتجتمع عليه حينئذ آفتان : آفة مراكمة التعثر ، وآفة استنفاد مدة التمدرس . وقد يحاول البعض اقتراح معالجة ظاهرة انفصام المتعلم المغربي بين وضعية المتعلم الافتراضي ووضعية المتعلم الحقيقي من خلال التلويح ببرامج الدعم والتقوية التي يفترض أن تقلص الهوة بين ما هو افتراضي وما هو حقيقي في شخصية المتعلم المغربي ، ولهذا السبب تلجأ الأسر المغربية إلى أساليب دعم وتقوية أبنائها عن طريق الدروس الخصوصية لمعالجة انفصامهم التعلمي . ولست أدري إلى متى سيستمر تجاهل ظاهرة انفصام المتعلم المغربي بين هوية تعلمية افتراضية و أخرى حقيقية وبينهما بون شاسع ؟ وهل سيبدأ إصلاح المنظومة التربوية من خلال حل إشكالية هذا الانفصام أم أن الإصلاح سيراهن دائما على متعلم افتراضي ، ويتجاهل المتعلم الحقيقي ؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz