ظاهرة الجناية على الهوية اللغوية لأبناء الجالية المغربية في دول أوروبا الغربية

187514 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “ظاهرة الجناية على الهوية اللغوية لأبناء الجالية المغربية في دول أوروبا الغربية”

في كل عطلة صيفية  وتحديدا خلال شهري يوليوز وغشت تعود الجالية المغربية القاطنة بدول أوروبا الغربية إلى أرض الوطن بأعداد كبيرة ، وتجلب معها  الكثير من الظواهر السلبية،  ومنها  ظاهرة  الجناية  على الهوية اللغوية لأبنائها . وحقيقة  هذه الجناية  هو أن الآباء  والأمهات المغتربين يجنون على أبنائهم  وبناتهم  لغويا حيث يعلمونهم لغات  بلدان الإقامة  مقابل  الجهل التام  بلغتهم  الوطنية  التي تعد جزءا من هويتهم . والذي  جعلني ألتفت إلى هذه  الظاهرة في هذا المقال لقطة عابرة عاينتها  بمخبزة  حيث  دخل  فتية  وفتيات  لاقتناء  الخبز أو بعض الفطائر فرفعوا عقيرتهم بلغة  أوروبية  ربما كانت برتغالية  أو إيطالية  ، وهم  يتعمدون لفت أنظار الزبناء إليهم دون إخفاء  نوع  من الفخر  وهم  يتكلمون  لغة غير لغتهم الوطنية. وتذكرت كيف  يبادر بعض  المهاجرين  بالافتخار عندما  يتكلم  أبناؤهم اللغات الأوروبية  وهم  في فترات  عطلة  بوطنهم  دون  استشعار أدنى  شعور  بالحرج  بل يتعمدون  جر أبنائهم للحديث  بها في الأماكن  العمومية من متاجر  ومطاعم  ومقاهي  وشوارع وغيرها … وإذا  ما توجه  مواطن لأحد  أبناء الجالية  بحديث لا بد منه  خلال معاملة  من المعاملات  يسارع الآباء  والأمهات  أو الأقارب إلى التعبير  بكبير زهو وافتخار أن ابنهم لا يتكلم  اللغة  الوطنية ، ويبدو الابن  أيضا  مزهوا  بذلك لأنه يلقى في روعه  أنه متميز  بعدم  حديثه  بلغته الوطنية  التي  يعتبر الحديث  بها  منقصة  تقلل من شأنه  وهو الذي تعلم لغة أمم  راقية ، وأنه  يجد في ممارسة رطانتها  أمام  أبناء  وطنه مفخرة  وتميزا. وقد يتسبب  سلوكه اللغوي غير الطبيعي في وطنه في نشوء  عقدة  لدى أطفال عائلته  المقيمين  داخل الوطن حيث يساهم  افتخار  الأهل  به  في  شعور هؤلاء المقيمين  بالدونية  اللغوية  أمام أبناء الجالية  خصوصا  وأن  منظومتنا  التربوية  تتميز  بضعف  تلقين  اللغات  الأجنبية  المعتمدة  وتضفي عليها هالة تميز. والغريب  ألا يخطر  ببال الآباء  والأمهات المهاجرين أنهم  يرتكبون جناية  في حق  أبنائهم  عندما  يربونهم  على  الحديث  بلغات  بلدان الإقامة  في المهجر على حساب  لغتهم الأم التي  تعطيهم  الهوية  اللغوية  والثقافية  وحتى الدينية ، كما  أنه لا يخطر  ببال  من يعتبرون  حديث  أبناء  الجالية  بلغات  أوروبية على حساب اللغة الوطنية  مكسبا أو مفخرة  أنهم  يكرسون  ظاهرة  الجناية  على  هوية  أبناء الجالية . وظاهرة الافتخار باللغات  الأجنبية  معروفة  لدينا بعد رحيل المحتل الفرنسي  حيث  يرى فيها  البعض  قيمة  مضافة  حينما  تسنح  لهم  الفرص  للحديث  أمام  وسائل  الإعلام ، ولا يشعرون بأدنى حرج  أو وخز ضمير  وهم  يؤثرون لغة محتل الأمس  اللغة  الفرنسية  على لغتهم الوطنية ، ويوهمون  أنفسهم  بنوع  مغلوط من  التميز  على  أبناء  وطنهم  بسبب ذلك . ومقابل  حرص بعض الدول  العربية  على  الرفع  من شأن  الهوية اللغوية  يبدو  وطننا  متساهلا   جدا في شأنها  بل يساهم في  المساس  بها كما هو  الشأن  في الأحاديث  أمام  وسائل  الإعلام  الوطنية باللغة الفرنسية  مع أنه  يكون موجها للمواطنين ،  وكما هو الحال بالنسبة  لظاهرة الجناية اللغوية ـ إن صح  التعبير ـ‘  على  أبناء  الجالية المقيمة في الخارج . ومع شديد  الأسف  أذكر أنني  أسديت  نصحا لأحد الآباء المغتربين  بخصوص هوية ابنه اللغوية المهددة أو الضائعة  وهو  في حالة  زهو وافتخار به  في  مكان عمومي ، فكان جوابه أنه لا حاجة  له بالعربية  التي لن تفيده  في شيء دون  أن يعلم أنها تفيده  في هويته اللغوية  التي  لا قيمة  له  بدونها أمام  أقرانه في بلاد  المهجر  التي لا تبالي  بمن يتحدث  بلغاتها ، ولا تعتبر ذلك  مصدر فخر  بل  تعتبره دليلا  على التبعية  وانفصام  الهوية . وصدق من قال قد يفعل  الجاهل  بنفسه ما يفعل  العاقل  بعدوه . 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz