ظاهرة الاحتفال بسنوات صارت تعد وتحسب بعدد الشرور لا بعدد الشهور

14315 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 1 يناير 2013، قدر الإنسان  أنه لا وجود له  دون زمان أو مكان ،وأنه لا يستطيع التفكير خارج مقولتي الزمان والمكان . ومكان الإنسان هو كوكب الأرض البيضوي الشكل السابح في الفضاء  بحركة دوران حول نفسه وحول نجم الشمس . وزمانه  مرتبط بحركة مكانه المتحرك حيث يعتبر استكمال مكانه لدورة حول نفسه زمنا ، كما يعتبر استكماله لدورة حول  نجم الشمس زمنا . والإنسان يعد  زمن حركة الأرض حول نفسها  يوما ، كما يعد زمن حركتها حول الشمس سنة أو حولا أو عاما . وحياة الإنسان محكومة  بالزمن الذي هو في نهاية المطاف  وقت حركة الأرض التي هي المكان المحتضن له . وظاهرة احتفال الإنسان بالزمن قديمة قدم تاريخ وجود الإنسان فوق سطح هذا الكوكب . واحتفال الإنسان بالزمن سببه هاجس الخوف منه، علما بأن الاحتفال هو انشغال واهتمام ، والانشغال والاهتمام إنما يأتي  بسبب هاجس الخوف . ومعلوم أن الإنسان  يسكنه منذ وجد  على سطح هذا الكوكب هاجس الخوف من  المكان الذي  يحتضنه ، وهو  مكان متحرك بسرعة كبيرة في فضاء سحيق ، كما أنه يضم في جوفه نارا ملتهبة تطل على سطحه بين  الحين والآخر في شكل  براكين ترمي بالحمم  الحارقة القاتلة ، كما أن بعض أجزائه تهتز بين الحين والآخر، وتخلف دمارا هائلا ، فضلا عن كون غلافه الجوي فيه ظواهر طبيعية مرعبة كالرياح العاتية والأعاصير التي لا تقل  خطورة عن البراكين والزلازل . كل ذلك  جعل الخوف يسكن الإنسان الذي قدر له أن  يعيش فوق سطح هذا الكوكب المليء بالمخاطر . ومن شدة خوفه  خضع لهذا الكوكب أو لقمره الذي  يصاحبه في حركته  أو للنجم الذي يسبح حوله، فاتخذهم آلهة  اتقاء  لشرهم . وخوف الإنسان من حيز المكان هو الذي جعله  ينتبه إلى حيز الزمان الذي يؤطر أحداث  حيز المكان . فاليوم بنهاره المضيء وليله المظلم هو زمن حركة الأرض حول نفسها ، وداخل حركة الأرض  توجد حركة الانسان وهي عبارة عن أحداث  تصدر عنه  يقيسها بمقياس حركة الأرض ، وتمضي هذه الأحداث ، ولا يبقى منها في ذاكرة الإنسان  إلا  ما قيست به من زمن اعتباري . وهكذا اخترع الإنسان التاريخ ، وهو  زمن الأحداث البشرية فوق  سطح  كوكب الأرض ، وهو تاريخ أصغر متضمن  في التاريخ  الأكبر لحركة  هذا الكوكب  .واهتدى الإنسان إلى قياس حركة الأرض حول نفسها  وحول الشمس ،فاكتشف التوقيت اليومي بالساعات ، والتوقيت الشهري بالأيام ، والتوقيت السنوي بالشهور ، وتوقيت القرون بالسنوات ، ثم بلغ أمره  اكتشاف التوقيت بسرعة الضوء بعد معرفته  بالكون الذي يضم حيزه البيضوي السابح في الفضاء . وبالعودة إلى النقل  ، وهو العقل المطلق يجد الإنسان  إشارة إلى زمن حركة الأرض  في قول الله تعالى في القرآن الكريم ، وهو آخر رسالة سماوية من الله  ذي العزة والجلال إلى البشرية قاطبة  : (( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم )). ومعلوم أن  العقل البشري النسبي اقتبس  هذا العد من النقل لأن آخر رسالة من الله عز وجل للبشرية  تضمنت ما جاء في باقي الرسائل التي سبقتها لقوله تعالى في آخر رسالة : ((  ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك )) ، ومما قيل للرسل من قبل عدة الشهور عند الله عز وجل .  وذكر الوحي كيف علم النقل العقل البشري علم السنين والحساب في قوله تعالى : ((  وجعلنا الليل  والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب )) . فالإنسان تعلم من حركة دوران الأرض حول نفسها حساب السنين وحساب غيرها مما  يتعلق بحياته . وتكررت في الوحي الإشارة إلى ظاهرتي الليل والنهار  في قوله تعالى : ((  هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين  والحساب )) . وهذا ما جعل البشر يتعلم  عدد السنين  من خلال دوران الأرض حول  الشمس  أو دوران القمر حول  الأرض ، ومن هنا وجدت السنة القمرية والسنة الشمسية  ،ولكل واحدة منهما تقويم خاص بها  وهما تقويمان  : تقويم النهار المضيء ، وتقويم الليل المظلم ،مع أن السنة واحدة في نهاية المطاف  باثني عشر شهرا  في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض . والإشارة إلى منازل القمر في الآية السابقة تدل على أن التقويم القمري  هو المعتمد  في النقل  ، مع ورود التقويم الشمسي . وما يميز التقويم القمري  عن التقويم الشمسي هو حركة الأول، وثبوت الثاني  بحيث  تدور شهور السنة القمرية مع فصول الأرض الطبيعية ، في حين تظل شهور السنة الشمسية ثابتة مع  فصول الأرض الطبيعية . ويقاس زمن السنة القمرية بحركة دوران القمر حول الأرض ، في حين   يقاس  زمن السنة الشمسية بحركة دوران الأرض حول الشمس . وما يميز مقياس السنة القمرية أنه  أدق من مقياس السنة الشمسية ، لأن  قياس الزمن اثنتا عشرة مرة  في السنة أدق من قياسه مرة واحدة ، ما دام الزمان يقاس  بحركة المكان ، وهي حركة متحكمة فيه .

نعود بعد هذا إلى ظاهرة احتفال الإنسان  بالزمن  خصوصا بعد استكمال الأرض دورتها السنوية حول الشمس. فالناس يسمون  هذا الاحتفال احتفالا  برأس السنة  ، ومعلوم  أن الرأس يطلق على أعلى الشيء  أو بدايته ، فهم يعبرون  بذلك عن احتفالهم ببداية  السنة . وفي اعتقادي أن الذي أوحى إليهم  بالاحتفال  بالبداية هو قياس حركة الأرض  على ميلادهم ، فكما أنهم  يولدون في لحظة من لحظات حركة الأرض التي  علمتهم حساب السنين وحساب غيرها ، فإنهم  يعتبرون  استكمال حركتها حول الشمس  بداية  دورة جديدة ، لهذا عبروا عن ذلك باحتفالهم برأس السنة أو بأول يوم في السنة، أو بأول زمن لحركة الأرض  في دورة جديدة لها حول  الشمس . وفي اعتقادي أن الناس  يخطئون  الاحتفال ، لأن الاحتفال في الأصل  اهتمام ، وكيف يهتم بشيء في بدايته  دون علم بما  سيكون فيه  ، أو ما سيكون عليه . وهذا يؤكد أن الإنسان  يسقط  حاله على الأرض  التي  تحتضنه مع وجود فرق شاسع  بين حاله وحالها ، فهو إن احتفل  بمولده كان ذلك مجرد فرح بمجيئه إلى الحياة ، ولا يوجد ما يحتفل أو يهتم به في مجيء مخلوق  إلى هذه الحياة قبل أن  يعرف شأنه وسعيه فيها . وعليه فاحتفال الإنسان  بسنة جديدة  مجرد فرح شبيه بفرحه  بميلاده ليس غير . أما الذي يستوجب في الحقيقة الاحتفال والاهتمام هو السنة التي مضت ، وهي حبلى  بأحداث  من صنع البشر . والأحداث التي يصنعها البشر خليط من الشر والخير والإساءة والإحسان . ومن المنطقي أنه لا يحتفل  إلا بالخير والإحسان . ولا يتأتى ذلك لبني البشر إلا إذا كان خيرهم وإحسانهم فوق سطح هذا الكوكب  أكبر من شرهم  وإساءتهم . والمتأمل  لحال  البشرية  خلال  سنة مضت وانقضت  يجد أن  شرها  فاق خيرها أضعافا مضاعفة  . وكان الأجدر بها ألا تحتفل  بسنة  حلت  وقد مضت أخرى وفيها من الشرور الشيء الكثير . والاحتفال أو الاهتمام لا يكون مفيدا  وذا نفع إلا إذا  استفاد الإنسان مما  فاته  من خير وضاع منه. بالأمس وفي جانب الكرة الأرضية  الذي  ساده ظلام الليل  ، وهو الجانب السابق  في حساب  السنين  بدأت الاحتفالات  بالألعاب النارية  ابتهاجا  بحلول عام جديد . وكان الجانب المظلم  من الكرة الأرضية   هو قدوة الجانب المضيء حيث  سار هذا الأخير على نهج سابقه في الاحتفال . وعندما يتأمل الإنسان  حجم الاحتفالات الشكلية  يستغرب ذلك من إنسان الأرض  المحسوب على التحضر والرقي والتطور يا حسرتاه  . ولقد كان من الممكن أن  يكون حجم  الاحتفالات الشكلية  والصورية في مستوى ما قدمته البشرية  لنفسها  من خير  وإحسان  خلال  عام مضى، خصوصا المجتمعات التي تجعل نفسها في قمة الحضارة والرقي.  فعندما نقيس  حجم الألعاب النارية  التي بدأت  في  أقصى شرق الأرض  ، وانتهت في أقصى غربها ، وحجم  الخمور التي استهلكت  نخب  السنة الجديدة  ، وحجم  المأكولات التي التهمت ، وكلها مظاهر احتفالات شكلية  مع حجم  معاناة  البشرية  على سطح هذا الكوكب  خصوصا عند الشعوب البائسة  لا يسع البشرية  إلا الخجل من نفسها بسبب هذه الاحتفالات الصورية الشكلية المناقضة لواقع حالها . وكيف يستسيغ العالم خصوصا الذي يجعل نفسه طليعة التقدم والتحضر أن  يلهو بالألعاب النارية المزينة لأجواء  سماء الأرض في وقت  كانت القنابل القاتلة والبراميل  المتفجرة ، والصواريخ والطائرات المدمرة  تقتل الشعب السوري الذي لا ذنب له سوى أنه  أراد أن يقتدي  بدول العالم المحسوبة على التحضر من خلال اختيار من يحكمه  بكل حرية عوض  أن يحكم بالنار  والحديد والشبيحة أمام  مرأى  ومسمع العالم المتحضر الذي لم يحرك ساكنا ،لأنه يجعل  مصالحه  وأنانيته  فوق  كل اعتبار ، بل  يجعل الشعب السوري  قربانا من أجل تحقيق مصالحه ، وتحقيق ذاته  وأنانيته . وكنا نود لو أن الألعاب النارية المستهلكة  في آخر يوم من سنة خلت، وأول يوم من سنة جديدة كانت بمناسبة  إنهاء محنة الشعب السوري ، ولكن مع شديد الأسف  كانت احتفالات عبثية  لا معنى لها  سوى احتفال الإنسان الهمجي المحسوب على التحضر بأنانيته التافهة . وكيف  يستسيغ العالم اللهو بالألعاب النارية والشعب الفلسطيني محاصر في مساحات جغرافية  لا يوجد أضيق منها  فوق سطح هذا الكوكب  بلا قوت ولا دواء ولا إنارة  ولا أمن ولا سلام   بسبب دلال  عرقي  وطائفي لأمة اليهود  في عالم محسوب على التحضر ، و قد بلغ من  التطور العلمي ما يجعله  متجاوزا  بسنوات ضوئية أساطير العرقية والطائفية  المنتنة طالما أن كل البشر يأكلون الطعام  ويخرجونه  بطريقة واحدة ، ولا قيمة  لهم في هذا العالم إلا بقدر ما يقدمونه للبشرية من خير وإحسان ؟  وكيف يستسيغ العالم  المحسوب على التحضر اللهو والطعام والشراب  احتفالا بحلول سنة جديدة ، وكثير من شعوب الأرض تموت جوعا  وعطشا  ومرضا  وخوفا ؟ ألم يكن الأجدر والأولى بشعل الألعاب النارية المتساقطة في دول العالم المحسوب على التحضر أن  تتحول إلى أرغفة خبز أو حفنات أرز أو قطع لحم  أو علب  سمك  أو علب دواء تتساقط فوق سماء الشعوب الفقيرة والجائعة  والمريضة ؟  ألم يكن  الأجدر والأولى أن  تتحول  شعل الألعاب النارية إلى صواريخ  تعترض طائرات  النظام الوحشي في سوريا، وتعترض صواريخه الحارقة والمدمرة  لحماية الطفولة والشيخوخة والأنوثة ؟  ألم  يكن الأجدر والأولى أن تتحول شعل الألعاب النارية إلى معاول  تهدم  الأسوار والمستوطنات وتقتلع الأسلاك الشائكة التي تحاصر الشعب الفلسطيني  في أضيق حيز على وجه الأرض ؟ ألم يكن الأجدر والأولى بالإنسان الهمجي  في هذا العالم ، و الظان بنفسه التحضر أن  يخجل على الأقل من نفسه  ، فلا يحتفل  احتفال الصغار ، وهو  متورط في كل أنواع الشرور ، ومتسبب في  مآسي بشرية لا حصر لها ؟  ولما كان العالم المحسوب على التحضر لا يستحيي فقد ناسبه أن يحتفل  بالمشاعل و الألعاب النارية . والمؤسف والمحزن أن  يقلد إنسان الأرض البائس المسحوق  إنسانها الهمجي الوحشي المحسوب على التحضر ، فهذا الأخير  يشرب  نخب عذاب الأول ، والأول  يتجرع  نخب آلامه المبرحة ، وهو لا يشعر في عالم  صارت سنواته  تعد وتحسب بعدد الشرور لا بعدد الشهور .

ظاهرة الاحتفال بسنوات صارت تعد وتحسب بعدد الشرور لا بعدد الشهور
ظاهرة الاحتفال بسنوات صارت تعد وتحسب بعدد الشرور لا بعدد الشهور

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz