ظاهرة التسول بالمغرب بين الديني والسياسي والاجتماعي

36762 مشاهدة

ما هي في نظركم الأسباب الحقيقية لظاهرة التسول بالمغرب:
في الحقيقة تعتبر هذه الظاهرة من الظواهر الجد معقدة , وليست بسيطة كما يبدو للإنسان العادي , وذلك لسببين اثنين: أولهما أن الإنسان المغربي, كما هو الحال بالنسبة لكل إنسان,تمنعه نخوته وكبرياءه من مد يده طالباً الصدقة, بالرغم من فاقته وحاجته,والسبب الثاني ينبع من كون أن هذه الظاهرة هي من زاوية تحليلية, تعتبر محلالاً سوسيولوجياً بمعنى آخر أداة كاشفة لأسبابها الكامنة منها والظاهرة, كما تعتبر كثافتها في مجتمع من المجتمعات دليل ومؤشر على وضعيته الاقتصادية والسياسية والثقافية, وهذا هو البعد الأهم في الظاهرة ,لذلك فتحليلي سوف يرتبط بالضرورة بهذا البعد السوسيولوجي, فالتسول في المغرب أضحى في الآونة الأخيرة, بنيوياً في إطار النسيج المجتمعي, خاصة في الأوساط المهمشة والمقهورة اجتماعيا, ويتضح ذلك من خلال ارتفاع أعداد المتسولون في كل الشوارع المغربية وفي كل المدن, وهو ما يوضح بعمق التخلف المجتمعي على المستوى التنموي, بصفة عامة, وخاصة التنمية البشرية المستديمة, والتي تركز ضمن ما تركز علية على الجانب الاجتماعي, وما دامت نسبة البطالة في ارتفاع تتجاوز الآن / 26 بالإضافة إلى ارتفاع مستوى الإعالة, إذ نجد الأغلبية الساحقة من المشتغلين : موظفين وعمال وأجراء, من يمكن إدراجهم في إطار الدخل اليومي الذي يقل عن 75 درهم تعيل أكثر من 7 أفراد بالرغم من بلوغ الأبناء سن الرشد قانونياً, وهنا أريد أن أشير إلى أن سن الرشد الحقيقي يبتدأ لحظة الاندماج في النسيج السوسيو-اقتصادي, بدل إعالته من طرف الأب أو أحد الاخوة الكبار , وأحياناً الأمهات في حالة الأرامل وعددهم كبير يستحق الدراسة, لكن وكما أشرت إلى ذلك فإن أهمية الظاهرة كونها تترجم واقع البلاد على كافة المستويات , وخاصة العالم القروي الذي وكما أكدت عدد من الدراسات السوسيولوجية ارتباطه العميق والمتعالق بالواقع السياسي, والتنموي للبلاد , إذ أن سنوات الجفاف التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة, بالإضافة إلى التوزيع المجحف للأراضي الفلاحية غداة الاستقلال, والذي استفاد منه الأعيان وكبار القواد والعائلات الميسورة التي كانت أقرب إلى الجهات المسؤولة لحظتها, في حين بقي أغلب الفلاحين الذين كانوا مالكي أراضي قبل الاستعمار بدونها فيما بعد , كما أن الاستعمار, ومن خلال البلترة وتحويل الفلاحين إلى يد عاملة, قد سرع بهروب هؤلاء الفلاحين الصغار من القرى باتجاه المدن والحواضر, وهذا ما كرسته وشجعت عليه بشكل غير مباشر الدولة من خلال فشلها الذريع في التنمية البشرية المستديمة, وهذا الفشل بدأ منذ تهافت برامج التخطيط الخماسية من الستينيات لعدة أسباب لا يسمح المقام بالحديث عنها, قلت إن هذه الظاهرة لها ارتباط وثيق وجوهري على المستوى البنيوي الوظيفي, إذ أن أغلب المتسولين ينتمون بنسبة كبيرة إلى ضواحي المدن والحواضر, وأغلبهم حديثي العهد بالمدن, في إطار ما يسمى بالهجرة القروية , والنزوح القروي,الاضطراري, وبالتالي فإن المسألة لا تتعلق بظاهرة عابرة ومؤقتة بقدر ما تتعلق بمشكل جوهري, ومحدد اجتماعي يميز المجتمعات المتخلفة,نأتي الآن إلى مسألة أخرى, وهي تتعلق بالبعد السيكو-سوسيولوجي, والذي بطبيعة الحال لا ينفصل عن باقي المحددات التي تدخل في إطار التربية وبناء الشخصية, هذا البعد هو المتمثل في الاحتراف الذي يجعل من هذه الظاهرة حرفة وعملا بمعنى من المعاني,إذ أن الاستحالة واليأس الاجتماعي من الاندماج في النسيج المجتمعي, بسبب الفوارق الصارخة بين الشرائح الاجتماعية حتى لا أقول الطبقات, لأن هذا المفهوم يتطلب مستوى أخر من التحليل يرتبط بالماركسية , وصراع الطبقات ومنه بالبروليتاريا والبورجوازية, وهي محددات لا تنطبق على المجتمع المغربي الذي أحتفظ بوصف بول باسكون له بكونه مجتمع مركب composite , بمعنى أكثر وضوحاً تأسست عدة عوامل نفسية واجتماعية جعلت من المال هو القيمة المطلقة في حد ذاتها, من جهة وكما جعلت من الإتكالية والرغبة الكبيرة في الربح السريع معيار الحياة الاجتماعية, وهذا ما يدفع عدداً من هؤلاء المتسولين إلى احتراف هذا العمل بين قوسين, كما أن الدين كمرجعية سوسيو-ثقافية , أنا هنا أتكلم عن الدين في بعده التطبيقي, والتداولي, ولا عن الدين في بعده الروحي المرتبط بالعالم المفارق وما إلى ذلك …قلت إن هذه التطبيقات تشجع على الاحتراف كما على انتشار الظاهرة في حد ذاتها , انطلاقا من اعتبار المتصدق والمانح للصدقة, فعلا دينياً ينتمي إلى المقدس, من منطلق أنا الله سوف يرد هذه العطية بمثلها أو أكثر, وهذه الصدقة في حد ذاتها هي جواز العبور الرمزي إلى الجنة والعطف والأجر الإلهي,و هذا من جهة أخرى يجعل كل تمرد لهؤلاء المتسولين والمهمشين وكل الدين هم مقبلون لا محالة على هذه الحرفة,أمراً مستحيلاً كما يجعل من تطور الفكر الاجتماعي والمطلبي الحقوقي, مستبعداً كما هو الحال في التأطير والتنظيم في إطار مؤسسات تطالب بالاندماج الاجتماعي والاقتصادي, وفي نفس الوقت تصبح الظاهرة بنيوية في تركيب النسق المجتمعي والذي مع الوقت يصبح صعباً التحكم فيها, والمثال على ذلك ما تعجز عنه الدولة حالياً , بالرغم من صيحات ونداءات مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الدولية بخصوص الاستغلال الاقتصادي للأطفال, خاصة أمام تفشي استغلال الأطفال واستعمالهم في التسول لاستعطاف المارة والتأثير فيهم وبالتالي كسب المال.أما بخصوص الإعلام فأن له دور كبير في هذا السياق, ولو أنه يتعلق الأمر في المرحلة الحالية بالتحسيس والتوعية , ولو أن دورها الحقيقي يتعلق بكشف المرجعيات والأسباب الدينية والسياسية والتي تجد في إبعاد الفكر النقدي والمطلبي, والاحتجاجي ضد استغلال فئات قليلة للغالبية العظمى من الشعب وضد الجرائم الاقتصادية والسياسية وما إلى دلك, من الأسباب والعلل التي إن اختفت, اختفت الظاهرة من أصلها, لذلك فعلى الدولة بكل مؤسساتها التفكير ملياً والمرور إلى التطبيق العملي لكل الشعارات التي ترفعها بخصوص الاهتمام بالاجتماعي والتنموي, وبالتالي بالعنصر البشري, خاصة وأن هذه الظاهرة سوف تشكل في الأمد القريب مصدر أنوميات اجتماعية, ومنبعاً لعدد من الجرائم والأفعال اللا اجتماعية, خاصة أمام ارتفاع عدد المتسولين من جهة , وقلة الدخل اليومي لهؤلاء بسبب الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يشتكي منه الجميع, والذي يجعل عدداً من المواطنين في حاجة ملحة ولا يمنعه من التسول سوى الكبرياء.أما مسألة أن المغرب شعب التضامن , وسلوكنا تضامني فإنها مسألة لا تتعلق في نظري إلا بالاستهلاك السياسي والإيديولوجي الذي لا يفعل سوى تأجيل النقاش الوطني الحقيقي حول إعادة تقسيم ثروات البلاد, والحسم مع الجرائم الاقتصادية والسياسية, التي من شأنها تأخير البلاد و اغتيال حلم الوطن للجميع.

ظاهرة التسول
ظاهرة التسول

*أجرى الحوار: عثمان ودودينشر هذا الحوار بجريدة ” النهار المغربية ” عدد 416 بتاريخ 12/03/2006

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz